دوافع إطلاق المقاومة الفلسطينية “طوفان الأقصى”

- ‎فيتقارير

 


مع جلسات التقييم  اليومية التي  تعقدها أعلى القيادات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، يتضح حجم العملية النوعية “طوفان الاقصى”  التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية وحركة حماس، إذ مثلت العملية صدمة كبيرة للصهاينة، بما تضمنته من جرأة كبيرة وتخطيط محكم ، وهزيمة نفسية للجند الصهاينة، الذي لم يتعودوا على مواجهات مباشرة على الأرض، بجانب تناغم جميع القوى العسكرية للمقاومة ، وتنسيقها الشديد بين جميع الأسلحة الجوية والبرية والبحرية في وقت واحد، إلى جانب النجاح الاستخباري الكبير للمقاومة الفلسطينية، التي نجحت في التعمية التامة على إسرائيل، والتكتم التام على العملية

ولكن  لماذا العملية، وسر توقيتها وأهدافها؟

 

 

ووفق ما أعلنه قائد كتائب عز الدين القسّام، محمد الضيف، فإن العملية انطلقت من أجل وضع حد لتمادي دولة الاحتلال في أشكال العدوان والجرائم، على المقدسات، وفي مقدمها المسجد الأقصى، والعدوان على الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلى درجة إطلاق العنان للمستوطنين، واستباحة الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، ومصادرة الأراضي، مع ممارسة أساليب القهر والإذلال على الأسرى الفلسطينيين.  

وقد تذهب بعض الاحتمالات إلى الرغبة في إفشال مساعي التطبيع مع السعودية، وغيرها من الدول العربية، أو الإسلامية، وما قد يعنيه ذلك من تجاوُز القضية الفلسطينية، وفرْض الرؤية الصهيونية، من طرف واحد، بالغ التطرف والغطرسة، وقد يستشف بعضهم في هذه الجرعة المكثفة من الضربات الصميمية محركا توجيهيا نحو تطويع التعنت الصهيوني، على المستويين؛ القيادي والشعبي، بضرورة تقديم تنازلات يرونها مؤلمة، ذلك بعد أن روج رئيس حكومة بنيامين نتنياهو وغيره، إمكانية اعتماد معادلة السلام مقابل السلام، أو تقديم مغريات تكتيكية، أو تسهيلات للفلسطينيين، أو في أحسن الأحوال ما يُعرف بـالسلام الاقتصادي، وهو ما أفضى، في المجمل، إلى تهميش الشأن الفلسطيني، في انتخابات الكنيست، أو ما تُسمى عملية السلام، أن تؤثر في اختيارات الناخبين.

والرسالة من وراء هذا الدرس المؤثر بل المؤلم؛ أنه لا يمكنكم الاستمرار في هذا الاحتلال، على هذا المدى المفتوح، ثم انتظار إسدال الستار على هذا الصراع نهائيا، من الدول العربية، وفي مقدمها السعودية، فمثل هذه التسويات التعسفية لا تحمل أي معقولية تكفل لها الوقوف على رجليها.

 

وفي الواقع، كانت المخططات الصهيونية القاضية بفرض السيادة على المسجد الأقصى؛ أو العمل على تهميش الوجود الفلسطيني الإسلامي، قد وصلت إلى منعطف متقدِّم وخطير إذ زادت أعداد المقتحمين له من اليهود المتطرفين الذين يعلنون نيّاتهم وأهدافهم؛ في إحلال هيكلهم مكان المسجد الأقصى وطالب وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بإجراء تغييرات جوهرية في نظام العمل في حرم المسجد الأقصى وإتاحة المجال للمصلين اليهود على مدار الساعة بلا قيود، أو تقاسم زمني مع المصلين المسلمين، وبعَث رسالة إلى نواب الائتلاف، يخبرهم فيها بأنه مصمم على المُضي في الطريق إلى الجبل (الأقصى).

وإن كان نتنياهو لم يستجب، بعد، لذاك المطلب، إلا أن الاتجاه العام يسير إلى إرضاء بن غفير، ومن يمثل من أحزاب ومنظمات وزعماء دينيين، إما لانتفاء التعارض الأيديولوجي العميق أو لأن حاجة نتنياهو إلى استرضائه ضرورة لبقائه السياسي، واستننقاذ نفسه من القضاء الذي يلاحقه، ويهدّد مستقبله السياسي.

 

 

وعلى صعيد الممارسة الفعلية، بلغت انتهاكات المستوطنين المتطرفين مرحلة متقدمة؛ ففي الأعياد اليهودية الأخيرة، جرى، وفق مصادر في الأوقاف الإسلامية، اعتداء خطير، وتصعيد في العدوان على المسجد الأقصى، من المستوطنين الذين أدوا خلال اقتحاماتهم ما يُعرف بصلاة السجود الملحمي،  ومما أنذر بخطورة بالغة ووشيكة تورط حكومة الاحتلال المباشر في مخططات استهداف المسجد الأقصى، فقد كشفت قناة “12” النقاب أن وزارات في حكومة نتنياهو منخرطة في مساعدة حركات الهيكل على تحقيق مخططها، القاضي ببناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، وذكرت صحيفة معاريف أن وزارة التراث التي يقودها الوزير عميحاي إلياهو، الذي ينتمي إلى حركة القوة اليهودية التي يتزعمها بن غفير، لعبت دورا في استيراد أربع بقرات حمراء، من ولاية تكساس الأميركية، بغرض اختبارها، ومعرفة ما إذا كانت تصلح للاستخدام في تطهير المسجد الأقصى، قبل بناء الهيكل على أنقاضه.

وحسب التحقيق، تدل المشاركة الفاعلة لحكومة نتنياهو في تمويل المشروع وتنفيذه على أنه مشروع دولة إسرائيل، وليس مشروع هذه الحركة أو تلك.

وتعكس كل هذه المؤشرات تقديرا رسميا مستهينا بالموانع أو العوائق الفلسطينية أو غيرها، ويغري هذا التقدير بالاستعجال، في هذه المخططات، استغلالا للفرصة السانحة، واستثمارا لما يراه نتنياهو نجاحات تطبيعية تُحيد الدول العربية المطبعة، أو السائرة نحو التطبيع، من دون حل القضية الفلسطينية، ومن دون حتى تقديم أي ضمانات تفضي، لا إلى استرداد المسجد الأقصى والسيادة عليه، بل ضمانات للحفاظ على الوضع القائم للمسجد الأقصى، وكان قادة حركة حماس أكدوا، في مناسبات متكررة، أن المسجد الأقصى خط أحمر، وأن المساس به سيفتح باب الصراع، على آخره، وهذا التشديد على الأقصى نابع من عقيدة حماس الدينية، كما أنه ناشئ عن إدراكها بوصفها حركة سياسية وطنية، تهمها جدا ثقة الشعب الفلسطيني الأهميةَ القصوى التي يكنها هذا الشعب للمسجد المبارك، من منطلقات دينية، ومن منطلقات وطنية، سيادية، تقديرا بالغا، وإستراتيجيا؛ الأمر الذي تنسجم معه تقديرات مراقبين إسرائيليين، ذهبت إلى أن تأجيج الصراع حول القدس وداخلها يمثل تهديدا وجوديا لإسرائيل.

علاوة على سلسلة الإهانات والاستفزاز، كما في انتهاك جنود الاحتلال المسجد الأقصى القِبْلي، بأحذيتهم، وتكسير زجاج نوافذه، فضلا عن إلقاء قنابل الغاز فيه، ثم عرْض صور الشباب من المصلين فيه، وهم ممددون على وجوههم، هذا بالإضافة إلى الاعتداء الوقح والقاسي على النساء، والشيوخ، علاوة على الشتائم الموجهة إلى النبي محمد، والشتائم العنصرية إلى العرب.

 

فوائد لدول عربية

 

وعلى اختلاف الدوافع لعملية طوفان الأقصى، إلا أن إجماليها يصب في صالح الاسترتيجيات العربية إن أرادت البناء عليها، لتعزيز مراكزها الاستراتيجية والسياسية بالمنطقة، فقد تمنح العملية مصر دورا سياسيا أكبر ، بجانب تعطيل مشاريع تهميش مصر ، ومركزية الدور السعودي، كما أن العملية تعطل بشكل أساسي كل المشاريع الدولية المعلن عنها فيما يخص طرقا تجارية تنقل التجارة عبر إسرائيل وليس قناة السويس المصرية، كما قدمت العملية نموذجا توضيحيا للجيوش العربية ،حول معارك الشوارع والتحركات المتناسقة على أرض الواقع ومدة خوار القوى البشرية للجنود الصهاينة، رغم قوة تسليحهم.

كما أن العملية وما أحدثته من تغييرات جذرية في معادلة القوة مع الصهاينة، يمنح دول الجوار الفلسطيني قوة أكبر وخيارات أوسع للضغط على إسرائيل أو التعاطي معهم بنظرة مغايرة لما سبق.

وهذا يتوقف على قدرة الحكومات والنظم العربية على فهم الدرس والاقتراب من القضية الفلسطينية باستراتيجيات مختلفة بعيدا عن الحصار والضغط على القوى الفلسطينية.