تواجه الصناعة المصرية انهيارا تاما في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، حيث اضطرت آلاف المصانع والشركات إلى التوقف عن العمل، وإغلاق أبوابها وتسريح ملايين العمال،
بسبب الإجراءات التي تفرضها حكومة الانقلاب دون اعتبار لتراجع الإنتاج المحلي، واضطرار البلاد إلى استيراد كل ما تحتاجه من الإبرة إلى الصاروخ من الخارج، وهو ما أدى إلى أزمة تراجع احتياطي النقد الأجنبي وتراجع قيمة الجنيه المصري بنسبة 500% في زمن الانقلاب.
الغريب أن حكومة الانقلاب تعلن صباح مساء أن دعم الصناعة على رأس أولوياتها، زاعمة أن هذا القطاع يساهم بنسبة 11.7% في الناتج المحلي الإجمالي، ويستوعب حوالي 28.2% من إجمالي العمالة.
كما تزعم حكومة الانقلاب أن السيسي أعلن عن منح إعفاءات وحوافز ضريبية للمشروعات الصناعية أبرزها، الإعفاء من كافة أنواع الضرائب، عدا ضريبة القيمة المضافة حتى 5 سنوات، للمشروعات الصناعية التي تستهدف صناعات استراتيجية بهدف تعميق الصناعة الوطنية، وفق تعبيرها.
يشار إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر تشهد خلال السنوات الماضية تراجعا كبيرا وفقا لبيانات البنك المركزي، ففي العام المالي 2016/2017 بلغت 7.9 مليار دولار، وفي 2017/2018 وصلت إلى 7.7 مليار دولار، وفي 2018/2019 ارتفعت إلى 8.2 مليار دولار، ثم عادت للانخفاض مرة أخرى إلى 7.5 مليار دولار في 2019/2020، و5.2 مليار دولار في 2020/2021، وارتفعت خلال العام المالي 2021/2022 لتسجل 8.9 مليار دولار، ثم تراجعت إلى 7.9 مليار دولار في العام 2023/2022.
صغار الموظفين
حول أسباب انهيار الصناعة قال فتحي الطحاوي، نائب رئيس شعبة الأدوات المنزلية والكهربائية بغرفة القاهرة التجارية: إن “المستثمرين يواجهون مشاكل في تنفيذ مشروعاتهم على أرض الواقع مع صغار الموظفين الحكوميين، مطالبا بوضع تعريف محدد للصناعات الاستراتيجية المخصص لها هذه الحوافز، وهل المقصود بها الطعام والشراب أم مواد البناء والتسليح أم المواد الكيماوية وغيرها من السلع؟”.
وقال «الطحاوي» في تصريحات صحفية : “من المفترض أن اللائحة التنفيذية هي التي ستحدد هذه الصناعات بشكل دقيق، لكننا نصطدم بعد ذلك بصغار الموظفين الذين ينفذون هذه القرارات، وهنا تأتي المشكلة لأن الشيطان يكمن في التفاصيل، والبيروقراطية وروتين الموظفين الصغار الذين يعقدون كل شيء، ولذلك نحتاج إلى تحديد هذه الصناعات بشكل دقيق.
وطالب بعدم الاهتمام فقط بكبار المستثمرين الذين سيحصلون على تسهيلات في تخصيص الأراضي والإعفاء من الضرائب، بل يجب الاهتمام أيضا بصغار المستثمرين كما حدث في الصين والاستعانة بالتجربة الصينية في هذا المجال، مشددا على ضرورة عدم تعدد جهات الولاية على المستثمرين الصغار ومنع وضع العراقيل أمامهم من الجهات الحكومية والرقابية.
وأشار «الطحاوي» إلى أن تشجيع الصناعات الصغيرة سيؤدي إلى زيادة فرص العمل والدخل للمواطنين وتحريك السوق وزيادة الإنتاج، وبالتالي انخفاض الأسعار، مؤكدا أن مصر فيها ملايين الموبايلات التي تحتاج إلى غطاء أو جراب، لكن لا يوجد لدينا مصنع واحد يقوم بتصنيع هذه الأغطية.
وتساءل : لماذا لا نقيم مصانع وورش صغيرة لتصنيع الحاجات الصغيرة، كمان المواطن بيروح يشتري التليفزيون مرة واحدة، إنما بيشتري جراب الريموت بتاعه كذا مرة، ليه منعملش مصانع صغيرة مساحتها 100 متر للحاجات اللي زي دي ؟.
وشدد «الطحاوي» على ضرورة الاهتمام بالصناعات الصغيرة أكثر من الصناعات الثقيلة، لأنها توفر فرص عمل للملايين من الشباب وتؤدي إلى انخفاض الأسعار وتقليل الاستيراد، مطالبا بضرورة الاهتمام بالمستثمرين المحليين قبل الأجانب، لأن المستثمر الأجنبي إذا وجد المحلي يعاني فإنه لن يستثمر أمواله في هذا البلد .
وطالب «الطحاوي» بإزالة التعقيدات والإجراءات الحكومية في إصدار تراخيص المشروعات، وإعادة الثقة بين المستثمر والمواطن وحكومة الانقلاب، بحيث يتم التكامل بينهم، فضلا عن الحاجة لتسهيلات بنكية في التعامل مع المستثمرين والحصول على القروض لتنفيذ المشروعات بسهولة.
الشباك الواحد
وقال المهندس سيد إبراهيم خبير الصناعات المعدنية: إن “تدعيم الصناعات والإنتاج المحلي، يتطلب توفير الأجواء الملائمة للاستثمار لكي نجذب المستثمرين ليستثمروا أموالهم في مصر، موضحا أن من أهم المطالب التي يجب تنفيذها تفعيل الشباك الواحد بشكل حقيقي، لأن المستثمرين يضيعون وقتا طويلا خلال الانتهاء من إجراءات تأسيس مشروعاتهم خاصة في الجهات الحكومية”.
وأضاف إبراهيم في تصريحات صحفية : “المستثمر في مصر حتى ينتهي من إجراءات تأسيس مشروعه يقوم بخطوات عديدة مرهقة، تبدأ بتخصيص الأرض والموافقة عليها فى إحدى المناطق الصناعية من جهاز المدينة، ثم يذهب إلى وزارة بيئة الانقلاب للموافقة على الدراسة البيئية للمشروع، وهذا الأمر فقط يستغرق من 3 إلى 4 أشهر، بعدها يتوجه إلى وزارة كهرباء الانقلاب للحصول على الطاقة الكهربائية اللازمة للمشروع التي تعيد توجيهه مرة أخرى إلى هيئة التنمية الصناعية للموافقة على دراسة المشروع بشكل كامل، وهذا يستغرق وقتا طويلا”.
وطالب باختصار هذه الخطوات وتفعيل منظومة الشباك الواحد حتى نجذب المستثمرين، مؤكدا أنه رغم مزاعم حكومة الانقلاب لم يتم حتى الآن تفعيل منظومة الشباك الواحد بشكل حقيقي .
موافقات
وكشف إبراهيم عن تخوف المستثمرين من توقف مشروعاتهم لأي سبب بسيط من هذه الأسباب سواء موافقة الكهرباء أو البيئة، بعد إنفاق الملايين على تأسيس الشركة والمشروع، قائلا : “تخيل بعد ما تصرف 50 أو 60 مليون جنيه بعدها يأتي موظف من الكهرباء يعطل كل حاجة علشان الموافقة بتاعتها مخلصتش”.
وأشار إلى أنه حتى بعد الحصول على موافقات هيئة التنمية الصناعية يجب على المستثمر الحصول على موافقة الدفاع المدني على المشروع، وهذه أصعب خطوة ترهق المستثمرين بسبب التكلفة الباهظة للحصول على الموافقة.
وأكد إبراهيم، أن الصناعة لن تقوم لها قائمة في مصر إلا بتوفير المواد الخام محليا بدلا من استيرادها، مشددا على ضرورة العمل على إنشاء مشروعات صغيرة توفر المواد الخام اللازمة محليا، حتى تستطيع المصانع زيادة الإنتاج وتخفيض الأسعار، ثم التصدير فىي مرحلة لاحقة وتوفير عملة صعبة للاقتصاد المصري.