حالة من الجدل أعقبت التغريدة التي كتبها نائب الموقت عدلي منصور الدكتور محمد البرادعي الجمعة 11 أغسطس 2023م؛ انتقد فيها ما وصفها بـ"عقود الاستبداد والتجهيل والتهميش" في مصر، ومتحدثا عن صعوبة "المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية والحرية".
تضمنت تغريدة البرادعي على منصة (إكس) عدة مضامين:
- كلما طالت عقود الاستبداد والتجهيل والتهميش كلما اصبحت المرحلة الانتقالية من أجل بناء أنظمة ديموقراطية أكثر صعوبة وتعقيدا.
- استنادا على التجارب فى أنحاء مختلفةً من العالم يتوقف نجاح الانتقال إلى الحرية على: درجة التوافق بين قوى وأطياف المجتمع على المبادئ الأساسية لشكل النظام الجديد وتقنينها في دستور ديمقراطي يحمي الحقوق والحريات.
- الشرط الثاني هو "القدرة على بناء سلطات الدولة المدنية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة العميقة وفتح المجال أمام المجتمع المدني قبل الدخول فى مرحلة التنافس الانتخابي. مضيفا: "يعلمنا التاريخ المعاصر أن الاكتفاء بصرح هش غير مكتمل الأساسات سواء بجهل أو بسوء نية يؤدي إلى وضع العربة قبل الحصان، وفي أغلب الأمر ينتهي بالعودة إلى الوراء".
قوبلت تغريدة البرادعي بردود متباينة:
- فريق (مؤيدون للسلطة العسكرية) هاجموا البرادعي، واعتبروه يستعيد ذكريات مرحلة سيئة قد ولت، بعدما خان الدولة المصرية.
- فريق آخر (معارضون)، تحفظوا على تغريدة البرادعي بوصفه أحد الأدوات التي قوضت أركان المسار الديمقراطي، فقد كان هناك دستور ديمقراطي يحمي الحقوق والحريات تم الاستفتاء عليه بإرادة الشعب الحرة بموافقة 63.8% ، وكان هناك رئيس منتخب بإرادة الشعب الحرة، ومرحلة جديدة تعمل على تغيير شكل الدولة بعد عقود من الاستبداد والطغيان لكن البرادعي فضل الانحياز إلى الدولة العميقة وتواطؤ ضد الرئيس المنتخب والقيم الديمقراطية لأن نتائجها لم تعجبه، فنسف بيده كل هذا الصرح العظيم الذي كنا قد بدأنا في تشييده. فكيف يحاضر الناس بعد ذلك عن الديمقراطية وهو من أوائل الذين طعنوا الديمقراطية في مقتل؟!
- فريق ثالث تجاوب مع تغريدة البرادعي (معارضون إسلاميون وعلمانيون)، أجمعوا على صعوبة المشهد؛ وأن هذا التحول تقف دونه عقبات كبرى أهمها الدولة العميقة (جيش ـ شرطة ـ مخابرات ـ نفوذ خارجي) المسيطرة على مفاصل الدولة بما يشبه المافيا التي تحتل البلد بالوكالة وتمضي بها وفق مخطط مرسوم بعناية منذ منتصف القرن العشرين حين قرر المحتلون مغادرة البلاد شكليا وبقائها محتلة عمليا وهو ما نطلق عليه الاحتلال بالوكالة لضمان مصالح الغرب وبقاء نفوذه مسيطرة على صناعة القرار في بلادنا شبه المستقلة وشبه المحتلة. كذلك من أهم العقبات دعم الغرب للنظم السلطوية بوصفها بوابة حماية مصالحه، وقد كان موقف الغرب شديد الخزي والعار في مرحلة الربيع العربي حين قدم الدعم الكامل للنظم السلطوية على حساب القيم الديمقراطية والإنسانية. وكذلك قلة الوعي لدى الجماهير والتي لا تدرك قيمة وأهمية بناء نظام سياسي ديمقراطي يقوم على مركزية دور الشعب في صناعة القرار عبر أدوات ديمقراطية ودستورية متفق عليها بين مكونات وطوائف الشعب كله دون إقصاء أو تمييز.
مواقف البرادعي
شارك البرادعي في مؤامرة الانقلاب، وكان دوره بارزا في تدمير المسار الديمقراطي لما كان يحظى به من مكانة دولية في العواصم الغربية بوصفه المدير السابق للوكالة الدولة للطاقة الذرية. وقبل فض الاعتصامين (رابعة والنهضة) في 14 أغسطس 2013م، كان الدكتور محمد البرادعي هو الوحيد الرافض لفض اعتصامي رابعة والنهضة في اجتماعات ما يسمى بـ«مجلس الدفاع الوطني» والذي كان يشارك فيها بصفته نائبا للموقت عدلي منصور، حيث كان البرادعي هو الوحيد الذي يتبنى ضرورة الحل السلمي للأزمة، بينما كان الباقون تتملكهم شهوة الدماء بدعوى فرض القانون على الشارع رغم أنهم جميعها بلا استثناء تمردوا على الدستور والقانون وإرادة الشعب الحرة واختطاف الرئيس المنتخب وحل الحكومة المنتخبة وتجميد الدستور. كان السيسي متحمسا لسفك الدماء مدعوما من جميع أعضاء ما يسمى بمجلس الأمن الوطني (وزير الداخلية محمد إبراهيم ـ الببلاوي ــ عدلي منصور ـ وزراء بالحكومة).
وفي غرة نوفمبر 2016م، كتب البرادعي تدوينة على صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، أدلى فيها بشهادته على الأحداث بدءا من مشهد الانقلاب الذي كان شريكا فيه ثم قبوله في 16 يوليو لمنصب نائب الرئيس بالتعيين من جانب المؤسسة العسكرية، وصولا إلى استقالته يوم 16 أغسطس 2013 غس اعتراضا على فض اعتصامي رابعة والنهضة.
يؤكد البرادعي أنه ساهم مع غيره، بما في ذلك ممثلين لقوى عربية وأجنبية، في مساع للوساطة مع مؤيدي الرئيس مرسي، بمعرفة وتوافق الجميع بما في ذلك ممثلى المجلس العسكري، للتوصل إلى أُطر وتفاهمات لتجنب العنف الذي كان بدأ يتصاعد في اشتباكات بين مؤيدى الرئيس وقوات الأمن والذى أدى إلى وقوع الكثير من الضحايا. ويضيف البرادعي أن الهدف من وجوده في المنظومة الرسمية هو التوصل إلى صيغة تضمن مشاركة «كافة أبناء الوطن وتياراته» في الحياة السياسية حسبما ما جاء في بيان ٣ يوليو. على حد تصريحه.
ويتهم البرادعي السيسي ومؤسسات الدولة المتمردة بتصعيد الموقف وعدم الرغبة في حل الأزمة سلميا، مضيفا: «للأسف، وبالرغم من التوصل إلى تقدم ملموس نحو فض الاحتقان بأسلوب الحوار والذى استمر حتى يوم ١٣ أغسطس، فقد أخذت الأمور منحى آخر تماما بعد استخدام القوة لفض الاعتصامات وهو الأمر الذي كنت قد اعترضت عليه قطعيا في داخل مجلس الدفاع الوطني، ليس فقط لأسباب أخلاقية وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام وما يترتب على ذلك من الانحراف بالثورة وخلق العقبات أمام تحقيقها لأهدافها».
ويكشف البرادعي أن ما جرى بعد ذلك في خريطة الطريق كان يخالف قناعة الكثيرين، مستنكرا الهجوم الإعلامي عليه بخلاف التهديدات المباشرة التي تلقاها خلال الفترة القصيرة التي قبل فيها المشاركة الرسمية في العمل العام، وذلك بسبب محاولاته التوصل إلى حل سلمى للأزمة السياسية. ويؤكد البرادعي أنه في ضوء ما تقدم من عنف وخداع وانحراف عن مسار الثورة فقد كان من المستحيل عليه الاستمرار في المشاركة في عمل عام يخالف كل قناعته ومبادئه، خاصة قدسية الحياة وإعلاء قيمة الحرية والكرامة الإنسانية، حتى وإن كان ذلك عكس التيار العام والهيستيريا السائدة في ذلك الوقت. على حد وصفه.
حلول لم يلتفت إليها
الحل السلمي للأزمة والذي أشار إليه البرادعي في تدوينته دون كشف المزيد من التفاصيل، تكفل الدكتور محمد محسوب، وزير الشئون القانونية في حكومة هشام قنديل، بالكشف عن تفاصيله؛ حيث كشف عن مبادرة أوروبية طرحتها " كاثرين آشتون"، تتضمن تفويض الرئيس مرسي رئيسا للوزراء وفقا للدستور يدير مرحلة تجري فيها انتخابات مع الاحتفاظ بالدستور وعودة الجيش لثكناته.. وتساءلت السيدة أشتون عن موقف الإخوان، فأكد لها الدكتور محمد على بشر أنه يمثل الإخوان في اللقاء وأنه يقبله. ولفت محسوب إلى أنه كان من ضمن المقترح الإفراج عن المعتقلين والقيادات ليكونوا شركاء في الحل وإنهاء الحملات الإعلامية التي تبيح دماء المعتصمين وتطالب فض الاعتصامات السلمية بقوة السلاح.في هذه الأثناء دعا محسوب وسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني والأحزاب للذهاب إلى الاعتصام والتأكد من خلوها من أي سلاح.
كان يتعين أن يعلن البرادعي عن التوصل إلى هذا الحل السلمي للأزمة في مؤتمره الصحفي مع كاثرين آشتون، لكنه مُنع من أن يُبشر به الشعب المصري مما دعا آشتون للانسحاب. ويفسر الدكتور محسوب ذلك بأن زعيم الانقلاب لم يرض عن ذلك الحل لأنه يعيق مسعاه الشخصي للاستيلاء على السلطة، لكنه لم يكن في مركز يُمكنه أن يرفضه علانية فينكشف عنه الغطاء السياسي الذي تدثر به في وقت كان لا يزال يحتاج إليه، فطلب من الدكتور البرادعي تأجيل الإعلان عن الحل متذرعا برفض غالبية ضباط الجيش وأنه يحتاج وقتا لإقناعهم. هذه الحقائق هي التي دفعت البرادعي إلى الاستقالة من منصبه رفضا لفض الاعتصام بالقوة، لأنه لم يقدر على لجم اندفاع السيسي وعصابته نحو سفك الدماء الحرام؛ ولهذا استقال "ليس فقط لأسباب أخلاقية، وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها، كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام". وفي سبيل ذلك تعرض البرادعي للتهديدات من جانب أجهزة وصفها بالسيادية لأنه كان يمضي في طريق حل الأزمة سلميا بينما كانت هذه الأجهزة تصر على تعقيد الموقف وعدم حل الأزمة بشكل سلمي.