البيان الذي أصدرته وزارة الري والموارد المائية الإثنين 28 أغسطس 2023م يؤكد فشل جولة المفاوضات مع إثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة؛ حيث قالت الوزارة عقب ختام جولة التفاوض إن “جولة التفاوض المنتهية بالقاهرة، لم تشهد تغيرات ملموسة في مواقف الجانب الإثيوبي”. هذا الفشل كان متوقعا لكن السيسي يستهدف ببدء المفاوضات في هذا التوقيت وقبل مسرحية الرئاسة المرتقبة في ديسمبر 2023م من أجل إقناع قطاعات شعبية بأنه قادر على حل المشكلة المستعصية في ظل تعنت واستعلاء إثيوبي وعجز مصري كامل عن حماية الأمن القومي.
وانتهت مساء الإثنين فعاليات الاجتماع الوزاري الثلاثي الذي استضافته القاهرة يومي 27 و28 أغسطس بشأن مفاوضات سد النهضة، والذي عقد بمشاركة وفود التفاوض من مصر والسودان وإثيوبيا، بهدف الوصول إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة. وجاءت جولة التفاوض بعد أكثر من عامين على جمود عملية التفاوض منذ إبريل 2021م.
وقال رئيس وفد التفاوض الإثيوبي، سيلشي بقلي، إن بلاده “لها الحق في الاستفادة من مياه نهر النيل لتلبية احتياجات الحاضر وأجيال المستقبل، مع الالتزام الصارم بالاستخدام العادل والمنصف لمياه نهر النيل”. وأضاف أن إثيوبيا “تسعى جاهدة للتوصل إلى حل ودي من خلال المفاوضات”. وأضاف المسؤول الإثيوبي أن المفاوضات الثلاثية “ستعزز التعاون بين إثيوبيا ومصر والسودان”، مذكراً بـ”الفوائد الهائلة التي ستجنيها مصر والسودان من سد النهضة”.
ومنذ منتصف يوليو الماضي “2023”، بدأت أديس أبابا الملء الرابع لسدها، في حين شدد وزير الموارد المائية والري بحكومة الانقلاب، هاني سويلم، في بداية المفاوضات «على أهمية التوقف عن أية خطوات أحادية… وأن استمرار ملء وتشغيل السد في غياب اتفاق يُعد انتهاكاً لاتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015»، بحسب بيان الوزارة الذي أشار إلى وجود حلول فنية وقانونية عديدة تُلبي مصالح الدول الثلاث، وتساعد في التوصل للاتفاق المنشود دون التطرق لتفاصيل تلك الحلول. ويرى أستاذ الموارد المائية، نادر نور الدين، أن جولة التفاوض الأخيرة بالقاهرة لم تتطرق للملء الحالي للسد، بل ستشمل «الملء الخامس»، وحتمية إخطار القاهرة من قِبل أديس أبابا بحجم الملء السنوي، مع التعهد بتشغيل كل توربينات السد حتى تحصل مصر على حصتها المعتادة من المياه.
ويرى خبير السدود محمد حافظ في تصريحات صحيفة أنه في ظل ورطة السيسي الاقتصادية ومحاولته إثبات أنه قادر على حلها، هناك احتمال كبير جدا أن توقع إثيوبيا على اتفاق ملزم مع الدولة المصرية قريباً جداً وقبل انتخابات الرئاسة في مصر، يوافق فيه السيسي على حصة إثيوبيا، وهي أكبر من 9 مليارات وأقل من 16 مليار متر مكعب.
لغز الحل الوسط
العودة للمفاوضات في هذا التوقيت يرتبط ارتباطا وثيقا بملف مسرحية الانتخابات الرئاسية التي شرع النظام في ترتيب أوراقها بحيث تنتهي في ديسمبر 2023م، والهدف هو تعزيز شكلي لموقف السيسي بوصفه قادرا على التوصل إلى حل للمشكلة. وكان السيسي قد أشار إلى ما أسماها بـ«حلول وسط للأزمة» في مؤتمر صحفي مشترك خلال استقباله الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني، الذي زار القاهرة الأحد 04 يونيو 2023م. وتحدث السيسي عما أسماه «حلول وسط للأزمة».
وثار خلاف بين الخبراء والمختصين حول مغزى ومعنى تصريح السيسي حول ما أسماها بـ«حلول وسط»، ويرى أستاذ هندسة السدود المصري محمد حافظ، أن “حديث السيسي تضمن أمرين في آن واحد، وهما الحل الوسط والاتفاق الملزم، ويجب معرفة العلاقة بين الاثنين، لأنه حتى هذه اللحظة لم يظهر بالإعلام المصري أي تفسير لما يقصده السيسي بالمصطلح الجديد في الخطاب السياسي بشأن سد النهضة وهو الحل الوسط، بالإضافة إلى عدم معرفة الشعب المصري ماذا يقصد بمصطلح ملزم”. وأوضح حافظ أن “تلك المصطلحات لا بد أن تقيّم رقمياً، فعلى سبيل المثال لا بد من معرفة كم ستكون حصة الدولة المصرية من النيل الأزرق في حال قبول إثيوبيا بالحل الوسط”، وتابع: “وفق اتفاقية 1959، فإن ما تحصل عليه مصر من تدفقات النيل الأزرق سنوياً يعادل في المتوسط 40 مليار متر مكعب، بينما يحصل السودان على ما تبقّى من التدفقات أي 8.5 مليارات متر مكعب، وذلك على حساب المتوسط السنوي لتدفقات النيل الأزرق والتي تعادل 48.5 مليار متر مكعب سنوياً”. وأشار إلى “رفض إثيوبيا المستمر الاعتراف باتفاقية 1959”.
تسليع المياه
من جانبه، يفكك الباحث المصري في مجال البيئة والتنمية، منسق منتدى “الحق في المياه بالمنطقة العربية” عبد المولى إسماعيل، الموقف الإثيوبي المتعنت والرافض للتوصل إلى أي حلول؛ موضحا أن “الهدف الرئيس من فكرة سدود المياه بشكل عام هي تسليع المياه، لأن معدلات الربح بدأت تنقص بشكل كبير في القطاعات الصناعية الأخرى، على الصعيد الدولي والعالمي، ولذلك لم يعد أمام الشركات الكبرى سوى الاستحواذ على الموارد الطبيعية وإدخالها ضمن الأسواق التبادلية، بمعنى إخضاعها لأسواق العرض والطلب”. وراح يشرح ذلك موضحا أن «هناك ما يُسمى بكفاءة السد في ما يتعلق بتوليد الطاقة الكهربائية، بمعنى أنه يمكن أن تكون سعة الخزان 11 مليار متر مكعب، وتولد الطاقة الكهربائية المطلوبة نفسها، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه لماذا تتم زيادة السعة التخزينية للسد إلى 74 مليار متر مكعب؟”. واعتبر أن “هذا الأمر مرتبط بتسليع المياه وخلق أسواق للتجارة في المياه، وهذا ما سيحدث، ويفسر مماطلة إثيوبيا في إقرار اتفاق قانوني ملزم في هذا الأمر”، متابعاً “أصبحنا أمام أمر واقع، فإثيوبيا لن توقّع على أي اتفاقيات ملزمة إلا بعد إعادة النظر في الحصص المائية ككل، بمعنى تخفيض الحصة المصرية من المياه إلى ما دون 55 مليار متر مكعب”!.
تفويت فرصة الخيار العسكري
وكان موقع «مدى مصر» في تقرير له تحت عنوان «إثيوبيا تعلن اكتمال الملء الثالث لسد النهضة.. ومصدر: استمرار الملء يفوت فرصة الخيار العسكري على مصر» والمنشور بتاريخ السبت 13 أغسطس 2022م نقلا عن مصدر قريب م المفاوضات أن إصرار إثيوبيا على استكمال ملء السد يصعب الخيار العسكري أمام النظام المصري، إذا توافرت الإمكانيات الفنية واللوجستية لتنفيذه، موضحا أن السلطات المصرية كانت أقرب لاستخدام الخيار العسكري في”2021″، وتحركت قوات عسكرية بالفعل إلى مناطق قريبة من السد، غير أن مصر تلقت تهديدات من قوى غربية باستهداف أي قوة عسكرية قبل توجيه أي ضربة لسد النهضة.
وفي أعقاب الملء الثالث في 2022م، بات السد يتمتع فعليا بحماية دولية رغم أنه إنشاء مخالف للقانون الدولي للأنهار لولا الدكتاتور عبدالفتاح السيسي الذي منح السد شرعية قانونية بالتوقيع على اتفاق المبادئ في الخرطوم في مارس 2015م. وتعتبر الكمية الكبيرة من المياه التي تمكنت إثيوبيا من تخزينها أمام السد مهمة للغاية لأنها وفرت فعليا الحماية الذاتية للسد ضد أي هجوم عسكري محتمل من جانب دولتي المصب مصر والسودان؛ لأن حجم المخاطر المترتبة على ضرب السد باتت مدمرة على الدولتين؛ وبالتالي تقلصت الخيارات فعليا أمام الدولتين في ظل الفشل والفوضى في إدارة الملف من البداية؛ والتعامل مع ملف المياه باستخفاف واستهتار كما فعل السيسي عندما طلب من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن يقسم بعدم الإضرار بمصر. وعندما اعلن من أديس أبابا عدم وجود مشكلة من الأساس متسائلا: «مين قال إن فيه مشكلة من الأساس؟»!