حدث كما توقعنا تماما؛ وقضت محكمة عسكرية بالسجن المؤبد على ضابط الجيش الذي دهس طبيبة صيدلانية وأسرتها فأردها قتيلة وأصاب زوجها وأبناءها الثلاثة في ثالث أيام عيد الأضحى المبارك “1444هـ).
وحسب منصة “متصدقش”، فقد «قضت محكمة عسكرية الخميس 24 أغسطس على الضابط في القوات المسلحة زياد حسام الدين، بتهمة قتل الصيدلانية بسمة علي». ومن المتوقع أن يتبع الحكم طعن من قبل محامي الضابط الذي أدين بتهمة القتل الخطأ، وهو التكييف القانوني الذي وضع خصيصا من جانب النيابة العسكرية التي تولت التحقيق في الجريمة من أجل ضمان إفلات الضابط من أي عقوبة مغلطة يستحقها؛ لا سيما وأن هناك مقاطع فيديو تكشف أن الضابط دهس الطبيبة عمدا مرتين حتى قتلت وأصيب زوجها الطبيب البيطري وأبناءها الثلاثة.
وقال نشطاء إن احتمالية الطعن في الحكم، تعني أن السجن المؤبد من الممكن أن يخفض إلى سنوات قليلة، محذرين من أن القاتل قد يكون حرا طليقا في غضون مدة وجيزة. وشكك ناشطون بعدالة القضاء المصري العسكري، قائلين إن حوادث سابقة أظهرت أن الجناة يفلتون من العقوبة. ودعا ناشطون إلى إعادة المحاكمة بحيث ينظر في أن القضية قضية قتل عمد وليست بالخطأ.
وكان الجيش قد أصدر في يوليو الماضي (2023) بيانا حول الواقعة التي حدثت بمنتجع “مدينتي” السكني. وذكر بيان القوات المسلحة، أنه “استكمالاً للإجراءات القضائية المتخذة حيال واقعة إحدى التجمعات السكنية بالقاهرة الجديدة، أفاد المدعي العام العسكري بأن النيابة العسكرية قد أنهـت التحقيقات الجارية في القضية رقم ۱۷۰ / ۲۰۲۳ “جنايات عسكرية” شرق القاهرة ضـد المتهم”. وأضاف البيان: “تمت إحالـة الـدعوى إلى المحاكمة الجنائية العاجلة أمام محكمة الجنايات العسكرية”.
ولا ننسى أن ضابط الجيش الذي دهس جيرانه في مدينتي هو برتبة نقيب لكنه يقطن في فيلا فاخرة يتراوح ثمنها السوقي ما بين 25 مليون جنيه و30 مليوناً (الدولار = 31 جنيهاً تقريباً)، على الرغم من أن راتبه في المؤسسة العسكرية لا يتعدى 20 ألف جنيه شهرياً في أفضل الأحوال (بحكم رتبته)؛ فمن أين حصل على كل هذا الثراء الفاحش رغم أن الدولة نفسها تعاني من أزمات مالية غير مسبوقة وتضخمت ديونها إلى حدود مخيفة تهدد الجيل الحالي والاجيال القادمة؟! فكيف تفتقر الدولة وتزداد طبقة الضباط (جيش ـ شرطة ـ مخابرات ـ قضاء) غنى وثراء فاحشا لا يصدق؟! إنه السعار سعار على المال والمتع وسعار في قتل الناس بلا خوف من مساءلة أو محاسبة!
ويتهم كثيرون زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي بالتسبب في كل هذه الجرائم مذكرين بالتسريب الذي بثته شبكة رصد في 3 أكتوبر 2013م، للسيسي وسط ندوة مع عدد من الضباط حيث طمأنهم بأن الضابط الذي يطلق الرصاص أو الخرطوش أو الغاز وتسبب في قتل أي مواطن أو إصابته فإن هذا الضابط لن يقدم للمحاكمة. وكثرت جرائم القتل على يد الضباط هذه الأيام؛ وهو أمر يدعو إلى الذهول والدهشة لأنه أجهزة النظام وعناصره أصيبت بالسعار على المواطنين فأي مشادة كلامية لا يتورع الضابط عن إخراج سلاحه الميري وإطلاق الرصاص على المواطنين وقتلهم عمدا مع سبق الإصرار والترصد. وهم حين يفعلون ذلك فإنهم يثقون أنهم في مأمن من أي محاكمة أو مسئولية وتحت حماية النظام نفسه.
وكانت النيابة العامة في محافظة مرسى مطروح، قد قررت السبت 15 يوليو 2023م، إخلاء سبيل ضابط الشرطة المتهم بقتل الشاب فرحات أبو الشاردة المحفوظي رمياً بالرصاص، إثر مشادة كلامية وقعت بينهما بمتجر لبيع المواد الغذائية في مدينة سيدي براني غربي المحافظة، وذلك بضمان محل عمله وإقامته. وقرر قاضي جنح مطروح تجديد حبس 8 من أهالي مدينة سيدي براني 15 يوماً احتياطياً، بتهمة إثارة الشغب والبلطجة؛ لمجرد أنهم تظاهروا احتجاجا على قتل ابن قبيلتهم على يد الضابط.
هذه الحوادث تمثل برهانا واضحا على أن ضباط الجيش والشرطة يستخفون بحياة المصريين؛ وتؤكد أن المنتسبين للمؤسسة العسكرية والأمنية (الضباط على وجه التحديد) يتعاملون مع باقي فئات الشعب بمنطق الاستعلاء؛ يستغلون مناصبهم الرفيعة في قهر المجتمع وإذلاله وهذه السلوكيات ناتجة عن التربية العنصرية التي يتلقاها الضباط في الكليات الحربية والشرطية بوصفهم سادة هذه البلاد وشعبها مجرد قطيع من العبيد الذين لا يستحقون سوى الكرباج لإجبارهم على الخضوع والإذعان.
لم يجرؤ الضباط على ارتكاب مثل هذه الجرائم الوحشية إلا لثقتهم المطلقة بأنهم مسنودون من النظام ولن يقدر عليهم أحد. فقد عاين هؤلاء الضباط بأنفسهم كيف سطا الجيش على الحكم بأدوات العنف والإرهاب والبلطجة؛ فترسخ في وجدانهم أن البلطجة هي السبيل لتحقيق أي شيء؛ فعل ضابط ذلك مع ممرضات مستشفى قويسنا في ديسمبر 2022 وبرأته المحكمة العسكرية، وفعل ذلك ضابط الجيش المجرم في حي مدينتي وجرى التحايل على الجريمة وتكييفها قانونيا بوصفها قتل خطأ رغم أنها قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، وفعل ذلك أيضا ضابط الشرطة في مدينة سيدي براني وهو الآن في منزله على ذمة المحاكمة الشكلية.
ورغم تكرار حوادث قتل الضباط للمواطنين العزل في مصر، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارات متتالية بالعفو عن ضباط في الجيش والشرطة مدانين في جرائم قتل وتعذيب، وكان آخرها العام الماضي حين أصدر قراراً بالعفو عن 13 ضابطاً وشرطياً من المدانين بقتل 3 مواطنين تعذيباً في محافظتي القاهرة وسوهاج، ضمن قرارات العفو الرئاسي التي أصدرها بمناسبة مرور 40 عاماً على ذكرى تحرير سيناء.
فلماذا يعمل النظام ووزارة الداخلية باستمرار على إفلات الضباط المتورطين في جرائم قتل وتعذيب من العقاب والمساءلة؟ ولماذا تمارس أجهزة النظام الكذب باستمرار من أجل حماية ضباطهم مهما ارتكبوا أبشع الجرائم والتهم؟ ألا يعلمون أن أساس الملك هو العدل وأن أساس العدل أن يكون الناس سواسية أمام القانون دون محاباة أو تمييز؟ فلماذا تبقى العدالة في بلادنا عوراء على الدوام تنظر بعين الرضا إلى المقربين والمحاسيب وتسمح بإفلاتهم من العقاب مهما كانت جرائمهم عظيمة بينما تتشدد على آخرين وتقضي بأشد الأحكام بطشا وظلما حتى لو كانوا أبرياء مسالمين؟!