منظمة حقوقية: تقرير فض الاعتصام طمس الحقائق وغموض يكتنف إخفاءه

- ‎فيتقارير
Supporters of ousted president Mohamed Morsi and the Muslim brotherhood run away from tear gas during clashes with Egyptian riot police close to Rabaa al-Adawiya square on November 22, 2013. A young boy was killed as supporters and opponents of ousted president Mohamed Morsi fought in Suez city, and police fired tear gas elsewhere to quell disturbances, officials said. Confrontations came as pro-Morsi groups called for a week of anti-military demonstrations under the slogan "Massacre of the Century." AFP PHOTO/MOHAMED EL-SHAHED (Photo by MOHAMED EL-SHAHED / AFP)

 قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقرير لها نشرته الاثنين 14 أغسطس بعنوان "طمس الحقائق ، من الأوراق الرسمية لعملية فض اعتصام رابعة": إن "التقرير النهائي عن عملية فض اعتصام رابعة العدوية لم ينشر حتى اليوم". 
  وأشارت إلى أن رئيس ما يسمى باللجنة القومية المستقلة لجمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق في الأحداث التي واكبت ثورة 30 يونيو وما أعقبها من أحداث؛ فؤاد رياض توفي في يناير 2020، عن عمر ناهز 92 عاما، وكان آخر ما كتبه قبل شهر من وفاته على صفحته بموقع فيسبوك تضمن شكوى من أن تقرير اللجنة لا زال طي الكتمان. 
 وأوضحت أن تقرير اللجنة انتهى إلى نتيجة واضحة، وهي أن إطلاق قوات الفض للنار باستخدام الذخيرة الحية كان عشوائيا وغير متناسب، وذلك على الأقل في الساعات الخمسة بدءا من الواحدة ظهرا، حين أصدر القائد الميداني قرار استدعاء المجموعات القتالية الاحتياطية المسلحة وفقا لخطة الفض. 
 ونبهت إلى عبارة اعتبرتها حاسمة قالت: "ولا تشك لجنة تقصي الحقائق في أنه كان من الممكن إنهاء تجمع رابعة دون أن تسال كل هذه الدماء". 
 وأكدت أنه في يوم 23 نوفمبر 2014 استقبل عبد الفتاح السيسي وفد اللجنة والتي كانت فترة عملها قد انقضت قانونيا قبلها بيومين، بعد أن قضت ما يقرب من عام في توثيق وقائع العنف الرسمي والأهلي على مدار الفترة التي بدأت بخروج المسيرات المليونية العارمة، للمطالبة بعزل الرئيس السابق محمد مرسي في يونيو 2013 وحتى تنصيب السيسي في يونيو 2014.  
 والتقى السيسي من اللجنة؛ رئيسها فؤاد عبد المنعم رياض، أستاذ القانون والقاضي الدولي السابق بالمحكمة الجنائية الدولية، ونائب رئيس اللجنة المستشار إسكندر غطاس، مساعد وزير العدل السابق، والأمين العام للجنة القاضي عمر مروان، الذي يشغل حاليا منصب وزير العدل. 
 وشدد تقرير "المبادرة" إلى أن المسؤولين عن قرار إنهاء الاعتصام وتنفيذ عملية الفض- وعلى مستويات عدة- كانوا على علم مسبق بأعداد القتلى المتوقعة بين المعتصمين في حالة فض الاعتصام في يوم واحد. 
  واستعرضت أرقاما توصلت إليها وقالت: إنها "الأرقام الرسمية النهائية، حيث أسفرت عملية فض اعتصام رابعة وحدها وفي يوم واحد عن مقتل 4 ضباط و5 مجندين من قوات الشرطة وما لا يقل عن 618 مدنيا، وهو رقم تقر السلطات بأنه يقتصر فقط على الجثث التي وردت إلى مصلحة الطب الشرعي". 
  
 
https://eipr.org/press/2023/08/%D8%B7%D9%85%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%82%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D8%B6-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%85-%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9?fbclid=IwAR3zvCnnbRA4lkkACR_1dXNNKD9oqYUl5qvX4FA79F6yfBQRGG4hTokr8_A 
 
 
تسليم تقرير نهائي 
ورغم تحميل الدولة عب ماليات اللجنة، حيث نص القرار على تعيين عمر مروان – وكان وقتها مساعدًا لوزير العدل- كأمين عام للجنة، والذي قام بدوره باختيار 17 قاضيا للعمل كأمانة فنية للجنة، فضلا عن الإداريين المنتدبين أيضا من الجهات والهيئات القضائية، وقال عمر مروان لاحقا: إن "الدولة خصصت لعمل اللجنة اعتمادات مالية بلغت 732 ألف جنيه، إلا أن اللجنة انتهى عملها -التي كان مقرها بمجلس النواب – بتسليم تقريرها النهائي السيسي؛ فالقرار الجمهوري بتشكيلها لم يمنحها سلطات التحقيق الرسمي أو استدعاء المسؤولين أو توجيه الاتهامات أو إحالة الوقائع للمحاكمة، وإنما اقتصر كما يشير اسم اللجنة على تكليفها بجمع المعلومات والأدلة عبر عقد اللقاءات والمقابلا وإجراء المناقشات وتحليل الأحداث وبيان الوقائع وهكذا".  
  
ووصف التقرير أن "الأحداث الدامية لصيف 2013، وعلى رأسها عملية فض اعتصام أنصار مرسي في ميدان رابعة العدوية في 14 أغسطس من ذلك العام، والموصوفة من يومها بكونها "أسوأ مذبحة في تاريخ مصر الحديث". 
   
وأوضحت أنه بعد ثلاثة أيام من اجتماعها بالسيسي، عقدت اللجنة مؤتمرها الصحفي الأخير لإعلان التقرير، والذي قال رئيس اللجنة: إنه "جاء في 766 صفحة، فضلا عن 11 ألف صفحة من الملاحق والمرفقات والوثائق، بخلاف الإسطوانات المحتوية على أدلة وصور وفيديوهات، لكن اللجنة لم تنشر يومها سوى ملخصا تنفيذيا من 57 صفحة، من بينها سبع صفحات فقط حول فض رابعة، وقام بإعداده وعرضه في المؤتمر عمر مروان بصفته الأمين العام".  
 
وأشار تقرير "المبادرة" إلى أن ذلك الملخص التنفيذي تقريبا نفس الرواية الرسمية التي رددتها السلطات الرسمية في أعقاب المذبحة، وهي ذات الرواية التي اعتمدتها النيابة العامة لاحقا كأساس لاستجواب ومقاضاة 739 شخصا- جميعهم من المعتصمين- في محاكمة جنائية بتهم التجمهر والقتل والعنف وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، في محاكمة بدأت في 2015 وانتهت بعد ثلاث سنوات بأحكام بالإعدام والمؤبد، فضلا عن إدانة 22 طفلا قُبض عليهم أثناء أو عقب فض الاعتصام وحكم عليهم بالسجن عشر سنوات يتلوها الخضوع لمراقبة الشرطة لخمس سنوات أخرى. 
 
تتلخص تلك الرواية الرسمية في عدة عناصر أساسية، أن اعتصام رابعة كان بؤرة مسلحة، وأن قوات فض الاعتصام أنذرت المعتصمين عبر مكبرات الصوت وحاصرتهم ومنحتهم مهلة للمغادرة الطوعية عبر ممر آمن خصصته لذلك الغرض، وأن المعتصمين قاوموا قوات الفض التي لم تستعمل سوى سيارات الطنين وخراطيم المياه وبواعث الغاز المسيل للدموع. 
 
ثم بادر المعتصمون بإطلاق الأعيرة النارية على القوات التي سقط منها قتلى وجرحى فاضطرت القوات للرد بالذخيرة الحية بالقدر الضروري والمتناسب قبل أن تحكم السيطرة على الميدان، ثم سمحت بخروج أغلب المعتصمين بعد أن ألقت القبض على المتورطين منهم في العنف، وعثرت في مكان الاعتصام على 51 سلاحا ناريا وكمية من الذخائر. 
 
 
حقائق بعد عشر سنوات 
 وقال التقرير: إن "دراسة المعلومات والأدلة والمصادر والإفادات التي جمعتها اللجنة القومية، فضلا عن الاستخلاصات والتوصيات التي تضمنها تقريرها غير المنشور حول فض رابعة، والتي تجاهلها أو حرفها أو ناقضها الملخص التنفيذي المعلن، يكشف عن خمس حقائق رئيسية". 
 
أولا- استخدام الذخيرة الحية بشكل عشوائي وغير متناسب 
وفي خلاصة تقريرها النهائي المقدم للرئيس السيسي قالت اللجنة نصا: 
 
"أما الإدارة المصرية فقد جانبها الصواب هي الأخرى في سياستها في فض التجمع وذلك للأسباب الآتية: 
 
ارتباك الحكومة بين فض التجمع بأي ثمن في وقت قصير أو فضه بثمن أقل ومدة أطول، لقد إنحازت الحكومة إلى الخيار الأول، بسبب تجاوز قادة التجمع حدود المعقول واللائق، ولقد كان بمقدور الحكومة عدة بدائل منها تجفيف مصادر العنصر البشري في التجمع، وتقليل خدمات الإنارة والمياه، بهدف تقليل الأعداد إلى مجموع يمكن لقوات الأمن التعامل معه بكفاءة أعلى، وشن حملة واسعة على نطاق الإقليم المصري بأن الحكومة عازمة على فض التجمع ولو بالقوة حتى يشترك الشعب معها في إرجاع أبنائه، ماديا أو معنويا عن المشاركة في هذا التجمع غير السلمي." .
 
ولعل هذا ما أشار إليه محمد البرادعي في نص استقالته من منصب نائب رئيس الجمهورية فور وقوع مذبحة رابعة، حيث كتب: "وكما تعلمون فقد كنت أري أن هناك بدائل سلمية لفض هذا الاشتباك المجتمعي، وكانت هناك حلول مطروحة ومقبولة لبدايات تقودنا إلي التوافق الوطني، ولكن الأمور سارت إلى ما سارت إليه ، ولا أستطيع تحمل مسئولية قطرة واحدة من الدماء أمام الله ثم أمام ضميري ومواطني خاصة مع إيماني بأنه كان يمكن تجنب إراقتها." 
 
كما أكد تقرير اللجنة مرة أخرى أن انحياز المسؤولين عن القرار إلى خيار استعمال القوة في فض الاعتصام لم يكن مبنيا على ظن منهم بأن في الإمكان تنفيذ الفض دون خسائر بشرية، فقد حصلت اللجنة القومية كذلك على إفادة من رئيس الوزراء حازم الببلاوي، ذكر فيها نصا "أن عدد القتلى كان أقل مما هو متوقع"، وهو تصريح كان قد أدلى به في مقابلات إعلامية في وقت سابق، لكنه قدمه هنا للمرة الأولى في إفادة رسمية تثبت العلم المسبق للسلطات بحجم الخسائر المتوقع في حال اللجوء للقوة. 
 
ففي حوار مع الببلاوي نشرته المصري اليوم في سبتمبر 2013، أي بعد أقل من شهر على فض الاعتصام، أجاب كالتالي: 
 
"■ هل كانت التوقعات قبل فض الاعتصام أن يكون عدد الضحايا بالمئات أم أكثر أو أقل؟ 
 
– لقد أخذنا في الاعتبار الاحتمال الأسوأ عند التعامل مع تلك الأحداث، فالمتوقع كان أكبر بكثير مما حدث فعليا على الأرض، النتيجة النهائية أقل من توقعاتنا." 
 
ولم يقتصر دور الببلاوي على إدارة اجتماع مجلس الوزراء في 31 يوليو 2013 والذي صدر عنه القرار النهائي بفض الاعتصام وتفويض وزير الداخلية في التنفيذ، بل إن هذا الاجتماع الحكومي جاء في أعقاب مشاركة الببلاوي يوم 27 يوليو في اجتماع مجلس الدفاع الوطني الذي شغل عضويته كرئيس للوزراء إلى جانب وزراء الدفاع عبدالفتاح السيسي، والداخلية محمد إبراهيم، والخارجية نبيل فهمي، والمالية أحمد جلال، وقادة عسكريين وأمنيين في ذلك الوقت، وهو الاجتماع الذي صدر عنه قرار إنهاء الاعتصام، كما حرص الببلاوي على زيارة قوات الأمن المركزي بنفسه في يوم 8 أغسطس بمعسكر الدراسة بالقاهرة الذي خرجت منه تلك القوات لفض الاعتصام بعد بضعة أيام من الزيارة. 
 
وكانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قد شكلت وفدًا من الحقوقيين المصريين اجتمع بالببلاوي بمقر مجلس الوزراء مساء يوم 30 يوليو، أي في اليوم السابق على قرار مجلس الوزراء بفض الاعتصام، وفي حضور مسؤولين حكوميين آخرين، حيث أخطره الوفد بأن تقديرات أعداد المعتصمين في رابعة وتوثيق المؤسسات الحقوقية لأداء وزارة الداخلية في فض تجمعات سابقة أصغر حجمًا يدفعنا إلى التحذير من أن محاولة فض اعتصام ميدان رابعة بالقوة سينتج عنها عدد من القتلى قد
يتراوح بين 700 و800 شخص ومئات الجرحى من بين المعتصمين. 
 
 وقد ناقشنا في هذا الاجتماع المطول مع رئيس الوزراء أكثر من سيناريو وأكثر من طريقة للتدخل تضمن خسائر أقل بكثير وتلتزم بالمعايير الدولية والممارسات الفضلى في التعامل مع التجمعات والتظاهرات، ولكننا حذرنا من ضعف قدرة قوات الأمن في مصر على تجنب التصعيد المضاد في حالة حاول أي طرف من أطراف الاعتصام التصعيد أو اللجوء إلى العنف. 
 
وفي اليوم التالي لهذا الاجتماع أصدرت 10 منظمات حقوقية مصرية بيانا مشتركا "بعد صدور قرار مجلس الوزراء في 31 يوليو باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للتعامل مع الاعتصامين المؤيدين للرئيس المعزول خارج مسجد رابعة العدوية وميدان النهضة، وبيان وزارة الداخلية الصادر في 1 أغسطس بهذا الشأن" جاء فيه ما يلي: 
 
 إن الهدف الرئيسي لأي تدخل أمني يجب أن يكون ضمان السلامة العامة ومنع الاضطرابات وحماية حقوق الآخرين، لذا يجب على أي تدخل أمني أو تعامل شرطي مع تظاهرة أن يسبقه تقييم شامل ورسمي للتداعيات الأمنية المحتملة ولقدرة الدولة على منع تفاقم العنف أو وصوله إلى أماكن أخرى، وأن يسبق التدخل الأمني إثبات استنفاد كافة أساليب الإقناع والتفاوض والوساطة.
 
غالبية القتلى من المعتصمين السلميين 
في مساء 14 أغسطس 2013 وبعد انتهاء فض الاعتصام، أصدر مجلس وزراء الانقلاب بيانا قدم فيه التحية لقوات الفض واعتبره التزم بأقصى درجات ضبط النفس والأداء الاحترافي العالي خلال عملية فض الاعتصام، وهو ما انعكس في انخفاض أعداد الإصابات في صفوف المعتصمين بالمقارنة بالأعداد المتواجدة على الأرض، مدعيا التسليح و العنف الموجه ضد هذه القوات.  
 
إلا أن تقرير اللجنة القومية المستقلة لتقصي الحقائق كذب الرواية الرسمية سواء حول كون أغلبية معتصمي رابعة من المسلحين أو حول كون أغلبية القتلى في رابعة من العناصر المسلحة التي بادرت بالاعتداء على قوات الفض، بل إن التقرير انتهى إلى نتيجة حذفت من الملخص الذي جرت الموافقة على نشره. 
 
كان العدد الأكبر من ضحايا رابعة من المدنيين الأبرياء الذين كانوا على الأرجح من المتظاهرين السلميين، أما من حملوا السلاح وروعوا المواطنين فقد تمكنوا من الهروب من ميدان رابعة. 
 
تتفق هذه النتيجة مع ما توصلت إليه كافة التحقيقات الميدانية المستقلة بشأن رابعة، والتي كان قد صدر تقريران منها قبل انتهاء اللجنة القومية من عملها: الأول عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في يونيو 2014 بعنوان "أسابيع القتل"، والثاني عن منظمة هيومن رايتس ووتش في أغسطس 2014 بعنوان "حسب الخطة" ". 
 
وتتفق النتيجة أيضا مع القرائن الرسمية التي وردت في تقرير وزارة الداخلية نفسها عن عملية الفض، وفي تحقيقات النيابة العامة مع المعتصمين الناجين من القتل، وفي التقرير النهائي لمصلحة الطب الشرعي، وبالطبع فإن النتيجة تتفق كذلك مع المنطق في ضوء ما أشار إليه تقرير لجنة تقصي الحقائق بشأن عدم التناسب وإطلاق النار العشوائي واستبعاد بدائل الفض السلمية.  
 
بدأت اللجنة القومية عملها باستدعاء الهيئة العامة للمساحة وطلبت منها تقدير حجم الاعتصام وفق نطاقه المكاني، وبالاستعانة بالخرائط المساحية قدرت الهيئة القدرة الاستيعابية لمنطقة التجمع بنحو 182,100 فرد كحد أقصى لا يأخذ في حسبانه وجود الإشغالات كالخيام والممرات والسيارات، بينما استعانت هيومن رايتس ووتش بصور القمر الصناعي من إحدى ليالي الاعتصام، وهي ليلة 2 أغسطس، لتقدير وجود ما يقرب من 85 ألف متظاهر في المنطقة ليلتها، وقدرت المبادرة المصرية في تقريرها حجم الاعتصام بقرابة 100 ألف متظاهر، أما وزير الداخلية وقتها محمد إبراهيم فقد ذكر يوم الفض أن عدد المعتصمين كان 20 ألفا. 
 
وبصرف النظر عن عدد المعتصمين فإن تقرير مصلحة الأدلة الجنائية بوزارة الداخلية وملف النيابة العامة وتقرير اللجنة القومية تتفق جميعا في أن عدد الأسلحة النارية المضبوطة أثناء وفي أعقاب الفض لم يتجاوز 51 قطعة سلاح من بينها 32 سلاح خرطوش، وانتهى تقرير مصلحة الطب الشرعي إلى أن الإصابات بالخرطوش في الجثث التي تم تشريحها لم تتعد 2% فيما بلغت نسبة الإصابات بالأعيرة النارية 90%. وأضاف التقرير أن الغالبية الساحقة من الإصابات بالأعيرة النارية كانت من عيار 7.62*39 مم. وطبقاللوثائق الرسمية، لم تعثر قوات الفض ومصلحة الأدلة الجنائية ومن بعدها معاينة النيابة العامة لمكان الاعتصام سوى على تسع بندقيات آلية فقط من ذلك العيار، أما قوات الأمن المركزي، سواء وحدات مكافحة الشغب أو الوحدات القتالية فإن قوام تسليحها الأساسي هو البندقية الآلية عيار 7.62*39 مم. 
 
أي أنه سواء كان عدد المعتصمين يوم الفض يقترب من 180 ألفا (حسب هيئة المساحة) أو 20 ألفًا (حسب وزير الداخلية)، فإن النسبة الأغلب من 90% من القتلى والمصابين قد سقطوا بنوعية سلاح توافرت منه تسع قطع بين المعتصمين، بينما حملته كافة الوحدات القتالية لقوات العمليات الخاصة
المشاركة في الفض. 
 
 
رابعًا- "الممر الآمن" لم يكن ممرا ولا آمنا 
  يظهر التقرير الرسمي بوضوح أن عملية تخصيص وتأمين ممر آمن لخروج المعتصمين الراغبين في المغادرة الطوعية قد فشلت سواء على مستوى التخطيط أو على مستوى التطبيق العملي، رغم دراسة القائمين على الخطة للسيناريوهات المتوقعة، وأن الممر لم يكن مفتوحًا ولا آمنًا لخروج المعتصمين على مدار أغلب اليوم، على الأقل من الساعة 7:45 صباحا وحتى الثالثة مساء، وهو ما يشمل الساعات التي شهدت سقوط الغالبية الساحقة من مئات المعتصمين القتلى. 
 
يقول الملخص التنفيذي المنشور: 
 
"طوقت قوات الشرطة مكان التجمع في السادسة صباحا تقريبا، وأعلنت عن ضرورة الإخلاء والخروج من الممر الآمن في طريق النصر باتجاه المنصة والممرات الفرعية الأخرى، والتأكيد على عدم ملاحقة الخارجين من هذه الممرات". 
 
بينما انتقد التقرير النهائي غير المنشور: 
 
"عجز هيئات إنفاذ القانون عن حماية ممرات الخروج الآمن من تعمد مسلحي المتجمعين العمل على إغلاقه ومثل هذا السلوك من جانبهم كان يتعين توقعه من جانب هيئة إنفاذ القانون والعمل على وضع الخطة المضادة له مسبقا وليس وقت الفض، حتى وإن كانت هناك ممرات أخرى قد لا يعرفها البعض، لأن إقفال هذه الممرات تحت أي ظرف معناه الموت للمتظاهر السلمي الذي كان يعتقد بحسن نية أنه يقوم بعمل مشروع وهو التظاهر السلمي". 
 
وتحت عنوان "أخطاء الإدارة المصرية" أورد تقرير اللجنة: 
 
"التركيز على ممر واحد بصفة أساسية، وممرات فرعية لم يتم الإعلان عنها بمدة كافية أربك حسابات قوات الأمن والمتظاهرين، ولقد كان من الأولى وضع لوحات إرشادية ونشرها عن الممرات الآمنة الرئيسية والفرعية." 
 
ولم تقتصر المأساة على عدم تمكن المعتصمين الراغبين في المغادرة من استخدام الممر الآمن تحت نيران الرصاص الحي، بل إن اللجنة وجدت أن عدد القتلى الكبير قد نجم أيضًا عن عدم إسعاف الجرحى: 
 
"صعوبة تقديم الإسعافات اللازمة للجرحى، بسبب عدم تمكن سيارات الإسعاف من الدخول إلى الميدان إلا بعد انتهاء عملية الفض والإخلاء في الساعة السادسة مساء يوم 14 أغسطس، وقد كان يتعين على هيئات إنفاذ القانون وضح خطة بديلة حال حدوث مثل هذه الظروف الطارئة" .
 
كانت خطة الفض التي قدمتها وزارة الداخلية للجنة تتضمن "تأمين الممر الآمن لخروج المعتصمين عبر أكبر وأوسع الشوارع بالنطاق الجغرافي للتجمع وذلك بمعرفة قوات فض الشغب بالاشتراك مع أجهزة البحث الجنائي بمديرية القاهرة مع تسهيل ومساعدة خروج المتجمعين دون تعقب أمني" ورغم أن عددا من المعتصمين قد تمكن بالفعل من المغادرة في الصباح، وأن الآلاف منهم قد تمكنوا من الخروج بعد الخامسة مساء، فإن الإفادات الموثقة في تقرير اللجنة القومية ذاته تظهر تعرض مواطنين وصحفيين للقبض العشوائي أثناء أو عقب استخدامهم للمخرج الآمن الرسمي، فضلا عن تعرض بعضهم للضرب والاحتجاز من قبل سكان المنطقة ثم تسليمهم لسيارات الترحيلات، بل إن محضر تحريات قطاع الأمن الوطني نفسه الذي جرى تحريره بعد الفض وجاء فيه نصا: "أضافت المعلومات والتحريات بأنه قد أمكن تحديد بعض المتجمهرين الذين امتثلوا لتعليمات ونداءات القوات بمغادرة مكان التجمهر إلا أنهم لم يتمكنوا من المغادرة والخروج من الممر الآمن نظرًا لكثرة الأعداد وتدافع المتجمهرين". 
 
 
الحاجة للجنة تحقيق قضائية 
  في ضوء كافة الاستخلاصات والأدلة التي توصلت إليها اللجنة، وفي ضوء عدم منحها سلطة استدعاء مسؤولين في الدولة، وعدم تمكينها من الاطلاع على تحقيقات النيابة العامة في الوقائع الواردة ضمن نطاق عملها، وعدم تمكينها من الحصول على تسجيلات التصوير الجوي (رغم تأكيد الأوراق الرسمية على أن عملية الفض تم تسجيلها بالكامل عبر الطائرات)، وفي ضوء رفض قيادات وأعضاء الإخوان داخل وخارج مصر للتعاون معها، فقد انتهى تقرير اللجنة بتوصية رئيسية واحدة تلتها قائمة من عشرات التوصيات الأخرى، إلا أن كافة التوصيات الأخرى (والتي لا تزال دون تنفيذ بعد عشر سنوات) وردت في "الملخص التنفيذي" المنشور عام 2014، باستثناء هذه التوصية الرئيسية التي أدرجها أعضاء اللجنة بخط كبير وعريض وسطروا تحتها خطًا ثم سلموا التقرير لرئيس الجمهورية: 
 
"يجب إعادة فتح هذا الملف بواسطة لجنة مشكلة من قضاة تحقيق تأمر باستدعاء الشهود ممن عاصروا هذه الأحداث ومن المسؤولين، حتى يقف الجمهور على الحقيقة، وحفاظا على وحدة الوطن، وعدم تحول هذا الانقسام السياسي إلى انقسام مجتمعي ينذر بالخطر على وحدة الدولة. 
 

https://www.facebook.com/photo/?fbid=699250305562152&set=a.643680164452500