مصر على خطاها.. الأرجنتين الدولة التي دمرها «ربا صندوق النقد»

- ‎فيتقارير

يسحب المنقلب السفيه السيسي مصر نحو ذات المستنقع الذي وقعت فيه الأرجنتين، ويمضي بها كرها على خطى الأرجنتين  التي تعاني ماليا واقتصاديا  كما تعاني مصر؛ وقبل سنوات طويلة، كانت الأرجنتين أرض الفرص الاستثمارية في العالم، ومن أكبر الاقتصادات في قارة أميركا اللاتينية، وواحدة من أبرز الدول التي راهن كثيرون على تحولها إلى دولة ذات اقتصاد واعد وقوي ومستدام، خاصة مع تحقيقها معدلات نمو حقيقية. كان مواطنو الدولة الأكثر ثراء بين الأميركيين اللاتينيين حيث متوسط دخل مرتفع ومعدلات ادخار عالية. ومع ذلك الدخل كان المواطن ينعم بالرفاهية والخدمات المتطورة في القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والصناعة. وبلغت الأرجنتين مكانة مرموقة اقتصاديا؛ حيث احتلت ذات يوم المرتبة العاشرة في قائمة أغنى الاقتصادات في العالم، بعد دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، بل كانت تسبق اقتصادات قوية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

ساعد الأرجنتين على تبوؤ هذه المكانة الاقتصادية أنها كانت من بين أكبر مصدري الأغذية في العالم، حيث تملك صناعات زراعية وحيوانية واسعة، وهذه القاعدة وفرت لأسواق الدولة الاستقرار خاصة في السلع الزراعية. وقبل الحرب العالمية الأولى (1914 ـ1918) نما الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين بمعدل 6% سنويا، وهو أسرع معدل نمو في العالم، في ذلك الوقت الذي كانت تعاني فيه اقتصادات كبرى من الركود والمخاطر الجيوسياسية. توافد المهاجرون من أوروبا وباقي قارات العالم إلى الأرجنتين بحثا عن أي فرصة عمل في الأراضي الزراعية الخصبة، حيث كان النشاط الزراعي والحيواني يقود النشاط الاقتصادي في البلاد. بل جذبت أيدي عاملة من العديد من دول العالم بما فيها الولايات المتحدة. ساعدها على ذلك ما تملكه من إمكانيات تتمثل في ثروات ضخمة من النفط والغاز وصادرات قوية وقطاع زراعي وأيد عاملة رخيصة وموقع استراتيجي وغيره.

 

بداية السقوط

يقول  الخبير  الاقتصادي مصطفى عبدالسلام: "سنة بعد أخرى تحولت الأرجنتين إلى أرض الفرص الضائعة، إلى دولة ضائعة ماليا وهشة اقتصاديا واجتماعيا، معرضة للإفلاس تخضع للدائنين الدوليين، لا استقلال لها في قرارها الاقتصادي وربما السياسي، فالدائنون هم من يفرضون شروطهم على الجميع، وإلا ترك الدولة للتعثر المالي. وسبب هذا الضياع هو الفساد والتوسع الكبير في الاقتراض الخارجي خاصة من صندوق النقد الدولي والذي اقترضت منه الأرجنتين عدة شرائح إنقاذ آخرها قرض بقيمة 44 مليار دولار تم الاتفاق عليها في إبريل الماضي، وقبلها تم الاتفاق على أكبر قرض في تاريخ المؤسسة المالية بقيمة 50 مليار دولار في منتصف عام 2018. اليوم، باتت الأرجنتين ساحة للأموال الساخنة، ومجال خصب للمضاربين المحليين والدوليين للمضاربة في عملة البيزو والتي شهدت انهيارات كبيرة ومتواصلة في السنوات الأخيرة أحدثها خفضه قيمتها اليوم الثلاثاء بنسبة 18%، دفعت بمعدل غلاء الأسعار لمستويات قياسية، حيث يتجاوز معدل التضخم حاليا 118%. ساعد في تعمق ذلك الوضع المالي المزري معاناة البلاد المستمرة من فاتورة ضخمة لأعباء الديون، وشح مزمن في العملات الأجنبية لا سيما الدولار، والانقلابات العسكرية".

 

بيع أصول الدولة

بدأت حكومة الأرجنتين في بيع أصولها الاستراتيجية لسداد أعباء الديون الخارجية، ورغم ذلك تعرضت الدولة للإفلاس عدة مرات، وأفلتت منه بأعجوبة قبل أسابيع، وقبلها باعت 40% من الشركات المملوكة للدولة و90% من البنوك. ورغم حصولها على إيرادات ضخمة من عملية بيع أصول الدولة كما يفعل السيسي في مصر حاليا، فاقت 49 مليار دولار، لكن تلك الأموال لم تنفق على المواطن والخدمات، بل على سداد أعباء الديون، وبالتالي ذهبت للمستثمرين الأجانب وحائزي السندات الدولية والمضاربين وأصحاب الأموال الساخنة.

تحولت الأرجنتين إلى دولة مدمنة للاقتراض، فهي أكبر مقترض في تاريخ صندوق النقد الدولي، ونموذج صارخ للدول التي تعتمد على الخارج في الحصول على نقد أجنبي، دولة أصابها التدمير الكلي سواء للاقتصاد أو المواطن أو الأسواق بمساعدة الدائنين.

الأرجنتين غرقت في الديون، بمساعدة صندوق النقد الدولي الذي اعترف في نهاية يوليو 2004، بأن أخطاءه ساعدت في غرق الدولة وإفلاسها خلال أزمة العملة التي شلت اقتصاد البلاد قبل سنوات، وأنه يعتذر عن عدم منعه الحكومة الأرجنتينية من اتباع سياسات اقتصادية سيئة. لكن بماذا يجدي الندم وسط سقوط دولة كان العالم يراهن على انضمامها لأضخم اقتصادات العالم، فإذا بها تحتل مرتبة أسوأ اقتصاد.

العجيب أن صندوق النقد الذي أبدى أسفه على تورطه في إفلاس الأرجنتين يجبر كل حكومات الدول الفقيرة على تنفيذ نفس الروشتة ونفس الدواء القاتل كما يحدث في مصر حاليا!

 

محطات تاريخية في تجربة الأرجنتين

1956 – أصبحت الأرجنتين عضوا في صندوق النقد، لكن طلبها للحصول على مساعدة مالية فورية رُفض. ووقعت أول صفقة احتياطية بعد ذلك بعامين.

1976 – أدى انقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية إلى تثبيت ديكتاتورية عسكرية ووصل الدين الخارجي للبلاد إلى 46 مليار دولار.

1982 – مع عودة البلاد إلى الديمقراطية، انضمت الأرجنتين إلى 26 دولة أخرى، بما في ذلك 16 دولة في أميركا اللاتينية، لإعادة جدولة ديونها مع المصارف الخاصة.

1992 – وقعت الأرجنتين أول برنامج تسهيل تمويل ممتد مع صندوق النقد بعد إدخال نظام العملة الذي يربط البيزو الأرجنتيني بالدولار الأميركي.

1998 ـ 2002: الكساد الكبير يضرب الأرجنتين، واندلاع احتجاجات واسعة بسبب  الغلاء وحصار البرلمان ومقتل وإصابة المئات على يد الشرطة؛  وفي مساء  20 ديسمبر2001 ، استقال الرئيس دي لا روا، وفرّ من القصر الرئاسي بهليكوبتر. واستمر خلفه أدولفو رودريغيز سا أسبوعاً فقط في السلطة، لكن كان لديه الوقت لإصدار أكبر تخلّف عن السداد في التاريخ: 100 مليار دولار. شاهد العديد من الأرجنتينيين مدخراتهم تتبخّر.

2005 – سددت الحكومة المنتخبة ذات الميول اليسارية البعيدة عن تأثير واشنطن جميع ديونها البالغة 9.8 مليارات دولار للصندوق دفعة واحدة، حتى تتمكن من قطع العلاقات معه.

2018 – حصلت البلاد على أكبر خطة إنقاذ في تاريخ صندوق النقد بقيمة 57 مليار دولار. لكن الاتفاق انهار بعدما أدت المساعدة إلى تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج.

وحاليا، يعاني الأرجنتينيون واحدة من أعلى نسب التضخم في العالم، الذي بلغ في إبريل 2023 الماضي 108.8% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى له خلال أكثر من ثلاثة عقود، وفق معهد الإحصاء الوطني (أنديك). وفي عام 2022، وصل التضخم إلى 94,8%، وهو أعلى رقم سنوي في البلاد منذ عام 1991 عندما تجاوز 171%. وهي نسب قريبة للغاية من نسب التضخم الحقيقية  في مصر بعيدا عن النسب المفبركة التي تعلنها أجهزة السيسي. علاوة على معركتها مع التضخم، تتعامل الأرجنتين أيضًا مع انخفاض قوي في قيمة عملتها قبل أشهر فقط من الانتخابات العامة، حيث استقر البيزو في مايو 2023م عند 238,5 للدولار بالسعر الرسمي الجمعة، لكنه بلغ 474 في السوق السوداء الموازية.