في أعقاب نجاح انقلاب الضباط الأشرار، كما وصفهم اللواء محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية بعد 3 يوليو 1952م، تعمدت الآلة الدعائية والإعلامية للضباط إثارة كثير من الغبار الكثيف والقرارات المتتالية على نحو مرسوم بإتقان من أجل إشغال الجماهير عن الأسئلة الصعبة التي كان يمكن أن تؤدي إلى انكشاف الحقيقية وأن الانقلاب على الملك والنظام الملكي ما هو إلا ترجمة حرفية لمخططات مرسومة بعناية في دهاليز المخابرات الأمريكية والبريطانية.
وحتى اليوم في يوليو 2023م يتم الاحتفال تحت غطاء كثيف من الدعاية الفجة لأن هذا الانقلاب تحديدا يمثل محور شرعية الحكم العسكري الذي لا يزال قابضا على السلطة بالحديد والنار حتى اليوم. وهناك تجاهل متعمد للأسئلة الصعبة حول تدخل الإنجليز والأمريكان في مخططات الانقلاب في 23 يوليو؛ فلماذا لم يتدخل الانجليز من أجل إفشال حركة الضباط وحماية عرش “الملك” وهم الذين يسيطرون على مصر عسكريا، أرضا وبحرا وجوا ، شعبا وجيشا؟ وهل يمكن تصور أن تحركات هؤلاء الضباط الصغار كانت بدون علم الإنجليز وجهازهم المخابراتي والأمني الذي كان يرصد كل صغيرة وكبيرة في مؤسسات الدولة؟! ولماذا ترك الإنجليز هؤلاء الضباط الصغار ليقوموا بانقلابهم رغم أن الإنجليز كان بإمكانهم القضاء على هذا التمرد في مهده؛ فهم حفنة ضباط صغار يمكن اعتقالهم في لوري واحد وينتهي الأمر؟! وإذا كان الإنجليز قادرون على احتواء هذا التمرد الصغير فلماذا امتنعوا عن وقفه رغم أنهم قادرون على السيطرة على هذا التمرد وهؤلاء الضباط الصغار بأسلحتهم البدائية؟! وحتى قبل تحرك هؤلاء الضباط في 23 يوليو، ألم يرصد الإنجليز هذا التنظيم العسكري داخل الجيش رغم أن بوادر هذا التنظيم كانت واضحة في انتخابات نادي الضباط قبل الانقلاب بعدة شهور والتي فاز بها اللواء محمد نجيب باكتساح ضد مرشح الملك؟!
الواقع أن حصيلة الإجابة على هذه التساؤلات تفضي إلى نتيجة واحدة هي أن هؤلاء الضباط بكل تنوعاتهم الفكرية كانوا مجرد بيادق اختيروا مبكرا وبعناية فائقة للقيام بلعبة مرسومة في إطار هوجة الانقلابات العسكرية العربية في خمسينيات القرن العشرين والتي تم تجميلها فلقبت بـ”الثورات”. وهى “الثورات” التي على ما يبدو قد صممتها فلسفة أمريكية تتناسب مع هذا الكيان العالمي الجديد الآخذ في التغول خاصة بعد ما قيل عن تنازل بريطانيا لأمريكا عن مستعمراتها القديمة باتفاق سري جري بينهما في يناير 1951، مستخدمة الطريقة الشهيرة التي أوصى بها المفكر الإيطالي “نيقولا مكيافيللي” في السيطرة على المستعمرات الحديثة، ومنها أن ينصب عملاء له من بين شعبها حكاما عليها، خاصة من بين الأقليات أو الطوائف المكروهة، فيقتلون شعبهم ويسلبون ثرواته، ويقدمونها له على طبق من فضة لأنه هو من يحميهم من عدوهم "الشعب".
الغضب على الملك
ساءت علاقة الملك فاروق، ملك مصر والسودان، بالاحتلال البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية لعدة أسباب:
أولا، اتهم الإنجليز الملك صراحة بالتعاون مع القوات الألمانية المرابطة في صحراء العلمين علي الحدود الليبية في الحرب العالمية الثانية فحاصروا قصره بالدبابات في حادث فبراير 1942 الشهيرة ليجبروه على حل الحكومة وتعيين حكومة “الوفد” برئاسة مصطفى النحاس باشا، وذلك من أجل تأمين الجبهة الداخلية في مصر بحكومة تحظى بدعم شعبي واسع بدلا من حكومات الأقلية التي كان الملك يفضلها على حكومات الوفد، ما يؤكد أن بريطانيا كانت كارهة للملك وبالطبع كان هو كارها لها لحيازتها على كافة أدوات السلطة في مصر وتحويله إلى حاكم (صوري) بلا سلطة حقيقية. ويمكننا في هذا الصدد مراجعة العديد من الكتب والوثائق ومنها مثلا كتاب ” الملك فاروق وألمانيا النازية – وخمس سنوات من العلاقات السرية” لكاتبه وجيه عتيق.
ثانيا، رفض الملك الاعتراف بالكيان الصهيوني؛ وقد أشار الملك فاروق نفسه في مذكراته إلى هذا الأمر؛ حين أشار إلى أن السفير الأمريكي كان يلحُّ عليه قبل الانقلاب بقليل أن يعترف بدولة إسرائيل كي يضمن مؤازرة الإدارة الأمريكية، ولكنه كان يجيب على الدوام: «إنني لا أريد أن يسجل التاريخ عليّ أنني أول ملك عربي يعترف بالدولة اليهودية». وهذا ما أثبته فتحي رضوان في كتابه “72 شهراً مع عبد الناصر” حين اتهم «الأمريكان أنهم هم الذين دبّروا خلع الملك فاروق لأسباب عديدة منها عجزه أو رفضه الاعتراف بإسرائيل» كما ورد في محاضر اجتماعاته مع السفير الأمريكي وأن وزير الخارجية الأمريكية دين أتشيسون رفض مساعدة فاروق أثناء الانقلاب الذي أسقطه، كما كانت وقفة السفير الأمريكي الآخر جون فوستر دالاس ضد الملكية، الضربة الحقيقية ضد فاروق لصالح عبد الناصر ورفاقه الضباط.
مؤلفات وثقت دور الأمريكان والإنجليز
وحول محورية الدور الأمريكي البريطاني في انقلاب الضباط الأشرار كما وصفهم اللواء محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية بعد الانقلاب في مذكراته، هنالك عدة كتب تناولت هذا الدور، أحدها أصدره أحد مراكز البحث في “أبوظبي” يضم وثائق تتعلق بانقلاب 1952 تؤكد أن السفارتين البريطانية والأمريكية كانتا غاضبتين جدا من الملك فاروق وتحدثتا بكل صراحة عن ضرورة تغييره. كما حوى الكتاب الأشهر عالميا “لعبة الأمم” لمؤلفه ضابط المخابرات الأمريكية “مايلز كوبلاند” تفاصيل دقيقة عن عدة لقاءات جرت بينه وبين زميله كيرميت روزفلت وقيادات المخابرات الأمريكية من جانب مع جمال عبد الناصر وقيادات الضباط الأحرار من جانب آخر للإعداد للانقلاب. فيما حفل كتاب “ثورة يوليو الأمريكية ..علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية” الصادر عام 1988 عن دار الزهراء للإعلام العربي لمؤلفه الدكتور محمد جلال كشك ، بمئات بل ألاف الشهادات والمصادر التي تسير في هذا الاتجاه، والتي تدحض أيضا الآراء المغايرة. بل راح كتاب مصريون مقربون من السلطة مثل المرحوم “محسن محمد” رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة الجمهورية الأسبق يعترف تلميحا بوجود تلك العلاقة في مقالات نشرتها له “أخبار اليوم”.
نجيب يعتذر
في مذكراته يقول اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية وأحد قادة انقلاب 23 يوليو 1952م، في اعتراف هام وخطير: « أريد أن أحسم قضية مهمة جدا وهي “هل ما فعلناه في 23 يوليو ثورة أم انقلاب ؟!»، مضيفا «إن من يؤيد الإدارة العسكرية يقول إنها ثورة، وكأنه يكرمنا ومن يعارض يقول إنه انقلاب وكأنه يحط منا، والحقيقة التي أشهد بها للتاريخ هي أن ما قمنا به في 23يوليو 1952 في عرفنا نحن ضباط الجيش كان انقلابا واضحا وكنا نحن الضباط مقتنعين بذلك تماما ونعلم جيدا أنه انقلاب وكنا نتفاوض مع الجميع على أنه انقلاب وكنا نعلن ذلك صراحة لأن هذه كانت الحقيقة».
ويضيف نجيب «لكننا عندما أردنا أن نكسب الشعب في صفنا اضطررنا إلى تغيير كلمة انقلاب إلى حركة الجيش المباركة وهذا بمثابة لفظ ناعم أفضل من لفظ انقلاب، وبعد أن التف حولنا الشعب قررنا تغيير الاسم نهائيا إلى ثورة 23 يوليو».
وأكمل نجيب شهادته عمن قاموا بأحداث يوليو 52 قائلاً: «كنت أنا أول من أطلق لقب الضباط اﻷحرار على مجموعة الضباط الذين خططوا لهذا العمل، وأنا أعتذر عن هذه التسمية لأنه لم يكن اسما على مسمى، والحقيقة التي أشهد الله عليها أنهم لم يكونوا أحرارا بل كانوا أشرارا وكان أغلبهم مجموعة من المنحرفين أخلاقيا واجتماعيا وأصحاب المصالح الشخصية، ولأنهم كانوا يحتاجون إلى قائد كبير في الرتبة والخلق يتخذونه ستارا وواجهة لتحقيق أهدافهم فكنت أنا للأسف الشديد هذا الضابط، ونظرا لرتبتي ومكانتي العالية داخل الجيش فقد كنت لواءً وأنال حب واحترام الجميع وقد تم اختياري لأكون زعيم هذا التنظيم الذى أسسه عبد الناصر ولم أكن أعلم حينها ما الذى يخطط له هؤلاء الضباط بعد الانقلاب على الملك لذلك شاركتهم، وأنا في ظني أنني بذلك أخدم بلدي ووطني، وأنا آسف أشد الأسف لما حدث».