“حرب أكتوبر».. النصر العظيم الذي حولته السياسية إلى هزيمة

- ‎فيتقارير

لا ينكر أحد أن الجيش المصري حقق انتصار عسكريا عظيما في بدايات حرب أكتوبر 1973م العاشر من رمضان 1393هـ، فالتخطيط كان ممتازا والتنفيذ كان شجاعا، والحالة المعنوية كانت في عنان السماء؛ مع ملايين الدعوات التي تنطلق من قلوب الصائمين والصائمات من آباء وأمهات وزوجات وأخوات الجنود البسطاء في كل مساجد مصر شمالا وجنوبا، في شهر رمضان الكريم.

كان العبور عظيما وجريئا زلزل كيان الاحتلال، كما تؤكد ذلك الوثائق التي كشفت عنها حكومة الاحتلال بمناسبة مرور خمسين سنة على الحرب، تمكن جنودنا البواسل من تحطيم خط بارليف، وإسقاط أسطورة الجيش الذي لا يقهر في ساعات من يوم  السبت السادس من أكتوبر 1973م، وكان هتاف “الله أكبر” عظيما ومزلزلا ، وصداه ملأ الأفق بأسره فكانت تردده ألسنة الجنود؛ فتردد السماء والأرض هتافهم؛ فكأن الكون كله يردد النداء العظيم “الله أكبر”؛ وكان لذلك وقع عظيم على معنويات العدو التي انهارت، وتفوقهم الذي تلاشى، واستكبارهم الذي تمرغ في الرمال.

هل ينكر أحد ذلك؟ بالطبع لا.

ولكن هل استمرت هذه الحالة طول الحرب؟ للأسف، لا.  فما التحول الذي جرى؟

في السادس من أكتوبر1973، بدأت مصر وسوريا هجوما مفاجئا وجريئا على إسرائيل لاسترداد الأراضي المحتلة في حرب ضارية استمرت نحو 3 أسابيع. وفي ليل 16 أكتوبر1973، قام الجيش الإسرائيلي بهجوم مضاد، وحاصر الجيش المصري الثالث غرب قناة السويس، في معركة “الثغرة” الشهيرة الواقعة بمنطقة الدفرسوار غرب قناة السويس. كانت “الثغرة” سببا في خلاف شهير بين السادات ورئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي، وهو الخلاف الذي انتهى بإقالة الشاذلي، وتعيين الجمسي بدلا منه. وفي مذكراته، نفى الجمسي رواية ذكرها السادات في كتابه “البحث عن الذات” بأن الشاذلي عاد منهارا من الجبهة يوم 19 أكتوبر 1973. وفي 24 أكتوبر من عام الحرب، فُرض وقف إطلاق النار بين الجانبين، وبدأت المحادثات تحت رعاية الأمم المتحدة بعدها بأيام.

بمعنى أوضح فإن فرقة إسرائيلية تمكنت من عبور القناة كما عبرنا، وتمكنوا من حصار الجيش الثالث الميداني في السويس، ولولا بسالة  المقاومة الشعبية بقيادة الراحل الشيخ حافظ سلامة، لاحتل الصهاينة مدينة السويس كلها، بل اتجهت قوة إسرائيلية نحو القاهرة؛ ولذلك تمت مفاوضات وقف إطلاق النار برعاية أمريكية في الكيلو “101” من طريق القاهرة السويس!

 

مباحثات الكيلو 101

قاد الجمسي مباحثات الكيلو 101 (على طريق السويس القاهرة) مع الجانب الإسرائيلي، التي أسفرت عن توقيع اتفاقيتي فك الاشتباك الأولى والثانية، اللتين استردت مصر بموجبها حقول بترول في شبه جزيرة سيناء. وفي خيمة عسكرية، اتفق الجانبان على قبول منطقة عازلة تابعة للأمم المتحدة، وتبادل الأسرى، ورفع الحصار المفروض على الشحن الإسرائيلي. كانت المفاوضات تتطلب تنازلات مؤلمة، فحين طلب السادات من الجمسي قبول تخفيض القوات المصرية في سيناء إلى 30 دبابة فقط، رد الجنرال “مستحيل.. ذلك يضر بالأمن القومي المصري”، لكنه في النهاية رضخ لأمر السادات.

مطلع 1974، قام وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر برحلات مكوكية بين مصر وإسرائيل، مهدت إلى توقيع الجمسي ونظيره الإسرائيلي ديفيد إليعازر اتفاقية كانت الأولى من نوعها بشأن سيناء. ويضيف الجمسي أنه “كانت هناك الكثير من الاختلافات في الرأي بيني وبين الرئيس السادات في مرحلة السلام مع العدو الإسرائيلي، ولكن في النهاية كان له الأمر في النواحي السياسية والعسكرية”.

وفي 18 و19 يناير1977، وقعت بمصر احتجاجات شعبية حاشدة بعد إعلان إلغاء الدعم عن بعض السلع الأساسية، لم تقدر وزارة الداخلية على السيطرة عليها. آنذاك، طلب رئيس الحكومة ممدوح سالم من المشير الجمسي نزول الجيش للشارع والسيطرة على المظاهرات، لكن الأخير رفض وقال إنه “لا يستطيع لأن الأمر يصدر من الرئيس”. في تصريح تلفزيوني، نفى الجمسي أن تكون المظاهرات التي عرفت بـ”انتفاضة الخبز” مؤامرة خارجية ضد نظام السادات، مؤكدًا أنها “انتفاضة شعبية” وليست “ثورة حرامية” كما قال عنها السادات. وعندما تلقى الجمسي أمر الرئيس نزلت القوات إلى الشارع، مؤكدا أنه أصدر تعليمات بعدم استخدام القوة أو الاحتكاك مع الشعب.

 

كامب ديفيد

وفي 1977 زار السادات الكنيست الإسرائيلي، وألقى خطابه الشهير هناك والذي اعترف فيه بإسرائيل، وفي سبتمبر 1978، جرت مفاوضات كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر. وفي مارس 1979م تم توقيع اتفاقية “السلام” بين الجانبين. والتي جعلت سيناء منطقة عازلة لا وجود حقيقا فيها للجيش المصري. بما ينتهك معنى السيادة وفق معناها السياسي والقانوني. فسيادة مصر على سيناء بعد الاتفاق باتت سيادة منقوصة. تشاركها فيها حكومة الاحتلال.

ويتساءل خبراء ومراقبون:  هل أضاع الرئيس الراحل محمد أنور السادات، إنجاز الجيش المصري الكبير في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وسقط في لعبة السياسة الدولية خصوصاً الأميركية، بدءاً من مفاوضات الكيلو 101 وصولاً إلى معاهدة السلام في كامب ديفيد 1979؟

الثابت تاريخياً أن القوات المسلحة المصرية، أحدثت في بداية حرب أكتوبر إنجازاً كبيراً وحققت التوازن على الجبهة، لكن الأمر تغيّر بعد ذلك، عند حدوث ثغرة الدفرسوار وما تبعها من أحداث وصلت إلى إقصاء رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق سعد الدين الشاذلي، واللواء عبد المنعم واصل من مهامهما، وقبول السادات على عجل اقتراحاً إسرائيلياً، عن طريق وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، بالبدء فوراً في محادثات مباشرة عسكرية على الكيلو 101 من طريق السويس، وهو ما شكّل صدمة بين بعض القادة في القوات المسلحة، وفي الوطن العربي بشكل عام.

في كتابه “المعارك الحربية على الجبهة”، خصص اللواء جمال حماد الفصل العاشر ليروي قصة الخلاف الشهير بين الرئيس الراحل أنور السادات والفريق سعد الشاذلي، خلال الأيام الأخيرة من حرب أكتوبر، وهي مسألة ذائعة الصيت، ويدور بشأنها لغط كبير حتى اليوم. قال حماد إنه “كان للأزمة العنيفة التي نشبت بين الرئيس السادات والفريق الشاذلي في المرحلة الأخيرة من حرب أكتوبر، التي انتهت بإقالة الشاذلي من منصبه رسمياً كرئيس للأركان، مساء يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 1973، بعد حوالي ستة أسابيع من انتهاء العمليات الحربية وسريان وقف إطلاق النار، وقع بالغ الأثر سواء داخل مصر أو في الخارج”. ولفت إلى أن “ما زاد من حدة الموقف أن كلاً من الرئيس السادات في كتابه (البحث عن الذات)، والفريق الشاذلي في مذكراته عن حرب أكتوبر، قد وجّه للآخر سيلاً من الانتقادات اللاذعة والاتهامات الخطيرة بصورة لم يسبق لها مثيل، وهو الأمر الذي أثار ضجة كبرى وبلبلة شديدة في نفوس الناس، وجعلهم في حيرة بسبب هذا التراشق الحاد بالتهم بين رجلين يُعدان من أبرز الشخصيات التي أدت دوراً حيوياً في حرب أكتوبر”.

 

هل كان السادات عميلا؟

في مذكراته يتهم الضابط حسين الشافعي، نائب رئيس الجمهورية في عهد عبدالناصر، الرئيس السادات بأنه “كان عميلاً للمخابرات الأميركية”. وذكر أن السفير الأميركي السابق في القاهرة هيرمان إيلتس، قال له في أثناء زيارة إلى الولايات المتحدة عام 1992، إن “القيادة المصرية عميلة لإسرائيل وأميركا، والجيش المصري تم التنكيل به”.

ويرى  السفير عبدالله الأشعل، المساعد السابق لوزير الخارجية، ، الذي حضر توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979م، أن الجيش المصري كان ضحية القيادات السياسية والعسكرية الفاسدة في 1967، ولذلك لم يُهزم الجيش وإنما انهزمت العقلية الحاكمة في ذلك الوقت وهي القيادة فقط. لكن مصر لم تنحسر، وكانت كلها قوة”. وتابع: “أما بالنسبة لعام 1973، فإسرائيل تقول إنها أملت شروطها في اتفاقية السلام، وذلك أكبر دليل على هزيمة مصر في أكتوبر، ويقولون أيضاً إنه في أول 6 أيام من الحرب وبفعل الصدمة واختراق بارليف، كان نصراً لمصر، ولكن بعد ذلك استجمعت إسرائيل قواها، وألحقت خسائر في الجيش المصري، وحدثت ثغرة الدفرسوار، وحصار الجيش الثالث الميداني”. وتابع: “الحقيقة لولا توقيع رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة المصرية المشير محمد عبد الغني الجمسي اتفاقية الكيلو 101 على طريق الإسماعيلية السويس، لكان الجيش المصري الثالث قد ألحقت به خسائر كبيرة”.

وينتهي الأشعل  إلى أن “الجيش المصري انتصر في 1973، نظرياً وميدانياً، وما حدث كان نصراً معنوياً وهزيمة لعقدة الجيش الاسرائيلي بأنه “جيش لا يهزم ولا يقهر”، وهناك بطولات كثيرة جداً في الحرب، لكن السادات بسبب خضوعه لإسرائيل وتقاربه معها قبل أن يوقع اتفاق السلام، كان أخطر شيء”. وأضاف الأشعل: “وأنا أبحث في أوراق كامب ديفيد، وجدت تعهداً من جانب الرئيس الأميركي جيمي كارتر، لرئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت مناحيم بيجن، يقول له فيه: وعدت السادات بأنك ستنسحب من سيناء، وإذا جاءت حكومة مصرية لا نرضى عنها وتكره إسرائيل، ستحتل سيناء مرة أخرى”.

وفي لقاء تلفزيوني، اتهم المشير محمد عبدالغني الجمسي الرئيس الأسبق أنور السادات بإفشاء أسرار عسكرية أثنا حرب العاشر من رمضان 1393م، حين أرسل في اليوم الثاني من بدء معارك حرب 1973 برقية إلى وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، أبلغه فيها أن مصر “لا تعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة”. ويرى الجمسي

أن تلك الرسالة ما كان يجب أن ترسل من رئيس الجمهورية، قائلا إنها “إفشاء لأسرار عسكرية للعدو”. فالجمسي كمعظم قيادات المؤسسة العسكرية المصرية حينها كانوا يرون الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في خندق واحد، وصهيونية كسينجر كانت معروفة للجميع؛ معنى ذلك أن هذه الرسالة وصلت حتما إلى قيادات جيش الاحتلال.

وأبدى الجمسي انزعاجه من مراسلات السادات وكيسنجر عبر مستشار السادات للأمن القومي حافظ إسماعيل، مؤكدا أنه لم يطلع على تلك المراسلات ولم يرها إلا بعد انتهاء الحرب. وعزز الجمسي رأيه باتهام السادات بإفشاء أسرار عسكرية بالقول إن معركة الدفرسوار (الثغرة) حدثت لأن كيسنجر أبلغ القادة الإسرائيليين بضرورة فعل شيء على الأرض قبل قرار وقف القتال، ليكون وسيلة ضغط سياسية على مصر. ونقلت تقارير صحفية عن مذكرات كيسنجر “الأزمة.. تشريح لأزمتين كبيرتين في السياسة الخارجية”، قول الوزير الأميركي إنه “نقل لسفير إسرائيل لدى واشنطن نص برقية السادات بعدم توسيع مدى المواجهة، وكانت تلك خدمة جليلة لإسرائيل أوقات حرب عصيبة”.

لكن في المقابل، قال حافظ إسماعيل (مستشار السادات) إن “مضمون البرقية كان يمثل نقطة انطلاق لوقف إطلاق النار، فقد كنا نأمل من خلال المعركة التوصل إلى صياغة سياسية مرضية، عجزنا طيلة 6 أعوام عن تحقيقها”. وفي كتابه “أمن مصر القومي في عصر التحديات”، أضاف إسماعيل “ومع ذلك فقد التزمنا بإدارة عملياتنا العسكرية”، مشيرا إلى أن بلاده كانت قادرة على التدخل ضد المصالح الغربية في المنطقة سواء بمعاونة الحكومات العربية أو شعوبها.