بالتزامن مع استضافة القاهرة لاجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية الأحد 30 يوليو 2023م، زار قائد القيادة المركزية الأميركية، الفريق أول مايكل كوريلا، الجمعة 28 يوليو 2023م، الحدود المصرية مع قطاع غزة الفلسطيني، بحضور قائد الجيش الثاني الميداني المصري اللواء محمد ربيع. وحسب مصادر محلية في محافظة شمال سيناء، فإن الوفد الأميركي زار معبر رفح الرابط بين مصر وقطاع غزة، وأن الوفد الأميركي كان في ضيافة مكتب الجيش المصري داخل معبر رفح، فيما تجول قائد المنطقة العسكرية المركزية الأميركية في منطقة الحدود.
اللغز في الزيارة أنها الأولى لمسئول عسكري أمريكي كبير؛ وخصوصا منطقة الحدود مع قطاع غزة ومعبر رفح البري. وكان الوفد الأميركي قد وصل مصر، قبل يومين، بعد إنهائه زيارة إلى حكومة الاحتلال الإسرائيلي، في ظل توتر العلاقة بين الجانبين في أعقاب عملية الجندي المصري محمد صلاح، والتي أدت قبل شهرين إلى مقتل ثلاثة عسكريين إسرائيليين على الحدود المصرية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م.
سياق الزيارة
زيارة المسئول الأمريكي تأتي في أعقاب مقتل 3 مجندين إسرائيليين عل يد الشهيد المصري المجند محمد صلاح، في عملية استشهادية فجر 3 يونيو 2023م، كما تأتي في أعقاب الترتيبات الأمنية اللاحقة للعملية التي أغضبت واشنطن وتل أبيب؛ حيث تعهد الجنرال عبدالفتاح السيسي بمنع أي عمليات مماثلة ضد جيش الاحتلال وجنوده مستقبلا. وفي سبيل تحقيق ذلك أجرى السيسي تغييرات كبرى في سلم القيادة بسيناء؛ وشملت التغييرات عدداً من القيادات في قوات حرس الحدود والجيش والمخابرات الحربية، بالإضافة إلى ترقية عدد من المسؤولين في هذه الأجهزة، ونقل آخرين إلى خارج سيناء، واستقدام بدلاء لهم من محافظات أخرى.
وكان السيسي، قد صدّق في نشرة يونيو 2023م على إجراء تغييرات محدودة داخل القوات المسلحة؛ شملت التغييرات قائد قوات الحرس الجمهوري، المسؤول الأول عن تأمين الرئاسة والرئيس، ورئيس هيئة العمليات، ورئيس الاستخبارات الحربية، وقائد حرس الحدود، وقائد المنطقة الغربية وهيئة التنظيم والإدارة، وكذلك عدد من الأفرع والهيئات الرئيسية في القوات المسلحة المصرية.
تغيير القيادات العسكرية والأمنية بسيناء
التغيير الأهم في سلم القيادة العسكرية داخل سيناء هو تعيين اللواء أركان حرب محمد جحوش قائداً لحرس الحدود، أواخر يونيو الماضي 2023، والذي يتمتع بخبرة كبيرة في سيناء ودروبها؛ لأنه كان يعمل فيها حاكماً عسكرياً لمدينة بئر العبد (شماليّ سيناء) لعدة سنوات. وربما كان هذا العمل السابق لجحوش من أبرز الدعائم التي اختير على أساسها لهذا المنصب الجديد، خصوصاً في ظل انتشار المخدرات في شبه الجزيرة، فهو من أبرز المحاربين لهذه الظاهرة، وله عداءات كبيرة مع تجار المخدرات والمهربين. ويأتي جحوش أيضاً، الخبير في دروب سيناء، لضبط الحالة الأمنية على الحدود مع الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب عملية الجندي محمد صلاح الشهر الماضي، التي أدت إلى مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين، إضافة إلى الجندي المصري.
وأجرى القائد جحوش تغييرات في الضباط المسؤولين عن العمل في المناطق الحدودية، في ظل خطته لضبط الحالة الأمنية الداخلية المتعلقة بعمليات تهريب المخدرات وزراعتها. وتُعتبر مكافحة التهريب والمخدرات جزءاً أساسياً من عمل قوات حرس الحدود المصرية، إلى جانب عملها وفق قرارات سيادية لضبط الحدود مع الاحتلال، واتخاذ الإجراءات اللازمة لعدم تكرار عملية محمد صلاح، وذلك بالمتابعة مع المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين الذين هم على اتصال مباشر مع ضباط حرس الحدود المصري والمخابرات الحربية التي تتولى التحقيق في مجريات الحادثة الأخيرة.
ومع تولي جحوش مهامه "رُقِّي عدد من الضباط العاملين في سيناء، ومن هؤلاء قائد مكتب المخابرات الحربية في مدينة بئر العبد، العقيد شادي زغلول، وقائد قوات تأمين مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، العقيد حسن نخلة، وكذلك عدد من الضباط العاملين على الحدود المصرية مع الاحتلال". وعلى الفور قامت قوات حرس الحدود بتمشيط المناطق الجبلية المحيطة بالحدود (مع الاحتلال) وكذلك ملاحقة زراعة المخدرات في حملة منفصلة عن تلك التي تقوم بها وزارة الداخلية ممثلة بإدارة مكافحة المخدرات". ويواجه جحوش في مهمته عدداً من المعضلات، أبرزها امتلاك أصحاب الأراضي التي تُزرع فيها المخدرات، للسلاح، وسبق أن واجهوا حملات حرس الحدود، وأدى ذلك إلى وقوع قتلى من الطرفين. كذلك يواجه معضلة التهريب على الحدود في ظل وعورة التضاريس، وعدم وجود إمكانات حديثة للمراقبة والتعقب كالتي تتوافر لدى الاحتلال الإسرائيلي.
مشاريع صفقة القرن
وتتزامن زيارة المسئول الأمريكي مع إتمام مشاريع النقل والمواصلات في محافظة شمال سيناء. وتتمثل هذه المشاريع في مد خطوط سكة الحديد، والتي من شأنها ربط غرب قناة السويس بشرقها، وكذلك ربط شمال سيناء بجنوبه، والعمل أيضاً على إتمام مشروع ميناء العريش، والذي سيكون مربوطاً بسكة الحديد، كما تشمل الأعمال تطوير مطار العريش ليكون جاهزاً العام المقبل للعمل. اللافت في الأمر أن مصر تعمل على إنشاء ممر لوجيستي استراتيجي تحت مسمى ممر العريش- طابا، وهو يبدأ من ميناء العريش البحري وحتى منفذ طابا البري الرابط بين مصر والاحتلال الإسرائيلي. ويربط بينهما خط سكك حديد العريش- طابا، وهو امتداد لخط الفردان – بئر العبد – العريش، مروراً بمنطقة الصناعات الثقيلة في وسط سيناء. وفي زيارته للموقع في منتصف يونيو 2023م، أشار اللواء كامل الوزير وزير النقل بحكومة الانقلاب إلى أن هذا الممر اللوجيستي، العريش – طابا، سيمتد باتجاه الشرق إلى الأردن والعراق لأن هذا الممر جزء من طريق النقل العربي الذي سيخدم حركة التجارة إلى الأردن والعراق ودول الخليج وإلى الدول العربية الأفريقية.
وتثير المشروعات الاقتصادية في شمال سيناء شكوكا كثيرة حول مدى علاقتها بمخططات صفقة القرن الأمريكية التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب؛ والتي تتسق مع ما جاء في تقرير مركز أبحاث إسرائيلي يميني يتحدث عن معالجة "التحديات" التي يمثلها قطاع غزة لإسرائيل، من خلال تنفيذ خطة لتطوير شمال سيناء، عبر التوسع في بناء مشاريع بنى تحتية يمكن أن توظف في تحسين الأوضاع الاقتصادية في القطاع. ففي ورقة صادرة عنه، لفت "المركز الأورشليمي لشؤون المجتمع والدولة"، الذي يرأس مجلس إدارته وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلية السابق دوري غولد، إلى أن تدشين بناء مشاريع بنى تحتية وسياحية في شمال سيناء، سيوفر فرص عمل للغزيّين، إلى جانب مساهمته في معالجة مظاهر الحصار المفروض حالياً على القطاع.
وتقترح الخطة، التي أعدها العميد المتقاعد شمعون شابيرا، الباحث في المركز، والذي سبق أن عمل في السابق سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أن تتولى كل من الولايات المتحدة والدول الخليجية مهمة التمويل. وتشمل الخطة تدشين ميناء بحري داخل ميناء العريش الحالي، ليُسمح برسو السفن الكبيرة التي ستستخدم في عمليات الاستيراد والتصدير لصالح قطاع غزة، وهذا ما تم فعلياً. وتتضمن الخطة أيضاً بناء مطار "دولي" في محيط العريش، يسمح بحركة البضائع والمسافرين من غزة وإليها، وهذا ما تم فعلياً بتوسيع حرم مطار العريش بقرار مباشر من السيسي. وذكرت الخطة تدشين محطة لتوليد الكهرباء عبر استخدام الغاز الطبيعي، الذي يتم استخراجه من حقول الغاز المصرية في البحر الأبيض المتوسط، لتزويد غزة وشمال سيناء بالكهرباء، وهذا ما تم بإنشاء محطة كهرباء في مدينة الشيخ زويد..