وافق مجلس نواب الانقلاب من حيث المبدأ في جلسته بتاريخ 10 يوليو 2023م، على مشروع قانون "التحالف الوطني للعمل الأهلي"، خلال جلسته العامة في 10 يوليو الحالي (2023)، الأمر الذي أثار مخاوف حقوقيين وناشطين سياسيين، اعتبروا أن مشروع القانون " هو خطوة جديدة نحو تعزيز وصاية السلطة على المجتمع والعمل الأهلي بشكل عام ومحاولة جديدة لفرض سيطرة الدولة على الجمعيات والمنظمات الأهلية"، لا سيما وأن مشروع القانون الجديد يأتي بعد تصديق الجنرال عبد الفتاح السيسي، في إبريل 2022، على مد فترة توفيق أوضاع الجمعيات، المقررة بالقانون رقم 149 لسنة 2019م.
ورغم أن مشروع القانون يستهدف، «إنشاء تحالف وطني للعمل الأهلي التنموي، غير هادف للربح، وله الشخصية الاعتبارية، ويتمتع بالاستقلال الفني والمالي والإداري»؛ إلا أنه يثير مخاوف كبرى من فرض قيود على منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية في مصر، ليكون بمثابة "حلقة جديدة من ترسانة التشريعات المكبّلة للعمل الأهلي والمدني في مصر، ويلحق بقانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي لسنة 2019، الذي يمنح السلطة وأجهزتها الأمنية والإدارية، صلاحيات واسعة للغاية، للإشراف على تسجيل المنظمات غير الحكومية، وأنشطتها، وتمويلها، وحلّها، ويقيّد أنشطة المنظمات غير الحكومية من خلال قصر عملها على تنمية المجتمع"، حسب وصف منظمة العفو الدولية.
وثمة مخاوف من توظيف السلطة هذه الترسانة الضخمة من القوانين في تقييد العمل الأهلي والحقوقي؛ لا سيما وأن أبرز المنظمات غير الحكومية التي تعمل في مصر في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك تلك التي تقدم المساعدة القانونية المجانية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، كشركات غير ربحية أو كمكاتب محاماة، وتواجه خطر الحل لعدم التسجيل بموجب قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي لسنة 2019م. وعلى الرغم من أن مشروع القانون لا يفرض على المنظمات الأهلية الانضمام إلى "التحالف"، ويجعل الانضمام له اختيارياً، إلا أنه يخوّل للتحالف المزمع إنشاؤه، صلاحيات وسلطات واسعة، منها إقامة المشروعات الخدمية، ودعم المبادرات الاجتماعية، وإنشاء الشركات، وعقد المؤتمرات، وإجراء مسوح ميدانية.
مشروع القانون الجديد يثير مخاوف قوى وأحزاب كثيرة ولا تتوقف هذه المخاوف عند الرافضين للنظام فقط بل تتعدى ذلك إلى الذين أيدوا الانقلاب العسكري في يوليو 2013م؛ ويبدي أستاذ القانون زياد بهاء الدين، نائب رئيس مجلس الوزراء لأول حكومة بعد الانقلاب العسكري برئاسة حازم الببلاوي، مخاوفه من مشروع القانون، وكتب على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": «أخشى أن يكون الهدف من إنشاء التحالف هو وضع نشاط الجمعيات الأهلية تحت مظلة كيان (قابض) جديد، غير محدد الهوية القانونية، ويتمتع بسلطات وصلاحيات واسعة، ويفرض واقعاً رقابياً جديداً. فالعمل الأهلي التطوعي يتعارض بطبيعته مع إنشاء كيانات مركزية تسعى لاحتواء المنظمات الأهلية المتنوعة والسيطرة عليها». واعتبر أنه "طبقاً لبعض نصوص القانون، لن يكون تحالفاً جامعاً للمنظمات الأهلية كما يوحي اسمه، بل جهازاً حكومياً رقابياً وتنفيذياً واستثمارياً في آن واحد».
هذه التطورات السلبية في الملف الحقوقي تتزامن مع أعمال المسئولين بلجان الجمع والصياغة في "الحوار الوطني" للتوصيات والمقترحات التي سيتم تقديمها للجنرال السيسي للبت فيها وسط اعتراضات بعض الذين شاركوا في أعمال وجلسات الحوار على تجاهل المطالب الخاصة بالملف الحقوقي والسياسي، لا سيما وأن الانتهاء من الحوار قد يكون في منتصف شهر أغسطس المقبل "2023" في جلسة عامة بحضور السيسي وسط تراجع حاد في مؤشرات التفاؤل بشأن مخرجات الحوار. والتي قد تنفض بموافقة النظام على تعديل بعض القوانين أو الإفراج عن بعض المحبوسين، حتى يتم التفرغ لحملة الانتخابات الرئاسية المقبلة".
من جهته، قال المتحدث باسم "الحركة المدنية الديمقراطية"، المقرر المساعد للجنة الأحزاب السياسية بالمحور السياسي في الحوار الوطني، خالد داوود، إن كل الأطراف المشاركة في الحوار تقدمت بمقترحاتها، وهناك بعض المقترحات التي بها تباين في الرؤى ووجهات النظر مثل قوانين الانتخابات، وعلى مؤسسة الرئاسة أن تنظر في المقترحات بعين الاعتبار وتقبلها أو ترفضها، ولكن لا أحد يعلّق آمالاً عريضة على نتائج الحوار، فالاهتمام الأكبر الآن انتقل إلى انتخابات الرئاسة المقبلة، وفقد الحوار زخمه".
وفي أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م شن نظام العسكر حربا ضارية على المجتمع المدني بشكل عام والنشاط الخيري على نحو خاص. وقد انحصرت هذه الحرب في مظهرين بارزين:
- الأول، هو نسف وتدمير المؤسسات الخيرية التي كان يديرها الإخوان المسلمون، والتي كانت تمتد بمظلة الرعاية والتكافل إلى ملايين الفقراء والمحرومين والمرضى.
- الثاني، هو إصرار الدولة على فرض وصايتها على النشاط الخيري واحتوائه عبر بسط يد الأجهزة الأمنية على مجمل النشاط الخيري ليتحول من نشاط مدني أهلي صرف يختص به المجتمع إلى نشاط شبه رسمي تضع الدولة يدها عليه من الألف إلى الياء. فتم إنشاء صندوق «تحيا مصر» في نوفمبر2014، بقرار جمهوري بقانون رقم 139 لسنة 2014م، ثم جرت تعديلات أخرى على القانون في يوليو 2015، حيث صدر قرار آخر بقانون رقم 84 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام القرار بقانون رقم 139 لسنه 2014 بإنشاء "تحيا مصر" بحيث يتمتع بالاستقلال المالي والإداري؛ بهدف تكريس وضعه باعتباره قاطرة العمل الخيري في مصر، بما يعني تأميم العمل الخيري وجعله شأنا حكوميا لا مدنيا ويقوم عليه النظام وأجهزته الأمنية وليس المجتمع وقواه الحية الفاعلة. وقد صادق السيسي في 15 يونيو 2021م على قانون رقم 68 لسنة 2021م بتعديل بعض أحكام القانون رقم 84 لسنة 2015م بإنشاء صندوق "تحيا مصر". وبنظرة أكثر عمقا، يمكن الجزم بأن التعديل الأخير يستهدف بالأساس إعطاء الصندوق أولوية لقيادة العمل الأهلي في مصر من المنظور الخاص بالنظام، وليس بالمعنى التقليدي للعمل الأهلي، بأن يكون هذا العمل موازياً لممارسات الحكومة، وليس نابعاً من المجتمع كشريك للدولة في التنمية. ووفقاً للتعديل، لن تكون أي منظمة أهلية، بما في ذلك ما يتبع المخابرات العامة وغيرها من الأجهزة الحكومية، قادرة على منافسة "صندوق تحيا مصر" في أي مجال.
ونحو مزيد من هيمنة السلطة على النشاط الخيري، تم تدشين ما يسمى بـ«التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي» في 13 مارس 2022م، حيث توقيع ميثاق التحالف تحت مظلة مبادرة «حياة كريمة» التي أطلقها السيسي، ويضم التحالف ٢٤ جمعية، ومؤسسة أهلية وكيانًا خدميًا وتنمويًا، منها الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية والذي يضم في عضويته 30 اتحادًا نوعيًا و27 اتحادًا إقليميًا، والتي تعمل في مختلف مجالات التنمية على تنوعها من خدمية وصحية وتوعوية، وتعليمية، وعمرانية، وغيرها. وإلى جانب الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية يضم التحالف أيضا مؤسسة حياة كريمة ومؤسسة بيت الزكاة والصدقات المصري ومؤسسة الجود الخيرية وجمعية الأورمان وبنك الطعام المصري ومؤسسة مصر الخير ومؤسسة مجدي يعقوب والمعهد القومي للأورام بكل فروعه والهيئة القبطية الإنجيلية ومؤسسة بهية ومؤسسة أهل مصر ومؤسسة صناع الحياة ومؤسسة راعي مصر وجمعية رسالة وجمعية الباقيات الصالحات وجمعية رعاية مرضى الكبد ومستشفيات جامعة القاهرة، وكذلك مؤسسة العربي لتنمية المجتمع وجمعية الدكتور مصطفى محمود ومؤسسة صناع الخير ومؤسسة كير ومؤسسة عدالة ومساندة ومؤسسة أبوالعينين.