تستعد حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي لسداد 847.9 مليون دولار لصندوق النقد الدولي خلال أغسطس الجاري (2023)، على ثلاث دفعات، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي. ويأتي ذلك في وقتٍ تسعى فيه حكومة السيسي للحصول على دفعة ثانية من برنامج التسهيل الائتماني الممدد الذي توصلت إليه مع صندوق النقد الدولي قبل نهاية (2022)، والذي تصل قيمته الإجمالية إلى 3 مليارات دولار، على 4 سنوات، لم تتلق الحكومة منها إلا 347 مليون دولار في نهاية العام الماضي. وكان يفترض أن يحصل السيسي على دفعتين جديدتين، كل منهما بنفس قيمة الدفعة الأولى، خلال شهري مارس ويونيو(2023)، إلا أن بعثة الصندوق لم تقم بأي من المراجعات التي يلزم أن تسبق صرف أي دفعة، لأسباب غير معلنة، وبالتالي لم يتم صرف أي مبالغ جديدة من القرض المتفق عليه لحكومة السيسي.
وتنقل صحيفة "العربي الجديد" اللندنية عن مصادر مصرية مطلعة، أن أعباء الدين المستحق هي جزء من قروض حصلت عليها الحكومة من صندوق النقد الدولي في الفترة من العام 2016 وحتى العام 2021 وتجاوزت قيمتها 20 مليار دولار. وتتوزع الدفعات الثلاث، وفق بيانات صندوق النقد، على:
- 347.8 مليون دولار مستحقة في الأول من أغسطس، تمثل الفائدة على قروض المؤسسة المالية لمصر.
- نحو 119.4 مليون دولار في الثالث من أغسطس، تمثل قسط من اتفاق التسهيل الائتماني الممدد في 2016م.
- 340.5 مليون دولار في 10 أغسطس، تمثل قسط برنامج التمويل الطارئ الذي حصلت عليه الدولة خلال فترة تعامل الحكومة المصرية مع تبعات انتشار وباء كوفيد-19.
وكان الباحث الأكاديمي ثيموثي كالداس قد أكد أن هناك قصورا كبيرا في نهج صندوق النقد الدولي في التعامل مع الأزمة الاقتصادية التي تعصف بمصر؛ وخص بالذكر خطة الصندوق لإنقاذ الاقتصاد والتي لم يصممها خبراء محليون، كالداس يشير بذلك إلى الوصاية التي يمارسها الصندوق على الاقتصاد المصري الذي بات يدار من غرف الصندوق وليس من جانب الحكومة المصرية.
وحسب المقال الذي كتبه كالداس ونشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، في فبراير 2023م، فإن شروع حكومة السيسي في قرض ثالث من صندوق النقد يؤكد هناك خطبا ما في البلاد بينما تكمن المشكلة الأعمق في صندوق النقد الدولي. وحسب كالداس فإن النظام في مصر أمضى السنوات الماضية في استغلال وصول البلاد الواسع إلى الائتمان لتمويل مجموعة واسعة من المشاريع العملاقة ومشاريع البنية التحتية المدروسة بشكل سيئ. وهذا الأمر جعل الدولة المصرية مثقلة بالديون إذ تستهلك خدمة الفائدة وحدها نصف إيرادات الدولة، علما بأن الشركات المملوكة للدولة معفاة من ضرائب الشركات وضريبة القيمة المضافة والجمارك، مما يحرم الدولة من مصادر إيرادات تشتد الحاجة إليها.
ويعتبر كالداس أن هذه الامتيازات التي تحظى بها الشركات التابعة للحكومة هي عملية اختلاس واضحة أضرّت بالصحة المالية للدولة لدرجة أن برنامج القرض الجديد لصندوق النقد الدولي يفرض قيودا محدّدة على المشاريع الحكومية الجديدة ليركز أخيرًا على الحوكمة والمصادر الاقتصادية والسياسية الأساسية للمشاكل الاقتصادية طويلة الأمد والمتنامية في مصر، بما في ذلك الإمبراطورية الاقتصادية المتوسعة للجيش المصري. ولكن تكمن المشكلة في أن صندوق النقد الدولي استغرق وقتا قبل بدء الاستجابة الجادة لهذه القضايا الصارخة، بعد أن زاد النظام الدين الخارجي لمصر بأكثر من 100 مليار دولار.
ويتهم كالداس الصندوق بتوريط مصر في مشكلة تفاقم الديون، مؤكدا أن ما حدث كان بمحض إرادة صندوق النقد الدولي وبسببه، وذلك بتسهيل حصول مصر على قروض ضخمة من خلال دعمه المستمر والثناء على الإصلاحات الاقتصادية، وصلت إلى عشرين مليار دولار. ورغم تداعيات جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا إلا أن المشكلة تكمن في أن معظم أهداف صندوق النقد الدولي الأخرى في برنامج 2016 كانت تُظهر بالفعل علامات الفشل في 2019. ومع إقرار تقارير الصندوق بأن المشاكل المركزية التي تقوّض الاقتصاد المصري موجودة في مصر من قبل وليست بسبب الصدمات الخارجية؛ فإن هذه النتيجة تأتي بعد عدة سنوات من إشادة صندوق النقد الدولي ومساهميه بالأداء الاقتصادي لمصر مما ساعد النظام على إثراء نفسه بشكل واضح مع تدمير الصحة المالية للدولة المصرية وإفقار السكان الذين اضطروا إلى مواجهة نوبات متكررة من العنف والتقشف والتضخم المروع الذي تجاوز في بعض الأحيان 30 بالمئة ناهيك عن الانهيار المتكرر لعملة البلاد.
ويكيل الكاتب الاتهامات لصندوق النقد الدولي مؤكدا أن الصندوق ومساهميه مسؤولون أيضا عن تمكين قادة مصر، حيث لم يُنفق جنرالات مصر لإثراء أنفسهم فحسب، بل أيضا لكسب الأصدقاء في العواصم الرئيسية. وقد اشترت مصر من سنة 2012 إلى سنة 2021، أسلحة من فرنسا في إطار صفقات بقيمة 12.3 مليار يورو، أي ما يعادل مشترياتها من الاتحاد الأوروبي بأكمله في نفس الفترة. وفي سنة 2021، ذهب 46 بالمئة من صادرات الأسلحة الألمانية إلى مصر.
ويشدد الكاتب على ضرورة مساءلة صندوق النقد الدولي، لا سيما أنه لم يكن مجهزًا بشكل جيد في سنة 2016 لتصميم برنامج لمصر. ويناقش كالداس مآلات برنامج الصندوق، مضيفا أنه كما هو متوقع، أدت الوصفة الروتينية لصندوق النقد الدولي لخفض فاتورة رواتب القطاع العام إلى انخفاض حاد في مشاركة المرأة في القوى العاملة. وينتهي الكاتب إلى أن ما حدث في مصر يفرض على صندوق النقد الدولي القيام بإصلاحات هيكلية داخلية عميقة في أسرع وقت، وإلا فإنها ستكون مسألة وقت فقط حتى يقود دولة أخرى إلى الإفلاس مشيرًا بأصابع الاتهام إلى زعمائها وكأنه ليس له يد فيما حدث!