دراسة حديثة ترصد غموض  جلسات الحوار الوطني وتتنبأ بفشل مخرجاته

- ‎فيتقارير

انتهت دراسة حديثة إلى التأكيد على أن جولات الحوار الوطني الـ31 التي عُقِدَت حتى الآن لم تنجح في إنتاج توافق على سبل الخروج من الأزمة العميقة التي تواجهها البلاد. ولم تكن هناك توقّعات كبيرة بهذا الشأن في ظل تمسّك السلطة بسياساتها ونهجها، وافتقاد المعارضة أوراق القوة التي تمكّنها من فرض أي تغيير مهما كان محدودًا، فضلًا عن انقساماتها واختلافها حول العديد من قضايا الحوار.

وحسب الدراسة التي أصدرها «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات»، والمنشورة على موقعه بتاريخ 30 يوليو 2023م تحت عنوان: (الحوار الوطني في مصر … دوافعه ومواقف القوى السياسية وفرص نجاحه)، فإن المعارضة أيضا يبدو أنها تفتقد إلى أوراق القوة التي تمكّنها من فرض أي تغيير مهما كان محدودًا، فضلًا عن انقساماتها واختلافها حول العديد من قضايا الحوار. ولا يبدو أن لدى المعارضة حاليًا أي تصوّر عن المرحلة المقبلة، وعن جدوى الاستمرار في الحوار، وحتى بهذا الشأن تبدو الانقسامات شديدة، إذ أعلن جزءٌ من المعارضة عن تعليق مشاركته حتى يجري الإفراج عن سجناء الرأي. في الوقت نفسه يحيط الغموض بمخرجات الحوار والتي هي الآن قيد الصياغة في جلساتٍ مغلقة.

وللتدليل على شكلية الحوار تناولت الدراسة  موقف السلطة الصارم باستبعاد قضايا حساسة وجوهرية من قائمة أولويات الحوار تمثلت في ثلاثة لاءات، أعلن عنها ضياء رشوان في الجلسة الافتتاحية:

  • أولًا: لا مساس بالدستور القائم، "بل انصياع كامل" لمواده جميعًا، وهو ما يعني بوضوح ألّا محلّ في الحوار لطرح إصلاحات دستورية من تلك النوعية التي تطمح إليها قوى المعارضة.
  • ثانيًا، لا تطرّق إلى السياسة الخارجية، سواء تعلق الأمر بالاستراتيجية أم الأدوات، وفي أي ملفّ كان. (استبعاد ملف إسرائيل وإثيوبيا وسد النهضة)
  • أما ثالثًا، فهي ما أسماه رشوان "الأمن القومي الاستراتيجي"، وأشار إلى أن إدارته بيد القوات المسلحة، تلك الإدارة التي أكّد أنها محل "ثقة تامة" من المشاركين جميعًا. لم يمنع تحديده هذا من حقيقة أن مصطلح "الأمن القومي" يوظّفه النظام على نحو يستعصي على الضبط، ولطالما وسّع مظلّته لتشمل ما يشاء أن تشمله، والأمر ليس بعيدا عن أولوية الحوار المتعلقة بملفّ المعتقلين السياسيين. (استبعاد ملف الديون والقروض والمدن الجديدة).

كما برهنت على شكلية الحوار ذاته والدوافع الدعائية وراء انطلاقه تجاهل النظام لمطالب المعارضة بإلغاء النظام الانتخابي الحالي (القائمة المطلقة المغلقة)، ليحل محله نظام انتخابي أكثر عدالة كنظام القائمة النسبية؛ لأنه يسمح بتمثيل أوسع للأحزاب والقوى السياسية؛ لكن الموالين للسلطة أصروا على النظام الحالي؛ لأنه يسمح بفرز مجالس تحظى فيها الكتل الموالية للسلطة بأغلبية كبيرة، واكتفت الحكومة بمد الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات. إضافة إلى ذلك وعد رشوان بأن الآراء المختلفة بشأن النظام الانتخابي مثلها مثل كل قضايا المحور السياسي ستُرفع إلى رئيس الجمهورية، بمعنى أن السلطة التي يُفترض أنها طرفٌ في الحوار سوف تكون أيضًا الحكم، حيث يعود إليها أن تقبل أو ترفض ما يجري التوصل إليه من توصيات.

وتقول الدراسة إن إعلان السيسي عن إطلاق حوار وطني في 26 إبريل 2022م، تحت لافتة "الطريق نحو الجمهورية الجديدة"، جاء وفقًا لبعض المراقبين، بفعل ضغوطٍ شديدةٍ يتعرّض لها النظام، مردّها تدهور الوضع المعيشي في البلاد على نحو ملحوظ نتيجة فشل السياسات الاقتصادية والمالية التي اتّبعتها الحكومة على امتداد العقد المنصرم، وتوقّف المساعدات الخليجية التي أدّت دورًا مهمًا في دعم النظام في سنوات حكمه الأولى.

وبعد عملية تحضير استغرقت ما يزيد على السنة، انطلق الحوار رسميًا في 3 أيار/ مايو 2023. من الناحية التنظيمية، شُكِّل "مجلس أمناء الحوار"، وعُيِّن ضياء رشوان منسقًا عامًا، ووُزِّعت القضايا التي سيناقشها المنتدى على ثلاثة محاور؛ سياسية واقتصادية ومجتمعية. وقُسمت المحاور على خمس لجان، اجتهدت جميعها في وضع برنامج عمل وطرح محددات لإجراء الحوار. ومنذ بدء جلساته العلنية، التي صحبتها دعاية مكثفة، وحتى آخر تلك الجلسات في 22 حزيران/ يونيو الماضي، عُقِدت 31 جلسة ناقشت قضايا مختلفة، وضمّت معارضين للنظام وموالين له وممثلين عنه. شارك في جلسات الحوار أقطاب من النظام وممثلون عن الأحزاب السياسية وقادة النقابات المهنية وعددٌ من قيادات المنظمات الحقوقية والشخصيات العامة

وتضيف الدراسة أن مشهد انطلاق الحوار في الثالث من أيار/ مايو 2023 بدا مشهدًا غير مألوف، لم يعتده الرأي العام، منذ أن تولّى السيسي حكم البلاد؛ ففي قاعة واحدة ظهرت إلى جانب ممثلي النظام شخصيات محسوبة على المعارضة، بمن فيهم ممثلون عن قوى سياسية وأحزاب ظلت ممنوعة من ممارسة العمل السياسي على امتداد العقد الماضي، فضلًا عن شخصياتٍ مستقلة. اعتبر ضياء رشوان الذي بذل جهودًا كبيرة في التواصل مع مختلف القوى والشخصيات لإقناعهم بالمشاركة، المدعوين "شركاء في تحالف 30 يونيو"، ما يعني استبعاد جماعة الإخوان المسلمين. لكن هؤلاء "الشركاء"، كما وصفهم رشوان، وعلى الرغم من تأييدهم سياسات النظام في لحظة تأسيسه، استُبعدوا من المشهد، ليستقرّ بهم المقام في مربع الفرقاء. وبناء عليه، بدا النظام كأنه يسعى إلى إحياء تحالفاته القديمة و"إعادة اللحمة" إليها، على حد قول رشوان. وانطلق الحوار على أرضية ما يسمّيه النظام شرعية دستور 2014، وليكون الشرط المسكوت عنه استبعاد الإخوان ومناصريهم. والحقيقة أن النظام عامل "شركاء 30 يونيو" بوصفهم خصومًا، وما زال عدد من المحسوبين على هذا المعسكر في السجون على الرغم من الحوار. كما أن النظام يبدو متردّدًا بين الحاجة إلى الحوار، إذ لا يمكن الاستمرار بنهج قمع الرأي المختلف وإغلاق الفضاء العام، والخشية من أن يجرّئ الحوار معارضي النظام داخل مصر على "التطاول" وخرق المحاذير التي بذل في وضعها جهدًا كبيرًا، وكان مستعدًا لارتكاب أعمال قمع تجاوز فيها من سبقوه على حكم مصر، وتحمّل في سبيل ذلك إدانات من كل الاتجاهات.

وحول تركيز المعارضة على ملف الاعتقالات السياسية؛  فقد عكس التمسّك بسياسات القمع والاعتقال قناعة النظام بأن استبقاء هؤلاء في السجون هو أحد مقتضيات استقراره، في حين أن المعارضة تعدّ ذلك أحد أسباب عدم الاستقرار. ويبرُز ــ حسب الدراسة ـ  تناقض الرؤى وتضارب الأولويات في خطاب السيسي، الذي نُقل عنه انزعاجه من تركيز المعارضة على ملفّ السجناء والحريات والديمقراطية خلال الحوار، وأنه يريد "ناس بتفهم في أزمة البلد في الأمور غير السياسية، وتدرك أن الديمقراطية والانتخابات مش هتحل المشاكل". ويبدو موقف السيسي واضحًا في هذا الشأن؛ إذ ظلّ يرد على انتقادات دوائر غربية بشأن تردّي حالة حقوق الإنسان والحريات بأن الأمر ليس من أولويات حكمه، وأنه يتبنّى مفهومًا خاصًا لتلك الحقوق، يرتكز بالأساس على أن يوفر للشعب شروط الحياة الأساسية، وهذا في تقديره عبءٌ كبير، قد يعجز عنه. ولذلك طالب الحكومات الغربية التي تحثه على احترام حقوق الإنسان بأن تساعده ماديًا بدلًا من ذلك، فهو "يحكم 100 مليون" إنسان.

وترى الدراسة أن الأمر لا ينفصل عن التحضير لإجراء انتخابات رئاسة الجمهورية المقرّر عقدها في شباط/ فبراير 2024 ويبدأ الاستعداد لها في كانون الأول/ ديسمبر المقبل. في سياق كهذا، يبدو منطقيًا أن يتعجّل النظام في بثّ شعور عام بالتغيير أو بإمكانية التغيير وتجاوز أزمات البلاد الخانقة، ليكون ذلك مقدّمة لإعادة طرح السيسي نفسه قائدًا للبلاد للمرّة الثالثة. وربما من هذه الزاوية، يعتبر بعضهم أن إطلاق "الحوار الوطني" لا يعدو كونه إجراءً دعائيًا بحتًا، فالمستهدف من مشهد الحوار "الشكلي" ليس الداخل، وإنما القوى الخارجية التي خبا حماسُها لدعم النظام في ظل فشله وتفاقم أزماته.