يشهد السوق المصري زيادات متتالية في أسعار الأدوية، بسبب نقص المواد الخام اللازمة للإنتاج أو تكدسها بالموانئ لعدم وجود السيولة الدولارية المطلوبة للإفراج عن البضائع.
وكشف خبراء عن ارتفاع أسعار 2000 صنف دواء منذ مطلع العام الحالي 2023 بسبب نقص العملة الصعبة والحجز على شحنات الأدوية ومستلزمات صناعة الأدوية في الموانئ، مما دفع عددا من شركات الأدوية إلى تهديد حكومة الانقلاب بالتوقف عن العمل أو رفع أسعار الأدوية، لتواكب الارتفاع في سعر الدولار مقابل الجنيه .
يشار إلى أن أزمة نقص الأدوية تكررت خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع اتخاذ حكومة الانقلاب قرارات بزيادة الأسعار، والتي تضمنت رفع أسعار كل المستحضرات المسعرة بأقل من 30 جنيها بنسبة 20%، وتحريك ما يتراوح بين 10% و15% من الأدوية بنسب بين 30% و50%، ومن ثم رفع أسعار 400 صنف دواء.
كما تسبب قرار حكومة الانقلاب بتحرير سعر الصرف مقابل الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، في قفزات غير مسبوقة في أسعار الأدوية وأغلب السلع والخدمات، ما فاقم معاناة المواطنين.
عملة نادرة
في هذا السياق أكدت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن استمرار تقييد حكومة الانقلاب للواردات للحفاظ على احتياطياتها من الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، فاقم أزمة نقص المنتجات بالأسواق، بما فيها منتجات غذائية وأدوية وأجهزة إلكترونية ومنزلية وملابس.
وقالت الصحفية: إن "مصر باتت تحتاج إلى الدولار الأمريكي أكثر من أي وقت مضى، لسداد نحو 167 مليار دولار من الديون الخارجية في السنوات المقبلة، ولشراء الحبوب التي تشتد الحاجة إليها في الأسواق الدولية ودعم عملتها المتداعية".
وأشارت إلى أنه رغم أن الدولار دفع أسعار الغذاء والأدوية والطاقة إلى الارتفاع في جميع أنحاء العالم، مما تسبب في تأخير الواردات ونقصها في البلدان النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا، إلا أن الوضع بالغ الصعوبة في مصر .
وأكدت الصحيفة تضرر صناعة الحبوب في مصر بشدة، حيث لا تستطيع معظم مصانع القطاع الخاص الحصول على الدولار لشراء القمح الذي ارتفع سعره، موضحة أن التباطؤ في الواردات امتد تأثيره إلى طبقة أكثر ثراء، وجدت نفسها فجأة غير قادرة على العثور على سلع راقية مثل أدوات المطبخ الأوروبية والجبن الفرنسي والسيارات.
وقالت: إن "العملة المصرية سجلت مستوى قياسيا منخفضا أمام الدولار وهبطت 90٪ منذ بداية العام، وهي واحدة من أسوأ العملات أداء في العالم هذا العام، وأدى ضعف الجنيه إلى تفاقم التضخم وارتفاعه لأكبر معدل سنوي منذ ما يقرب من أربع سنوات".
2000 صنف
من جانبه كشف "علي عوف" رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية عن ارتفاع أسعار نحو 2000 صنف دواء في السوق المصري، بنسبة 15% منذ مطلع العام الجاري، مشيرا إلى أن زيادة أسعار الدواء ترجع إلى ارتفاع أسعار الشحن والخامات عالميا، وكذلك أسعار الكهرباء.
وقال "عوف" في تصريحات صحفية: إن "مصر تغطي احتياجاتها من الأدوية محليا بنسبة 92% بينما تستورد 8% فقط من احتياجاتها".
وأضاف، لكن مصر تستورد نحو 90% من مدخلات الأدوية المصنعة محليا من الهند والصين لانخفاض التكلفة، موضحا أن هناك 180 مصنعا تعمل في قطاع الأدوية بالبلاد، بحجم عمالة مباشرة وغير مباشرة يصل إلى نصف مليون عامل.
تعطيش السوق
واتهم "حاتم البدوي" سكرتير شعبة الصيدليات بالاتحاد العام للغرف التجارية بعض شركات الأدوية الخاصة، بـتعطيش السوق من أجل رفع أسعار أدويتها.
وكشف "البدوي" في تصريحات صحفية عن تقدم عدد من الشركات الخاصة بطلبات لوزارة صحة الانقلاب لتحريك أسعار 200 صنف دوائي بنسبة 40%.
وقال: إن "من حق أي شركة أن تتقدم بطلب لرفع أسعار بعض أصنافها، وهناك لجنة تسعير تابعة للإدارة المركزية للشؤون الصيدلية في وزارة صحة الانقلاب، هي المعنية بدراسة الطلب من حيث تكاليف الإنتاج وحاجة السوق للمنتج وهكذا".
وأشار "البدوي" إلى أن بعض الشركات قد تكون محقة في طلبها نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وأخرى قد يكون في طلبها نوع من المغالاة .
وأوضح أنه لا مانع من تحريك أسعار أدوية شركات قطاع الأعمال، من منطلق أن هناك 11 شركة تابعة للشركة القابضة للأدوية، تعاني من خسائر كبيرة نتيجة سياسات خاطئة، قد يكون بعضها متعمدا لصالح أطراف خارجية .
ولفت "البدوي" إلى أن الأمور تتجه لإعادة هيكلة هذه الشركات من منطلق أنها صمام الأمان الوحيد لسوق الدواء في مصر، مؤكدا أن هذه الارتفاعات مهما بلغت لن تؤثر بشكل ملموس على القدرة الشرائية للمستهلك، لأن معظمها زهيدة الثمن، بمعنى أن متوسط أسعار المنتج الدوائي التابع لقطاع الأعمال سيصل إلى 15 جنيها ، بعد الموافقة على رفع الأسعار.
وشدد "البدوي" على أن هذه الارتفاعات ضرورية للحفاظ على استمرار عمل هذه الشركات الوطنية التي تمثل حائط الصد للحفاظ على أمن مصر الدوائي .
هيئة الدواء
وكشف محمد فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، أنه منذ تأسيس هيئة الدواء المصرية، تحركت أسعار أعداد كبيرة من أصناف الأدوية المختلفة والتي وصلت إلى أكثر من 2500 نوع، وجاء التحريك في أسعار تلك الأصناف بناء على تقديم الشركات المنتجة تلك الأصناف دراسة تثبت أن السعر الذي يُباع به الدواء حاليا يتسبب في خسارة كبيرة للشركة في ظل ارتفاع تكاليف إنتاجه.
وقال فؤاد في تصريحات صحفية: "منذ أن عرفت مصر التسعير الجبري للدواء لم تشهد أسعار الدواء تحريكا بهذا الكم الكبير من الأصناف منذ يناير 2017 الماضي بعد أول تحرير لسعر الصرف للجنيه".
وأضاف أنه من الطبيعي أن تشهد أسعار الدواء تحريكا في ظل اعتماد صناعة الدواء على الدولار بنسبة تتعدى الـ95% لاستيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج من الخارج.
وعن جدوى تحريك الأسعار، أوضح فؤاد أن تحريك الأسعار قضى على فكرة إقامة سوق سوداء للدواء من مصادر مجهولة، من الممكن أن تعرّض المرضى للتعامل مع أصناف دواء غير صالحة للاستخدام، فضلا عن أن هناك بعض الأصناف أصبحت تباع في الصيدليات بأكثر من سعر للمواطن؛ لذا كان تحريك الأسعار ضرورة لإعادة الانضباط لسوق الدواء باعتبارها سلعة حرجة لا يمكن المساس بها.
ولفت إلى أنه رغم تحريك الأسعار، إلا أن استمرار معدلات التضخم المرتفعة وعدم ثبوت أسعار الصرف للدولار يؤدي لحدوث أزمات كبيرة في شركات إنتاج الدواء، ولعل آخرها إعلان إحدى شركات الصناعات الدوائية عزمها تسريح عدد كبير من العمالة الموجودة بها لعدم قدرة الشركة على تحمل نفقات رواتبهم .
وحذر فؤاد من أن الأدوية المستوردة من المحتمل أن تواجه أزمة نقص شديدة ، حال استمرار أزمة توفر العملة الصعبة وانخفاض وتيرة الإفراجات الجمركية الحالية التي ستعوق استيراد المواد الخام من الخارج، ورغم وضع سوق الدواء على رأس قائمة أولويات الاستيراد من قبل حكومة الانقلاب والبنك المركزي لا تزال هناك أزمة في عدد من الأصناف الطبية مثل، صمامات القلب والقساطر ودعامات القلب وأجهزة قياس السكر للأطفال، وكذا سماعات الأذن للأطفال، والكراسي الكهربائية للحالات الخاصة من الأطفال وقطع غيارها، بجانب أدوية المناعة والهرمونات وأدوية الأورام وأدوية الأمراض الوراثية كالذئبة الحمراء وضمور العضلات الشوكي ومرض الدوشين ومرض الهيموفيليا، وبعض الأدوية الخاصة بالقلب وأدوية أشعة الصبغة والأدوية المضادة لـRH بعد الولادة.