في ذكراها الثامنة.. كيف كانت تفريعة قناة السويس بداية تدمير الاقتصاد المصري؟

- ‎فيتقارير

أولويات نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي مختلة تماما؛ فمصر تحتاج أولا وقبل كل شيء تدشين مشروع قومي عملاق لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء على المستوى الزراعي والحيواني لتوفير الحبوب اللازمة للخبز والطعام وصناعة العلف وتربية الحيوانات والدواجن وغيرها لتوفير الألبان واللحوم وغيرها. كما تحتاج إلى الاهتمام الشديد بالتعليم والصحة وبناء المصانع لتوفير الملايين من فرص العمل للشباب العاطل والحد من فاتورة الاستيراد بزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي. لكن السيسي له أولويات أخرى تصل إلى حد التناقض الصارخ مع الأولويات التي يجمع عليها الشعب المصري؛ فقد وضع 8 مليارات دولار على مشروع تفريعة قناة السويس (2014 /2015)، وهو المشروع الذي تم تدشينه على عجل دون أي دراسة جدوى من أجل رفع الروح المعنوية للمصريين في أعقاب  انقلاب يوليو 2013م، حسب تصريحات السيسي نفسه، وقد تمت الإطاحة بمحافظ البنك المركزي الأسبق هشام رامز من منصبه رغم كفاءة الرجل التي يشهد بها الخبراء؛ لأنه انتقد  المشروع وحمَّله المسئولية عن أزمة الدولار وتراجع قيمة الجنيه. بمعنى أن هذا المشروع العقيم  هو الذي ألجأ النظام إلى صندوق النقد الدولي لاقتراض 12 مليار دولار  في نوفمبر 2016م؛ ومنذ ذلك الحين حلت على مصر لعنة لا تزال تسحق ملايين المصريين بؤسا وفقرا وغلاء لم يسبق له مثيل.

وهذه الأيام (النصف الأول من أغسطس 2023م)،  يتمر الذكرى الثامنة لافتتاح تفريعة قناة السويس؛ فقبل (8) سنوات أقام الجنرال احتفالا مهيبا بحضور قادة عرب وأجانب، ودخل بملابس عسكرية مجرى القناة على ظهر يخت “المحروسة”، المملوك للعائلة المالكة سابقا، وتبعته قطع بحرية عسكرية.

تكلف المشروع نحو 8.5 مليارات دولار، ويبلغ طول التفريعة الموازية للقناة 35 كم بعرض 317 مترا وبعمق 24 مترا؛ بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين حركة الملاحة وتقليل زمن عبور السفن بها، فضلاً عن زيادة مسطح القطاع المائي وتقليل التيارات الملاحية بالقناة. طرحت الحكومة شهادات استثمارية بقيمة 64 مليار جنيه لأجل 5 سنوات لتمويل المشروع، كلفت الميزانية العامة للدولة 7.6 مليارات جنيه سنويا كعوائد طوال تلك الفترة، كما اقترضت هيئة القناة نحو 850 مليون دولار لتمويل باقي أعمال البنية التحتية. شق تفريعة قناة السويس الجديدة بمصر، كان باكورة مشروعات السيسي، واستغرق المشروع الضخم الذي بدأ في أغسطس 2014 عاما واحدا، ويرى خبراء ومراقبون أنه كان المعول الأول في ضرب وزعزعة الاقتصاد المصري.

اقتربت تكلفة المشروع من نصف الاحتياطي من العملة الصعبة لدى البنك المركزي البالغ حينها 16.7 مليار دولار، ما أدى إلى استنزاف احتياطي الدولة بدلا من إعادة بنائه، وسط وعود بزيادة إيرادات القناة من نحو 5.5 مليارات دولار إلى 100 مليار دولار سنويا  حسب تصريحات رئيس القناة وقتها الفريق مهاب مميش. في وقت لاحق عدلت الحكومة من توقعاتها المفرطة، وقالت إنها تستهدف زيادة إيرادات القناة إلى 13.5 مليار دولار بحلول العام 2023، لكن بعد 8 سنوات، تخبرنا الأرقام أن إيرادات قناة السويس حققت 9.4 مليارات دولار في العام المالي 2022-2023 المنتهي في يونيو الماضي، في حين تحقق موانئ دبي 15 مليار دولار سنويا فقط من الخدمات المقدمة للسفن والناقلات، بينما تحقق موانئ سنغافورة 35 مليار دولار سنويا!

 

لم نكن بحاجة إلى تفريعة

نشطاء ومغردون ذكّروا بتصريح الفريق مميش، وقارنوه بالتقارير الدولية عن حجم التجارة العالمية، وأرقام الزيادات الحقيقية في إيرادات القناة، واتهموا المشروع بأنّه كان بمثابة اللبنة الأولى في انهيار الجنيه المصري، وأزمة الدولار، لإجباره النظام على القيام بأوّل عملية تعويم للعملة عام 2016م.

ودفاعا عن المشروع نشر المحامي والمذيع المقرب من النظام، ومستشار رئيس الهيئة، خالد أبو بكر، تغريدة  مرفقة برسم بياني يوضح إيرادات القناة، وطالب الجميع بالاعتذار لرأس النظام، ولكن الفنان عمرو واكد علّق متسائلاً: “نعتذر؟ ولمن؟ العكس صحيح، نحن نحمله مسؤولية عدم الإفصاح عن تفاصيل المصروفات التي تضاعفت بنسب خيالية وغير مفهومة، وكذلك عن تفاصيل خسائر الشركات المملوكة للهيئة التي امتصت نسبة هائلة من الإيراد فجأة. أين تنشر الحسابات الختامية يا سيد خالد أبو بكر المحامي؟ يحق لكل مصري أن يسأل أين هي؟”.

وغرد واكد قائلاً: “قناة السويس قبل الترعة باهظة الكلفة التي حفروها لزيادة سعتها التصريفية كانت سعتها التصريفية 77 سفينة معيارية في اليوم، وبعد الترعة زادت إلى 97 سفينة معيارية في اليوم. المهم أنه في عام 2022/2023 وبعد قرابة 10 أعوام على كلفة المشروع الباهظة مرّ في القناة متوسط فقط 71.9 سفينة في اليوم. أي إننا ما زلنا تحت السعة القديمة، وهذا يفيد بأن كل هذه الإيرادات التي يتشدقون بها كانت لا تحتاج لأي استثمار لزيادة السعة. كل هذه الأموال تم صرفها على شيء ربما نحتاجه بعدما صرفت بـ12 سنة مثلاً. أولويات دي ولا مش أولويات يا سيادة اللواء يا أبو سيف متقاطع للأرزاق”.

 

غموض زيادة المصروفات

وتلفت ورقة بحثية أعدها مركز حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة، النظر إلى الجانب الخفي في ارتفاع إيرادات قناة السويس خلال السنوات المالية الأخيرة  موضحة بالأرقام زيادة المصروفات (الأجور، النفقات، الضرائب) بالتالي فإن نسبة المصروفات إلى الإيرادات في تزايد، إذ ارتفعت نسبة المصروفات إلى الإيرادات إلى 52.2 في المئة في العام المالي 2021/2020 مقارنة بنحو 16.3في المئة فقط في 2001/2002، ويضيف المركز في ورقة بحثية حديثة أن تلك النسبة تحدد مدى ربحية مشروع معين وكفاءة إدارته: فكلما انخفضت النسبة، كان المشروع أكثر ربحية، والعكس صحيح، ويشير ارتفاع النسبة إلى أن مصاريف المشروع ترتفع بمعدل أعلى من دخله، وهو ما عكسته موازنات قناة السويس على مدار الـ20 سنة الأخيرة.

 

تسببت في أزمة الدولار

وينقل موقع “عربي 21” عن أستاذ الاقتصاد بكلية أوكلاند الأمريكية، مصطفى شاهين، أن «مصر لم تكن بحاجة إلى مشروع تفريعة قناة السويس مطلقا، واعتبر مشروع التفريعة أول معول في ضرب الاقتصاد المصري، وأن المشروع كشف كيف يدير السيسي اقتصاد الدولة بالأمر المباشر والرغبات دون دراسة جدوى حقيقية». ويوضح أن المشروع “تكلف قرابة 8.6 مليارات دولار، وهي التي أدت إلى أزمة نقص الدولار الأمريكي، واضطرت الحكومة بعدها إلى تعويم العملة المحلية في 2016 وقفز الدولار من مستوى 8 جنيهات إلى 19 جنيها قبل أن يتدخل البنك المركزي ويخفضه عند مستويات 15.6 جنيها و16.50 جنيها ثم ينفرط عقد الجنيه إلى المستويات الحالية قرب الـ 40 جنيها».

ويرى شاهين أن “إيرادات القناة الحالية متواضعة، والتي تعد من أهم ممرات الملاحة العالمية ويمر بها أكثر من 12% من تجارة العالم، ولا تعبر تلك الإيرادات عن قيمتها الاقتصادية، التي يجب أن تتجاوز جهود الحكومة المنصبة على توسعة القناة ونقل ملكية أصولها إلى شركات وصناديق خاصة”، مشيرا إلى أنه “يجب إنشاء مناطق صناعية ولوجستية لتحقيق إيرادات مستدامة وإضافة قيمة اقتصادية أكبر إلى الدخل القومي، وتوطين صناعات مختلفة وخلق فرص عمل واعدة”.

 

أين المشاريع اللوجستية؟

يتفق معه في الرأي الباحث الاقتصادي حافظ الصاوي  مطالبا بضرورة زيادة الإيرادات الناتجة عن استغلال القناة كممر ملاحي، قائلا: “قناة السويس هي الفرصة التي لم تستغل بعد وحتى فكرة تطوير القناة من خلال إنشاء مجموعة من المدن الصناعية ومناطق حرة ولوجستية تعتمد بشكل كبير على الشركات والاستثمارات الأجنبية المباشرة وهي غير موجودة”. مضيفا: «وضع قناة السويس لا يزيد عن كونها ممرا مائيا وما حدث من ارتفاع في عوائد قناة السويس خلال الشهور الـ 9 من العام الجاري، هو بسبب ما يحدث في البحر الأسود من تعطيل للملاحة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية ومرتبطة بحدث عارض، فضلا عن أن العوائد المعلن عنها لا تعبر عن الآمال والطموحات المرتبطة بممر إستراتيجي يمر منه نحو 12% من حجم التجارة العالمية». ويرى حافظ أن “هناك فرصا يجب أن تستثمر والحديث عن قناة السويس وتطويرها ظل لسنوات طويلة ولم تتوفر الإرادة السياسية الخاصة بهذا المرفق الحيوي فضلا عن غياب الشفافية بقناة السويس وشركاتها وإيراداتها، وأيضا قصة الصناديق الخاصة بدخل الهيئة من المفترض أن فوائضها تؤول إلى الخزانة العامة التي تعاني من مشاكل كبيرة، ولا يجب التعامل مع إيرادات القناة من خلال تفتيت مواردها وإخراجها عن الموازنة في مسارات أخرى تعطل صانع السياسة الاقتصادية بشكل عام والسياسة المالية بشكل خاص في أن يحسن أداء الإنفاق العام في الموازنة العامة للدولة”.