حلم الدكتور فاروق الباز الذي تحطم على يد عبدالناصر.. كيف دمر العسكر مصر؟

- ‎فيتقارير

حكاية عالم الفضاء المصري الدكتور فاروق الباز مع نظام جنرالات يوليو 1952 بزعامة الطاغية جمال عبدالناصر تدعو إلى العجب، وتكشف عن الدور الرهيب الذي يقوم به الجنرالات في تدمير مصر منذ انقلابهم الأول المشئوم على النظام الملكي. القصة يحكيها الباز بنفسه في حوار أجرته معه صحيفة "المصري اليوم" بتاريخ 16 نوفمبر 2011م، في المرحلة التي شهدت طفرة في الحريات والتعبير عن الرأي بعد الإطاحة بحكم الجنرال  حسني مبارك؛ وقبل عودة الدكتاتورية من جديد  بانقلاب "3" يوليو 2013م بزعامة الجنرال الطاغية عبدالفتاح السيسي.

يقول الباز، الذي كان يعمل في وكالة ناسا للمساعدة في التخطيط للاستكشاف الجيولوجي للقمر، إنه كان يحلم بإقامة معهد للجيولوجيا  الاقتصادية ليس له مثيل في مصر، وإنه كان يحلم بأنه سوف يأتيه طلبة من أمريكا نفسها للدراسة في هذا المعهد ويحصلوا على الدكتوراه من مصر، لكنه صدم من نظام عبدالناصر. حسب نص حواره يقول: «- عندما كنا طلبة فى الجامعة لم تكن هناك نية لدى أى منا أن نعيش خارج مصر أبداً، كل اللى كنا بنفكر فيه إن محمد على أرسل الناس زى محمد عبده وغيره عشان يدرسوا ويرجعوا يبنوا البلد، فكنا كلنا كده، كنت بحوش الفلوس عشان كل صيف ألف على كل مناجم أمريكا، وبعد الدكتوراه أتت لى فرصة أن أذهب إلى ألمانيا عامين لأزور مناجم أوروبا كلها لأبنى فى مصر معهداً للجيولوجيا الاقتصادية ليس له مثيل أبداً، وكنت أصر على هذا، حتى إننى كنت أعلم أنه سيأتينى فى يوم من الأيام طلبة من أمريكا ليدرسوا فى المعهد ويحصلوا على الدكتوراه من مصر، وجمعت ما يكفى من معلومات لأكون قادراً على هذا، وحدث هذا عام 1965، ووجدتهم فى وزارة التعليم العالى يقولون لى، إننى يجب أن أقوم بتدريس الكيمياء فى المعهد العالى للسويس، فقلت لهم كيف وأنا دارس للجيولوجيا؟ فردوا علىَّ وقالوا: يعنى مش هتعرف تفتح كتاب الكيمياء وتدرس «شابتر شابتر» للعيال، وقلت لهم لو عاوزين تعملوا كده ما تجيبوا أى حد من الشارع إشمعنى أنا، وقلت لهم مين اللى عمل كده؟  قالوا الوزير، فرديت عليهم يعنى هو الوزير هيعرفنا منين؟! إحنا لسه واخدين الدكتوراه وراجعين، وبعدها أخرج لى ورقة بها 5 أسماء، وقال لى اسمك رقم 3، ذهبت للوزارة ليشرح لى الوزير، وكان اسمه الدكتور حسين سعيد، كيف حدث هذا، وقال لى مدير مكتبه ما تجيبله كارت من أى حد، قلتله معرفش حد!

 

بيروقراطية قاتلة

يضيف الباز: «لمدة 3 شهور أذهب إلى مكتب الوزير من الساعة 9 صباحاً إلى 2.30 ظهراً كي أستطيع أن أقابله دون جدوى، وصعبت على اللى شغالين هناك بقوا يعملوا لى شاى أو يدونى سيجارة، فأنا لا أملك أى راتب، دخلى صفر، الدكتور مصطفى كمال طلبة كان مستشاراً ثقافياً فى «واشنطن»، وكان يعلمنا نحن الطلبة النشطين هناك، وبالمصادفة وجدنى فى مكتب الوزير وسألنى هل تسلمت العمل، فقلت له لا، فسألنى لماذا؟، فقلت له القصة، فقال لى اذهب وتسلم العمل وبعدها بأسبوع أنا سأجعلك تقابل الوزير، وكان لدى بنت وزوجتى حامل، ويجب أن أدبر 35 جنيهاً مصاريف ولادتها، وبالفعل ذهبت إلى السويس وتسلمت العمل!

 

كرهت نفسي وكرهت البلد!

 يتابع الباز: «قابلت على السلم زميلاً لى كان معيداً بجامعة أسيوط، وقال لى ماذا أتى بك إلى هنا؟ فقلت له إن الدكتور مصطفى كمال طلبة طلب منى أن أتسلم العمل أولاً، فقال لى إذاً ستقع فى الفخ ما دمت تسلمت العمل فيستطيعون أن يأتوا بك إلى هنا بالبوليس، فأنا حاصل على الدكتوراه فى الفيزياء النووية من روسيا، وهم يصرون على أن أقوم بتدريس الصوت والضوء، وقال لى «كرهت نفسى وكرهت البلد»، وكاد يصاب بالجنون، وبعدها عدت مرة أخرى إلى حيث تسلمت «العمل وأخذت ورقى مرة أخرى وقلت للرجل المسؤول هناك سلامو عليكو إنت لا شفتنى ولا أنا شفتك، وعدت إلى القاهرة مرة أخرى، ودخلت مكتب الدكتور طلبة، فقال لى: لماذا لم تتسلم عملك؟، فقلت له لم أت اليوم لأتحدث عن حالتى، لكنى أريد أن أتحدث عن حالة زميلى الذى حصل على دكتوراه فى الفيزياء النووية، وانتهى به الأمر أن يدرس «صوت وضوء» هنا، فقال لى حالته غير حالتك هو عاوز يتنقل من وزارة التعليم العالى للمركز القومى للبحوث، فأجبته لا أريد أن أتحدث عن حالتى من الأساس، وقلت له إما تحل له مشكلته أو أنني لن أٌكنَّ لك ذرة احترام واحدة طيلة حياتى، وتركته وذهبت.

وبسؤاله: هل حل الدكتور مصطفى طلبة المشكلة فعلا؟

أجب الباز في أسى: «زميلى توفى بعدها بعامين بسكتة قلبية بعد أن ساءت حالته جدا»!!

ولد الباز لأسرة بسيطة بقرية طوح الأقلام بمدينة السنبلاوين بمحافظة الدقهلية سنة 1938م، ثم انتقل والده إلى العيش بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، لظروف عمله، حصل على شهادة بكالوريوس (كيمياء – جيولوجيا) في عام 1958 م من جامعة عين شمس بمصر. ثم نال شهادة الماجستير في الجيولوجيا عام 1961 م من معهد المناجم وعلم الفلزات بميسوري الأمريكية. حصل على عضوية جمعية سيجما كاي (Sigma Xi) العلمية، كما نال شهادة الدكتوراه في عام 1964م وتخصص في الجيولوجيا الاقتصادية. درس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا واستكشف كثيرا من جيولوجيا الأرض وزار أغلب المناجم في الولايات المتحدة الأميركية. في عام 1964، في سن 26 عامًا، نال الباز درجة دكتور في الفلسفة في علم الجيولوجيا من جامعة ميزوري للعلوم والتكنولوجيا بعد إجراء البحوث العلمية من 1962 حتى عام 1963 في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. في عام 1978، اختير الباز كمستشار علمي للرئيس الراحل أنور السادات في مصر. كُلف الباز بانتقاء المناطق ذات الأراضي القابلة للاستصلاح في الصحراء دون تأثيرات ضارة على البيئة. ونظرًا لخدماته المميزة، منحه السادات وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى. و شغل الدكتور فاروق الباز منصب مدير مركز تطبيقات الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن في بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية. كان قبل ذلك نائبا للرئيس للعلم والتكنولوجيا في مؤسسة آيتك لأجهزة التصوير بمدينة لكسنجتون، بولاية ماساتشوستس.