في 15 مارس 1922م، أعلنت بريطانيا إلغاء الحماية البريطانية على مصر؛ وذلك في أعقاب تصويت مجلس النواب الإنجليزي على القرار بأغلبية المصوتين وحصول مصر على استقلالها عن التاج البريطاني؛ لتصبح بذلك أول بلد عربي يتخلص من قيود الاحتلال؛ الأمر الذي اعتبرته قطاعات مصرية استقلالا وراحت تحتفل بهذا الاستقلال الشكلي في أصله وجوهره. القرار البريطاني كان التفافا على ثورة الشعب في 1919م، وهو الحراك الذي زلزل قوات الإمبراطورية البريطانية في مصر، وزعزع وجودها، وجعل استمرارها في احتلال مصر محل شك. لأن هذا الحراك كان دليلا على أن المصريين عازمون على تحرير بلادهم؛ وهو الحراك الشعبي الأول منذ بداية الاحتلال البريطاني سنة 1881م. ورغم ذلك فإن القصر حاول اختطاف الإنجاز النسبي من صانعيه وأبطاله الحقيقيين وهم الشعب، فصدر في مساء ذات اليوم (15 مارس 1922)، كتاب سلطاني من حاكم مصر آنذاك السلطان فؤاد إلى جموع الشعب، أعلن فيه تحول البلاد من السلطنة إلى المملكة ووقع عليه “فؤاد”، وكان نصه: «إلى شعبنا الكريم.. لقد منّ الله علينا بأن جعل استقلال البلاد على يدنا، وإنا لنبتهل إلى المولى عز وجل بأخلص الشكر، وأجمل الحمد على ذلك، ونعلن على ملأ العالم أن مصر منذ اليوم دولة متمتعة بالسيادة والاستقلال، ونتخذ لنفسنا لقب صاحب الجلالة ملك مصر!
اتضح لاحقا ان الاستقلال كان شكليا؛ لأنه لم يلغ فعليا نفوذ بريطانيا وهيمنتها على صناعة القرار في مصر وتوجيه السياسات العليا بما لا يتعارض مع المصالح البريطانية، علاوة على ذلك فإن بريطانيا احتفظت لنفسها بالسيطرة المطلقة على قناة السويس، من أجل التحكم في أهم ممر مائي يتحكم في طريق التجارة بين الشرق والغرب، ويجعل بريطانيا تتحكم في طريق التجارة إلى أكبر مستعمراتها في الهند. وفي فبراير سنة 1942، وأثناء الحرب العالمية الثانية، تدخل الإنجليز بشكل سافر وأجبروا الحكومة على الاستقالة وأجبروا الملك على تكليف حكومة وفدية باعتباره أكبر الأحزاب المصرية حينذاك. وهو ما يعصف بأي معنى لهذا الاستقلال الصوري.
نفس الأمر تكرر بعد انقلاب 23 يوليو 1952م؛ فقد منح الاحتلال لحفنة الضباط بتدبير انقلابهم وقد كانوا قادرين على وقف هذا التمرد لكنهم تواطئوا مع الانقلابيين وسمحوا بنجاح الانقلاب والإطاحة بالملك والنظام الملكي. وقد ترك الإنجليز للضباط التصرف بشكل مطلق في حكم مصر بشرط عدم الاقتراب من قناة السويس والتي احتفظت بريطانيا بالسيطرة عليها بوصفها أهم ممر ملاحي عالمي يربط الشرق بالغرب. بقي الوضع على هذا الحال حتى منتصف 1956م حين اتخذ عبدالناصر قرار تأميم شركة القناة بضوء أخضر أمريكي؛ فشنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل حرب العدوان الثلاثي واللافت أن الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي وقفتا إلى جانب مصر ضد العدوان؛ وهو ما يعني أن قرار عبدالناصر كان بإيعاز أمريكي سوفيتي في إطار إعادة هندسة وتشكيل العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والتي أفرزت خريطة عالمية جديدة بصعود أمريكا والسوفيت كاعظم قوتين في العالم بدلا من بريطانيا وفرنسا اللتين تراجع نفوذها لحساب القوى الصاعدة الجديدة.
وفي يونيو 1956م، خرج آخر جندي بريطاني نتيجة اتفاق بين بريطانيا وحكومة يوليو 1952، لكن اللافت في الأمر أن هذا الخروج أيضا تم باتفاق وليس نتيجة نضال حقيقي لإجبار المحتل على الرحيل؛ يعزز من ذلك أن الحكومة البريطانية التي كانت تمتلك النفوذ والسيطرة على مصر وتعرف كل كبيرة وصغيرة، لم تحذر الملك من انقلاب الجيش رغم أنها كان تعلم بالتحرك قبل وقوعه، وعندما تم الانقلاب في 23 يوليو 1952م، لم تمانع بريطانيا سيطرة الجيش على الحكم، واتخذت موقفا يبدو في ظاهره حياديا؛ وما كان لها أن تتخذ هذا الموقف إلا بعد ضمان مصالحها وعدم تعرضها للخطر لا سيما وأن قادة يوليو أكدوا على ضمان حماية الأجانب وممتلكاتهم ومصالح الدول الأجنبية في مصر. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة تعترف بنظام انقلاب يوليو وهو الموقف الذي دفع كثيرين إلى التساؤل حول الدور الأمريكي في حركة يوليو لا سيما وأن واشنطن كانت قد خرجت من الحرب العالمية الثانية بوصفها القوى العالمية الأكبر وراحت تزحزع بريطانيا عن عرشها لتتبوأ هي صدارة العالم وتعمل على تصميم نظام عالمي جديد وفق أجندتها وهو ما دفع كاتبا مخضرما بحجم محمد جلال كشك إلى تأليف كتابه الواسع الانتشار “ثورة يوليو الأمريكية”، موثقا علاقة عبدالناصر بالمخابرات الأمريكية ودورها في سيطرة الجيش على حكم مصر. معنى ذلك أن مصر خرجت من النفوذ البريطاني للنفوذ الأمريكي، ثم تعزز هذا النفوذ في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979م حتى اليوم.
الخلاصة أن مصر لم تحرر في مارس 1922م ولم تتحرر كذلك في يونيو 1956م؛ فكلاهما استقلال شكلي تم باتفاق مع المحتل وتحت رعاية القوى الدولية الجديدة التي صممت المشهد العالمي وفق مصالحها الخاصة. بمعنى آخر خرج الاحتلال وترك ذيوله يحمون مصالحه ويقمعون شعبا عريقا لا يستحق كل هذا الظلم والجبروت، فمتى تتحرر بلادنا من الطغيان وينعم شعبنا بالحرية والاستقلال الحقيقي والسيادة الكاملة على وأرضه وسمائه ومياهه؟
خلاصة الأمر، أن تجارب مصر وغيرها من دول العالم تؤكد أن «الشعوب تصنع الثورات والجيوش تدبر انقلابات”، وهذه قاعدة علمية منهجية استقرت عليها المفاهيم وتوافقت عليها المدارس العلمية والتاريخية؛ وهذا اكبر دليل على التفريق بين الثورة والانقلاب. لذلك فإن 25 يناير كانت ثورة لأن الشعب هو مؤسسها وهو محور الحراك الذي أجبر الجميع على الإذعان لإرادته حتى تم الالتفاف على هذه الإرادة في 30 يونيو 2013م؛ والفرق بين الحشدين هو الفرق بين حراك جماهير أصيل وحراك جماهيري مدفوع الأجر أدارته أجهزة المخابرات ومؤسسات الدولية العميقة وأنفقت عليه المليارات؛ هذا هو الفرق الأصيل بين الثورة والانقلاب.
لكل هذه الأسباب فإن الثورات عادة ما تؤدي إلى نظام حكم مدني ديمقراطي يعلي من سيادة الشعب وإرادة الأمة وأصوات الجماهير؛ فتتشكل مؤسسات الدولة وفق هذه الإرادة الحرة للمواطنين، ولا هم للسلطة إلى تحسين مستويات العيشة وتحقيق الرفاهية للناس. أما الانقلاب فعادة ما يحكم بعده الجنرالات، وعادة ما يقوم على الظلم والطغيان والقمع الأمني وتأميم الحريات وتشكيل مؤسسات صورية تعبر عن توجهات السلطة لا إرادة الجماهير وهذا عين ما يحدث في مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013م. الثورة تواجه الفسدة والمنحرفين، والانقلاب عادة ما يقمع الأحرار والنبلاء ويملأ بهم السجون والمعتقلات في محاكمات صورية مسيسة. بينما يسمح للمافيا واللصوص بنهب البلد وإدارتها بما يحقق مصالحهم ومصالح رعاتهم في الخارج.
فمن يحرر مصر من عصابة جنرالات كامب ديفيد الذين يحكمون بلادنا بالحديد والنار لضمان مصالحهم وامتيازاتهم ومصالح وامتيازات رعاتهم في الخارج؟!