عقد من الزمن مر على الانقلاب في مصر، ففي الثالث من يوليو عام 2013 تم الغدر بالرئيس الشهيد محمد مرسي، الذي كان أول رئيس مصري منتخب في انتخابات حرة، من قبل المجلس العسكري برئاسة عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزيرا للدفاع وشكل حكومة مؤقتة، وذلك بعد خروج مظاهرات دبرتها المخابرات، ومولتها الإمارات والسعودية، لإجهاض أول تجربة ديمقراطية في مصر تحت ستار إسقاط حكم الإخوان.
قبل عشرة أعوام، طلب السيسي من المصريين تفويضا لإنقاذهم من الإرهاب ومن حكم الإسلاميين، واليوم يترأس الجنرال دولة بات القانون فيها متاهة يعجز حتى الخبراء عن التعامل معها.
ويرى مراقبون أن دول الجوار المصري وحلفاء عصابة الانقلاب في العالم الغربي يتبنون نهجا غير متوازن تجاه هذه القضايا، حيث يتم إيلاء الأولوية للقضايا الاقتصادية فيما يحظى سجلها الحقوقي باهتمام أقل.
وفي مطلع العام الماضي، حث البرلمانيون الأوروبيون حكوماتهم والأمم المتحدة على إنشاء هيئة خاصة لرصد وضع حقوق الإنسان في مصر وذلك قبيل الاجتماع السنوي للمجلس.
وجاء في البيان الذي وقعه 175 برلمانيا من كتلة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة: "نشعر بقلق بالغ إزاء فشل المجتمع الدولي المستمر في اتخاذ أي إجراء ذي مغزى لمعالجة أزمة حقوق الإنسان في مصر."
وأضاف البيان "هذا الفشل إلى جانب الدعم المستمر للحكومة المصرية والإحجام عن التحدث ضد الانتهاكات المتفشية، أدى فقط إلى تعميق شعور السلطات المصرية بالإفلات من العقاب".
وبعد الخطاب بعام وقبل الاجتماع السنوي التالي للمجلس بفترة وجيزة، نشرت سبع منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش، والعفو الدولية ومراسلون بلا حدود، رسالة أخرى جاء فيها "لم تكن هناك متابعة ذات مغزى على الرغم من حقيقة أن وضع حقوق الإنسان في مصر قد تفاقم".
الناس خايفة
منذ عقود يتم اعتقال ناشطين أو محامين، بسبب آرائهم أو نشاطهم السياسي في البلد العربي الأكثر تعدادا للسكان، على ما تقول المحامية المدافعة عن حقوق الانسان ماهينور المصري.
لكن اليوم يتم اتهام مواطنين عاديين بالإرهاب، بسبب مقطع على تيك توك أو تدوينة على فيسبوك تدين غلاء المعيشة، وفق المصري.
ويضيف مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت "كل الناس تخشى أن يتم اعتقالها واحتجازها إلى أمد غير محدد".
ويتابع "إنها أداة للحكم فعالة للغاية إذ انتقلنا من الرقابة الذاتية إلى وضع بات فيه شعب كامل رهينة".
سامر الدسوقي واحد من الذين عانوا من قرارات قضاء بات خاضعا، جراء تقديم العلاوات والترقيات أو قرارات نقل عقابية، لضمان ولاء القضاة بحسب ناشطين.
في الثامن من مايو 2022، أوقف الدسوقي في الشارع، على ما أفاد حسام بهجت وكالة فرانس برس، وتؤكد أسرته أنه ليس إسلاميا ولا ينتمي إلى المعارضة الليبرالية، ولم يتمكن محاموه من الاطلاع على ملفه كما هو الحال في الكثير من القضايا التي تحال على محاكم أمن الدولة.
في يوليو 2022، قضت محكمة مختصة بقضايا الإرهاب في مدينته دمياط ببراءته من تهمة "الانضمام إلى جماعة ارهابية"، وأعيد تقديمه للمحاكمة بالتهمة نفسها مرتين بعد ذلك في أكتوبر وديسمبر وتمت تبرئته كذلك في الحالتين، لكنه لا يزال قيد الحبس الاحتياطي، ففي كل مرة تسجل قضية جديدة برقم جديد ويُحبس مجددا.
وتؤكد واشنطن أن مصر تنتهك حقوق الإنسان في جميع المجالات، من السجون إلى حرية التعبير مرورا بحقوق مجتمع الميم أو التعذيب، ويقول بهجت: "مصر لم تكن أبدا ديموقراطية ليبرالية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولكن في ظل السيسي زادت الأمور سوءا".
من جهتها، نزلت ماهينور المصري إلى الشارع في 30 يونيو 2013 للمطالبة برحيل الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، بعد عشر سنوات، سجنت خلالها ثلاث مرات في عهد السيسي، لم تعد تشارك في أي تظاهرات.
ويؤكد حسام بهجت، أن قبل الإطاحة بحسني مبارك في العام 2011 وبعدها، كانت الاضرابات والمسيرات أمرا عاديا، أما اليوم فلا توجد تظاهرات على الإطلاق، ولا توجد أي صحيفة معارضة ولا أي وسيلة للتعبير عن رأي معارض بطريقة منظمة".
وتقول المنظمات الحقوقية: إن "562 موقعا إخباريا أو تابعا لحزب أو جمعية حٌجبت في مصر، في المقابل، تتحدث عصابة الانقلاب باعتزاز عن استراتيجيتها لحقوق الانسان".
وباشرت عصابة الانقلاب كذلك حوارا وطنيا يشارك فيه، بحسب منسقه العام ضياء رشوان، سجناء سابقون ويتناقشون بحماس مع أفراد يمثلون النظام.
كذلك، أصدر السيسي قرارات عفو رئاسي عن الكثير من المسجونين وألغى حالة الطوارئ، لكن الناشطين الحقوقيين، الذين صدرت في حق كثيرين منهم قرارات بالمنع من مغادرة البلاد أو بتجميد حساباتهم المصرفية، يقولون إن هذا مجرد ذر للرماد في العيون.
200 امرأة معتقلة
ويشير حسام بهجت إلى أن الإجراءات الاستثنائية التي كان ينبغي أن تزال مع إلغاء حالة الطوارئ، تم دمجها تدريجا ضمن القوانين العادية لتصبح "أداة للقمع".
ويرى أنه حتى في أوج الحكم السلطوي في عهد الرؤساء السابقين، كان هناك إطار قانوني لتغطية الانتهاكات وهو ما لم يعد قائما اليوم.
وتحتل مصر المرتبة 135 من أصل 140 دولة في التصنيف الدولي لدولة القانون الذي يضعه مركز وورلد جاستس بروجكت.
ويضطر المحامون المصريون، بحسب ما تشرح ماهينور المصري، إلى حضور جلسات تجديد الحبس الاحتياطي مع موكليهم عبر الفيديو، وتقول: "نرى 20 محتجزا على الشاشة محاطين بحراس وبالتالي فهم لا يستطيعون التحدث عن ظروف احتجازهم إذا كانت لديهم أي شكوى".
فتحت عصابة الانقلاب خمسة "مراكز تأهيل" مزودة بمكتبات وورش ومصانع يفترض أن تحل محل السجون القديمة، لكن منذ مطلع العام الحالي، أحصى الناشطون وفاة 16 موقوفا، من بينهم خمسة في هذه المراكز، وتلزم عصابة الانقلاب الصمت المطبق بشأن عدد السجناء.
وتستند ماهينور المصري إلى تجربتها الشخصية لتقدير العدد، فعندما سجنت في العام 2016 كان في سجن النساء الذي احتجزت فيه 30 سجينة سياسية، لكن عندما عادت إلى السجن في العام 2019 كان جناحا كاملا مخصصا للسجينات السياسيات أي حوالى 200 سجينة.
بعد عشر سنوات على أحداث 30 يونيو، ما زال السيسي في السلطة فيما تأزم الوضع العام في مصر في كثير من النواحي عن ما مضى، إذ بات الاقتصاد في وضع صعب مع تراكم الديون الخارجية وارتفاع معدلات التضخم وتردي قيمة الجنيه، وهو ما دفع الحكومة بيع أو تأجير الأصول المملوكة للدولة مثل شركة المصرية للاتصالات أو وسائل النقل العام أو الموانئ من أجل خدمة الديون الخارجية.
يتزامن هذا مع تشديد السيسي قبضته على السلطة، فقد تعرض صحفيون مستقلون ونشطاء حقوقيون لمضايقات واعتقالات. وذكر ناشط جرى اعتقاله في السابق لموقع Coda Story "كودا ستوري" الاستقصائي أنه رأى ضباطا من الجيش يوقفون بعض العامة في الشارع لفحص هواتفهم ثم اعتقالهم، بعد اكتشاف نشرهم أو أعجابهم بمنشورات تنتقد الحكومة أو تسخر منها على منصات التواصل الاجتماعي.
ويصنف موقع "فريدوم هاوس" مصر على أنها "ليست حرة" مع تآكل معايير الحرية ببطء على مدى السنوات الخمس الماضية إذ حصلت مصر على معدل 26 نقطة من أصل 100 في عام 2018 لكنها حققت الآن 18 نقطة فقط فيما حصل المغرب على 37 نقطة، وألمانيا 94 نقطة من أصل 100 نقطة.