ليست الوحدة بحد ذاتها هدفا، وليس التعاون بحد ذاته أمرا إيجابيا؛ ولم يرد في القرآن ولا نصوص السنة الصحيحة أي إشادة بالوحدة والتعاون كقيمة مجردة؛ لكنها تأخذ حكم الغاية منها وفق مقاصد الشرع وغاياته الكبرى والصغرى؛ فالتعاون قد يكون واجبا أو مندوبا إذا كان من أجل تحقيق أهداف نبيلة وغايات خيرة مفيدة للناس والمجتمع والبيئة بشكل عام، وقد تكون قيمة الوحدة والتعاون محرمة وتمثل جريمة كبرى تستوجب المواجهة والعقاب إذا كانت بهدف نشر الفساد في الأرض؛ يقول الله تعالى في سورة المائدة: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
هذه البداية ضرورية للغاية لفهم الموقف من ملف المصالحة الفلسطينية والدعوات إلى الوحدة الفلسطينية وتجميع الفصائل تحت راية واحدة وسلطة واحدة؛ حيث استضافت مدينة العلمين اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية الأحد 30 يوليو 2023م من أجل الاتفاق على برنامج مشترك يجمع شتات الفصائل لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ النكبة في مايو 1948م. فهل ما يريده الفلسطينيون حقا هو الوحدة الفلسطينية؟ وهل يعتبر ذلك غاية وانتصارا إذا تحقق بالفعل؟
الإجابة الصريحة والحاسمة هي (كلا)؛ لماذا؟
لأن الغاية ليست تحقيق الوحدة الفلسطينية للفصائل، بل على أي برنامج سياسي ستقوم هذه الوحدة؟ هل ستقوم على برنامج السلطة الذي يسقط من حساباته كليا خيار المقاومة المسلحة ويسقط حتى مسار السياسة الجادة التي تحترم شعبها وتراثها وحضارتها؟ أم على برنامج المقاومة بكل أنواعها وشمولها وهو البرنامج الذي تتبناه حركات المقاومة وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي؟ فإذا كان الوحدة على برنامج السلطة فبئس هذه الوحدة، وبئس تلك الراية التي تجعل الإنسان يتحالف مع عدوه الذي يحتل أرضه ومقدساته ويقبل بوجود هذا الاحتلال وينسق مع أجهزته العسكرية والأمنية لقمع كل من يعمل على تحرير بلاده! أما إذا كانت على برنامج المقاومة بمفهومها الشامل (المسلحة والسياسية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية) فأهلا وسهلا بهذه الوحدة وتلك الراية الواحدة والسلطة الواحدة. إذا كانت الوحدة من أجل إقامة نظام سياسي ومؤسسات فلسطينية تستمد شرعيتها من إرادة الشعب الفلسطيني عبر أدوات الديمقراطية الصحيحة وأصوات الجماهير والتسليم المطلق بنتائج الديمقراطية؛ فأهلا وسهلا. أما الوحدة على أساس القبول بالوضع الحالي وانفراد سلطة محمود عباس أبو مازن بالقرار، وعدم احترام إرادة الشعب وفرص الوصاية عليه بدعم إسرائيلي ودولي وإقليمي؛ فكلا وألف كلا لهذه الوحدة؛ لأنها احتلال بالوكالة وأجندة نهايتها الفشل المحتوم. هذه هي النقطة المفصلية في الموضوع.
موقف الصهاينة من الوحدة الفلسطينية
الكيان الصهيوني نفسه لا يمانع مطلقا تحقيق أي وحدة فلسطينية، بشرط أن تكون على برنامج السلطة وما تسمى قرارات الشرعية الدولية، تسقط خيار المقاومة، وتعتبر المقاومة المسلحة إرهابا، والذين يمارسونها تنظيمات إرهابية، وتتبنى التنسيق الأمني مع الاحتلال، واعتبار التفاوض ـ رغم ثبوت فشله منذ مؤتمر مدريد 1991م وسقوط حل الدولتين عمليا ــ خيارا إستراتيجيا لا بديل له؛ فاليهود لا يقبلون سوى بدولة واحدة يهودية عاصمتها القدس المحتلة.
نفس الموقف للأسف تتبناه دول تحالف الثورات المضادة وعلى رأسها مصر؛ فالنظام العسكري المصري يتبنى أجندة الاحتلال وإن كان يتمسك بحل الدولتين رغم استحالته واقعيا، بل تكاد تكون هذه القضية تحديدا هي الملف الوحيد الذي يجعل لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي قيمة لدى الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية والحكومات الغربية في أوروبا. وعلى هذا الأساس يقوم الدور المصري في الملف الفلسطيني؛ والهدف الأساسي هو احتواء فصائل المقاومة وتعزيز مكانة السلطة بوصفها السلطة الشرعية المعترف بها دوليا، والحيلولة دون تحقيق أي وحدة على برنامج المقاومة؛ لأن هذا محظور أمريكي أوروبي؛ ولن تقبل عواصم الغرب وحكوماته بوحدة فلسطينية على مشروع المقاومة. وهذا ما يفعله نظام السيسي تماما؛ لذلك تناقش السيسي أبو مازن في لقائمها المشترك حول عودة مسار التفاوض من جديد مع حكومة الاحتلال تحت لافتة (إعادة إحياء عملية السلام)؛ لإعادة نفس المسرحية العبثية من جديد التي ثبت فشلها؛ ألا يخجلون؟! إنه دور وظيفي يقوم به كلاهما ويتقاضى مقابله سلطة ونفوذ وأموال! والسيسي يريد أن يستأثر بهذا الدور ، ولا يتسامح مطلقا مع تدخلات تركيا والجزائر مؤخرا؛ فقد استضافت أنقرة يوم 26 يوليو 2023م اجتماعا ضم إسماعيل هنية ومحمود عباس؛ فرد السيسي بإلغاء زيارته لتركيا.
السلطة تعتقل المقاومين!
برهان آخر على صحة موقفنا هذا أن ثلاثة فصائل فلسطينية قاطعت اجتماع القاهرة، وهي حركة الجهاد الإسلامي و”الجبهة الشعبية – القيادة العامة” و”الصاعقة”، وكان سبب المقاطعة هو ملاحقة أجهزة السلطة لشباب المقاومة واعتقالهم وعدم الإفراج عنهم كشرط لمشاركة هذه الفصائل في الاجتماع؛ لكن السلطة رفضت الإفراج عنهم؛ ولماذا تعتقلهم السلطة أساسا؟ ألأنهم يقاومون الاحتلال تقوم هي باعتقالهم؟ هل هذا سلوك وطني أم سلوك يوصف بالخيانة والغدر؟! ولماذا تقبل السلطة بهذه الخيانة والمجاهرة بهذه الرذيلة تحت مسمى التنسيق الأمني مع الاحتلال؟
وكم كان سلوك السلطة عجيبا وغريبا ومدهشا أثناء وبعد العدوان الإسرائيلي الأخير على مخيم جنين بالضفة الغربية المحتلة (فجر الإثنين 3 يوليو حتى منتصف الأربعاء 5 يوليو 2023م) وهو العدوان الذي أسفر عن استشهاد “12” فلسطينيا وإصابة 144 آخرين. وهو العدوان الذي كشف عن بسالة حركات المقاومة في المخيم رغم الفارق الشاسع في ميزان القوة مع الاحتلال الصهيوني، بينما وقفت السلطة تتفرج من بعيد وعلى الأرجح كان جواسيسها يراقبون تحركات المقاومين لنقلها إلى جيش الاحتلال وأجهزة مخابراته.
زيارة مشبوهة
وبعد العدوان بأسبوع كامل، زار رئيس السلطة المخيم الفلسطيني الأربعاء 12 يوليو وهي الزيارة الأولى منذ عشر سنوات، ووصفه بـ”أيقونة النضال والصمود والتحدي”، وأن هذه المخيم قدّم التضحيات والجرحى وكل ما لديه في سبيل الوطن، معلنا عن إعادة بناء المخيم بتبرعات من دولتي الإمارات والجزائر”. لكن اللافت في تصريحات عباس أنه قال للإسرائيليين: «ارحلوا عنا نحن هنا باقون”، نقول نحن سلطة واحدة وقانون واحد، ومن يعبث في وحدتنا لن يرى إلا ما لا يعجبه». فهدف عباس هو التأكيد على فرض سلطته على الشعب الفلسطيني، وأن بسالة المقاومة لن تكون بديلا لهذه السلطة ورسالته أنه لن يسمح بذلك؛ و الدليل ما فعلته أجهزته الأمنية لاحقا.
بعد الزيارة، شنت أجهزة السلطة حملة اعتقالات ضد شباب المقاومة في جنين وبلدات الضفة الغربية؛ الأمر الذي استفز قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني فخرجت مظاهرات حاشدة تندد بخيانة السلطة وأجهزتها؛ وفي 18 يوليو اتهم بيان صادر عن فصائل المقاومة في قطاع غزة السلطة باعتقال المقاومين في الضفة؛ وندد البيان “بحملات الاعتقال السياسي الذي يُمثل جريمة بشعة وسلوكًا مرفوضًا خارجًا عن أعراف وتقاليد الشعب الفلسطيني، وخدمة للاحتلال”. وطالب البيان السلطة بوقف “حملة الاعتقالات المسمومة وجريمة الاعتقال السياسي وإطلاق سراح كافة المعتقلين من سجونها”. وقال البيان إن هذه الاعتقالات “تُمثل عرقلة وتسميمًا للأجواء، وطعنة غادرة لنضال ومقاومة الشعب الفلسطيني”.
هذه هي السلطة (طابور خامس يجمع كل ديوث ومنافق) لخدمة أجندة الاحتلال؛ فهل يمكن أن نتوقع مصالحة بين المقاومة بنبلها ونقائها وما تنطوي عليه من حق تليد مع سلطة أدمنت الغدر والخيانة وغرقت في الدعارة والرذيلة السياسية بالتحالف مع الاحتلال؟! هيهات هيهات! إن الاحتلال يستمد وجوده وأمنه من وجود مثل هذه السلطة الفلسطينية ووجود أنظمة كنظام السيسي على رأس بلادنا العربية والإسلامية؛ وزوال هذه السلطة وتلك النظم كفيل بزول الاحتلال؛ لذلك يخيم الطغيان والاستبداد على بلادنا بدعم أمريكي وغربي حتى تبقى إسرائيل تتمدد وتتقوى بينما تغرق بلادنا في الفشل والظلم والطغيان.