تسود حالة من الغضب في أروقة المحاكم والهيئات القضائية المختلفة ونادي القضاة على خلفية القرار الحكومي والذي يقضي بإخضاع المُعيّنين في القطاع الحكومي إلى دورات تدريبية حكومية بـ”الكلية الحربية” كشرط رئيسي ضمن مسوغات التعيين، وشمول المُعيّنين في الهيئات القضائية ضمن هذا الشرط. ورصد نادي القضاة غضبا واسعا في أوساط القضاة والهيئات القضائية جراء صدور قرار مجلس الوزراء بشأن الدورات التدريبية الحكومية بعيداً عن السلطة القضائية. وتلقى النادي شكاوى قضائية كثيرة تؤكد الرفض المطلق للتدخل في أعمال السلطة القضائية؛ وهو ما دفع النادي إلى مخاطبة المجلس الأعلى للقضاء، ومطالبته بالتحرك لمواجهة هذا القرار”.
وحسب نادي القضاة برئاسة المستشار محمد عبدالمحسن، فإن هذا الشرط يخل باستقلال القضاء ويُعد تدخلاً في أعمال السلطة القضائية”، حسب خطاب من رئيس نادي القضاة إلى رئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى السابق المستشار محمد عيد محجوب قبل إحالته للتقاعد في 9 يوليو 2023م لبلوغه السن القانونية، وصدور قرار جمهوري بتعيين المستشار حسني عبد اللطيف بدلاً منه بالمنصب. واحتوى الخطاب على اعتراض القضاة على قرار مجلس الوزراء بخضوع المُعيّنين في القضاء إلى دورات تدريبية حكومية بـ”الكلية الحربية” مدتها 6 أشهر كشرط رئيسي ضمن مسوغات التعيين.
واعتبر عبد المحسن أن هذا الأمر يمس استقلال القضاء بشكل صريح، وهو تدخل من قِبل الحكومة في أعمال السلطة القضائية المنوطة بها أعمال التدريب واختيار من يعمل في القضاء ويتولى تدريبه. ولفت إلى وجود مركز تدريب لأعضاء النيابة العامة، ويخضع فيه المُعيّنون حديثاً لدورات تدريبية مكثفة في هذا المركز قبل انخراطهم في العمل المهني. وطلب عبد المحسن من محجوب “التدخل في الأمر بعد رفضه القاطع له، والتعامل معه بالطريقة التي يراها لمنع التدخل في أعمال السلطة القضائية، والمساس باستقلال القضاء الناتج عن هذا القرار”. وجاء في الخطاب أن المرشحين للعمل في القضاء لم يتصوروا قرار مجلس الوزراء. وأشار الخطاب إلى أن “معاوني النيابة الجدد ينتظمون قبل بدء عملهم بمركز تدريب النيابة العامة، الذي أصبح بحسن إدارته يمثل قبلة لكل أعضاء النيابة على مستوى الوطن العربي”.
القرار الحكومي ــ حسب جمهور القضاة ــ هو افتئات على دور السلطة القضائية في اختيار المعينين بالسلك القضائي؛ لأن خضوع المرشحين لدورة تدريبية لدى جهة حكومية أخرى (الجيش) لتُعدّ تقريراً باجتياز هذا أو إخفاق ذاك، فيه مشاركة في الاختيار وفرض رأي على مجلس القضاء الأعلى المنوط به وحده سلطة اختيار المعينين الجدد في سك القضاء. من جانب آخر فإن هذا الإجراء يؤكد أن هناك جهة أعلى من مجلس القضاء الأعلى تفرض وصايتها على اختيار القضاة وخضوعهم لمعايير بخلاف معايير مجلس القضاء الأعلى. تلك المعايير في الدورات الحكومية ربما تكون متعلّقة بضمان الولاء والتوجه في الشأن العام للدولة ولا تكون مستقلة. واعتبر أن ذلك يسلب مجلس القضاء الأعلى فعلياً سلطته المنفردة دون غيره في الاختيار التي كفلها القانون والدستور.
ويرى القاضي السابق، المستشار محمد سليمان، في تصريحات لصحيفة “العربي الجديد” اللندنية، أن “قرار مجلس الوزراء بإخضاع المُعيّنين الجدد بالنيابة العامة لدورات تدريبية حكومية هو تعدٍ حقيقي على سلطة مجلس القضاء الأعلى في الاختيار، وتدخل في شؤونه”. وشدّد على أن “هذا القرار ينتهك استقلال القضاء”.
ويعزو سليمان ذلك إلى ضعف القيادات القضائية حاليا؛ مؤكدا أنه ما كان لأحد أن يجرؤ على انتهاك استقلال القضاء لولا ضعف القضاة وممثلوهم سواء نادي القضاة أو أعلى سلطة لهم ممثلة في المجلس الأعلى للقضاء، وقلة حيلتهم في مواجهة حقيقية أمام هذا التعدّي. وكان مجلس القضاء الأعلى قد استسلم إلى ضغوط النظام في 2020، بإتمام الاتفاق على “إلحاق المرشحين الناجحين في المقابلات الشخصية من خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون دفعة 2016، تمهيداً للعمل بالنيابة العامة، للدراسة بالأكاديمية الوطنية للتدريب”. وجاء ذلك تحت ضغط “الحاجة الماسة” لإلحاق أعضاء جدد بالنيابة العامة، وعدم وضوح خريطة زمنية لإصدار قانون المجلس الجامع للهيئات القضائية والذي يختص – وفقاً للتعديلات الدستورية الأخيرة في 2019 – بوضع قواعد تعيين موحّدة في جميع الهيئات تحت إشراف الرئاسة ووزارة العدل.
كواليس القرار الحكومي
وفي 14 مايو 2023م، تناولت وسائل الإعلام المحسوبة على السلطة قرارا حكوميا يقضي بقصر التعيين في الحكومة على الحاصلين على دورة تأهيل من الكلية الحربية حسب الخطاب الدوري الصادر عن أمين عام مجلس الوزراء بحكومة الانقلاب في نهاية إبريل الماضي (2023)، عن توجيه رئاسي لمجلس الوزراء بإصدار تعليمات لمؤسسات الدولة تلزم بحصول الراغبين في التعيين بالحكومة على دورة تأهيل داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر كشرط أساسي للتعيين.
تضمن الخطاب الدوري مطالبة الأمين العام للمجلس اللواء أسامة سعد، الوزراء باتخاذ الإجراءات اللازمة لاعتبار شهادة التأهيل الصادرة من مركز إصدار الوثائق المؤمنة بعد الحصول على الدورة، ضمن مسوغات التعيين في جميع الوزارات والجهات التابعة لها. وحسب مصادر حكومية في وزارتي التخطيط والتربية والتعليم فإن الكلية الحربية أصبحت صاحبة الكلمة الأولى في الترقيات والتعيينات داخل الجهاز الإداري للدولة، ما اعتبره المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، كمال عباس، قرارًا صادمًا وغير قانوني، مشددًا على أنه خطوة لمزيد من العسكرة ومزيد من تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية.
وكان وزير المالية بحكومة الانقلاب محمد معيط أعلن خلال كلمته بمجلس النواب، مايو 2023، أن الحكومة خصصت 3.7 مليار جنيه لتعيين 70 ألف موظف بمختلف قطاعات الدولة خلال السنة المالية الجديدة التي تبدأ من أول يوليو، وتشمل تعيين 30 ألف معلم، و30 ألف آخرين من الأطباء والصيادلة، بالإضافة إلى عشرة آلاف موظف في مختلف التخصصات في جميع مؤسسات الدولة، إضافة إلى نصف مليار جنيه لإجراء حركة ترقيات للعاملين بالدولة. ومن جانبه، قال مصدر بوزارة التربية والتعليم حسب موقع “مدى مصر”، إن اجتياز الدورة التأهيلية بالكلية الحربية أصبح هو الشرط الرئيس للترقي في كل الوظائف داخل الوزارة، مشددًا على أن الوصول للحصول على تلك الدورة تسبقه كثير من الإجراءات والاختبارات. وأشار المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إلى أنه سبق واجتاز التحريات الأمنية وبعدها الاختبارات الرياضية والنفسية والطبية واللغات داخل الكلية الحربية قبل استبعاده من كشف الهيئة المؤهل للحصول على دورة بعنوان «دبلومة القيادة التربوية والأمن القومي» بالكلية نفسها التي حددها وزير التربية والتعليم كشرط لاختيار ألف قائد من معلمي الوزارة لتولي الوظائف القيادية بالوزارة.
