ما بين تصدير البصل وحظر تصديره..قرارات حكومة السيسي تكشف عن الجهل والعشوائية

- ‎فيتقارير

 

تخبط حكومة الانقلاب بين تصدير البصل وحظر تصديره تسبب في ارتفاع أسعاره بصورة جنونية ليصل سعر كيلو البصل في الأسواق المحلية إلى ما يقارب الـ 40 جنيها لأول مرة في التاريخ المصري، ما آثار انتقادات واحتجاجات المواطنين الذين أكدوا أنهم أصبحوا عاجزين عن الحصول على احتياجاتهم الغذائية اليومية، بسبب الارتفاع المستمر في الأسعار في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي فيما حمل الخبراء حكومة الانقلاب المسئولية الكاملة عن ارتفاع أسعار البصل وغيره من السلع والمنتجات بسبب ضعف رقابتها على الأسواق، بل وتجاوزها عن احتكار كبار التجار للسلع ورفع الأسعار بصورة غير مبررة .

كان مجلس وزراء الانقلاب قد أصدر قرارا بإيقاف تصدير البصل لمدة 3 أشهر، تنتهي آخر هذا العام، بزعم ضبط الأسعار في الأسواق، وبعد أيام قرر تعليق القرار خضوعا لعصابة العسكر وكبار التجار.

وبناء على ذلك قررت مصلحة الجمارك إرجاء نشر القرار الوزاري رقم 349 لسنة 2023 بشأن حظر تصدير البصل الطازج والمبرد لمدة 3 شهور. 

تضمن المنشور إلغاء منشور 16 لسنة 2023 الصادر من مصلحة الجمارك لجميع المنافذ الجمركية بناء على قرار حظر التصدير والعودة للعمل بالقرارات السابقة عليه. 

 

سياسة خاطئة

 

في هذا السياق قال مجدي الوليلي عضو المجلس التصديري للحاصلات الزراعية: إن “قرار حظر التصدير يتعارض مع تيسيرات التجارة العالمية الخاصة بفتح أسواق تصديرية جديدة”. 

وأضاف الوليلي في تصريحات صحفية أن قرار حكومة الانقلاب وقت صدوره اعترضنا عليه، لأنه يتعارض مع جهود زيادة الصادرات والتعاقدات التصديرية المختلفة، مشيرا إلى أن القرار كان معيبا لأنه لم يحدد نوع البصل المحظور تصديره سواء الأخضر أو المصنع أو المخلل، وغيره لذا كان قرار إرجاء التطبيق متوقعا. 

وعن ارتفاع أسعار البصل محليا، أكد أنه ليس بسبب التصدير، ولكن بسبب تراجع كميات زراعة المحصول الموسم الحالي، بسبب انخفاض سعره الموسم الماضي، مما دفع الفلاحين للاتجاه نحو زراعات أخرى. 

وحمل الوليلي السياسة الخاطئة لوزارة زراعة الانقلاب وعدم وجود خريطة زراعية فإن كل الزراعات تحقق مكاسب في عام وخسائر في عام آخر، لافتا إلى أن موسم البصل الجديد على الأبواب وستنخفض الأسعار. 

 

التصدير

 

وكشف الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة عن سبب ارتفاع أسعار البصل.

وقال «نور الدين» في تصريحات صحفية: إن “سلوك التجار يحتاج رقابة مدققة، لأن سلوكهم يتحمل جانبا من أزمة ارتفاع أسعار الغذاء، مشيرا إلى أن من عمل وزارة تموين الانقلاب مراقبة التجار والموردين والمصانع ومحلات التجزئة لكنها لا تقوم بهذا الدور”.

وأشار إلى أننا شهدنا ارتفاع أسعار خضروات بصورة غير مسبوقة وهي سلع غير دولارية، مؤكدا أن الارتفاعات فوق المعتاد وغير مقبولة، لأن ارتفاع الأسعار محليا وانخفاضها عالميا معضلة تحتاج إلى تفسير.

وأوضح«نور الدين»  أن الأرز منتج محلي ولا يوجد مبرر لارتفاع سعره بهذه الصورة، مشددا على أن أزمة الدولار ليست طاحنة إلى هذا الحد ليكون تأثيرها بهذا الشكل على أسعار المنتجات.

وحمل دولة العسكر المسئولية الكاملة عن ارتفاع الأسعار غير المبرر، لافتا إلى أن هناك أمورا دولة العسكر مسئولة عنها ، وهناك أمور التاجر هو المسئول عنها.

وكشف «نور الدين»  أن دولة العسكر قامت بتصدير ضعف ما نصدره من البصل كل عام دون النظر إلى احتياجات السوق، مؤكدا أن هذا الفعل غير المسئول من دولة العسكر هو سبب الأزمة الحالية وارتفاع الأسعار.

 

تعطيش السوق

 

وقال الدكتور أسامة أبو المجد أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة: إن “أسعار البصل دائما ما كانت في متناول المواطن البسيط، لكنها الآن تخطت في بعض المناطق حاجز 35 جنيها للكيلو، محذرا من أن هذا من شأنه أن يسبب أزمة كبيرة على المستوى المحلي رغم أن نظام الانقلاب مقبل على الانتخابات الرئاسية”. 

وأضاف أبو المجد في تصريحات صحفية أن البصل يعتبر من السلع الاستراتيجية لمصر، إذ تعتمد عليه الأسر والمطاعم يوميا في معظم الوجبات، ولذلك دائما ما كان لدينا اكتفاء ذاتي منه وفائض في الإنتاج يسمح بالتصدير، كما كان يتم توفيره بأسعار زهيدة. 

وأكد أن هذه الارتفاعات التي وصفها بـ”الجنونية” ما هي إلا نتيجة طبيعية لموجة التضخم التي تشهدها مص،ر بسبب الأزمة الاقتصادية وانخفاض قيمة الجنيه وشح العملة الصعبة. 

وأشار أبو المجد إلى أن الأزمة الأساسية في مصر تكمن في تجاهل حكومة الانقلاب لمراقبة وضبط الأسعار من البداية، وبالتالي استغل التجار هذا الوضع، واتفقوا على تقليل المعروض في السوق المحلي من أجل الضغط لزيادة نسب التصدير بأسعار أعلى والحصول على العملة الصعبة، فيما يعرف بـتعطيش السوق، وهو النهج الذي يدركه نظام الانقلاب لكنه لا يفرض قيودا وضوابط واضحة لتجريم الأمر. 

وحذر من أن استمرار لجوء حكومة الانقلاب إلى مسكنات مؤقتة للشعب بدلا من حل المشكلة من بدايتها، سيزيد الأوضاع سوءا، موضحا أن الزيادة الطفيفة التي أقرها مجلس وزراء الانقلاب في العلاوات والمعاشات يقابلها ارتفاع مضاعف في أسعار المنتجات الأساسية بدون ضبط حقيقي للأسواق. 

 

قرارات عشوائية

 

وقال الخبير الاقتصادي كريم الصفتي: إن “أزمة مصر في زمن الانقلاب تمتد من مشكلة عدم ضبط الأسواق المحلية إلى الظروف العالمية، مشيرا إلى أن الهند، التي تعتبر من أهم الدول في تصدير البصل عالي الجودة عالميا، تعرض محصول البصل بها هذا الموسم للإتلاف بسبب سوء الأحوال الجوية وتعرض المحاصيل للأمطار غير الموسمية، وبالتالي انخفضت الكميات التي تصدرها لدول العالم، ولذلك زاد الطلب عالميا على المحصول المصري”. 

وكشف الصفتي في تصريحات صحفية بسبب أن حكومة الانقلاب تعاني من شح في العملة الصعبة، لذلك فإنها تشجع على زيادة تصدير محصول البصل للحصول على الدولار، وأعطت وعودا للتجار بمضاعفة معدلات التصدير خلال الأشهر الشتوية المقبلة، وهو ما دفع التجار لتقليل المعروض من البصل في الأسواق ورفع سعره بشكل مبالغ فيه بنسبة زيادة تتعدى 400 في المئة. 

وأوضح أنه بعد الصدمة التي حدثت في الأسواق، اضطرت حكومة الانقلاب لوقف التصدير مؤقتا 3 أشهر، في محاولة لخفض الأسعار ثم سارعت بتعليق القرار، وهو ما سيجعل الأزمة تتفاقم مرة أخرى، لأنه فيما يتعلق بالقطاع الزراعي، ليس لدى حكومة الانقلاب رؤية واضحة بشأن خريطة المساحات المزروعة ونوعية المحاصيل ونسب التصدير المتوقعة مقارنة بالاستهلاك المحلي. 

وأضاف الصفتي أن حل هذه الأزمة تتبعه الدول منذ عشرات السنوات، من خلال تقديم تحفيزات مالية للمزارعين وتشجيعهم على زيادة محاصيل بنوعها تفيد اقتصاد الدولة في السوق المحلي والتصدير الخارجي، بالإضافة إلى وضع خطط تفصيلية مع التجار بشأن نسبة المعروض المحلي وضبط الأسعار وخريطة التصدير. 

ووصف قرارات حكومة الانقلاب بأنها تتسم بالعشوائية والتخبط، وهذا سيزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية، خاصة أنه مع استمرار انخفاض أسعار الفائدة بشكل كبير عن معدل التضخم، فإن رفع سعر الفائدة في نهاية المطاف يبدو شبه مؤكد، وبالتالي المزيد من خفض الجنيه. 

وأكد الصفتي أن محاولات حكومة الانقلاب لسداد ديونها الخارجية والتي تتجاوز قيمتها 165 مليار دولار لن تنجح إذا استمر هذا النهج، لأن الحل من المستحيل أن يكون في الضغط على السوق المحلي واتباع سياسات التجويع، موضحا أنه بدون تحفيز وتطوير القطاع الزراعي والصناعي، فلن تخرج مصر من أزمتها الاقتصادية.