رسالة إلى القادة العرب

- ‎فيمقالات

ضرب مئات الملايين من المواطنين العرب والمسلمين كفا بكف ومطّوا شفاههم عندما طالعوا البيان الصادر عن القمة الطارئة التي عقدتموها في العاصمة السعودية الرياض يوم السبت 11 نوفمبر/تشرين الثاني، وحملت عنوان “القمة العربية الإسلامية المشتركة غير العادية”.

ذلك لأنه لا جديد في البيان الختامي، أقصى ما طالبتم به أيها القادة هو وقف الحرب على غزة، وإدانة العدوان الإسرائيلي على القطاع وجرائم الحرب والمجازر الهمجية الوحشية واللاإنسانية التي ترتكبها حكومة الاحتلال الاستعماري، ورفض توصيف العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين بأنه دفاع عن النفس.

لا جديد إذاً يختلف عن مئات البيانات الصادرة عن قمم سابقة عُقدت على مدى 78 عاماً ومنذ تأسيس جامعة الدول العربية.

ولعلكم لا تختلفون مع معظم المواطنين العرب الذين يرون أن هذا البيان الختامي لا يتواكب مع حدث الحرب الجلل، بل لا يساوي الحبر الذي كتب به، كلام إنشائي لا يختلف عن تصريحاتكم التي رددتموها على مدى أكثر من شهر، بل لا يختلف عن تصريحات زعماء وقيادات دول غربية طالبت أيضاً دولة الاحتلال بوقف النار وعدم استهداف المدنيين والتوقف عن قتل الأطفال والسيدات.

قمتكم الطارئة، التي احتفت بها وسائل الإعلام في بلدانكم، لم تتطرق إلى قضايا جوهرية تفضي إلى وقف الحرب ومساندة أهالي غزة وقبلها الوقوف بجانبهم بالمال والعتاد، ولم تتخذ القمة خطوة عملية واحدة لوقف المجازر التي يرتكبها العدو الإسرائيلي بحق الفلسطينيين العزل.

اقتصاد الناس

كنا نتوقع اتخاذ أقل القرارات المساندة للحق الفلسطيني خلال القمة الطارئة، لكن خاب ظننا جميعا فيكم وفي بيانكم.

لم تعلنوا صراحة عن قطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع أي دولة تصدر أسلحة إلى جيش الاحتلال ليقتل به أهالينا في غزة. أو حتى مجرد التلويح بوقف تدفق ملياراتكم وأموالكم إلى أسواق وبنوك وخزائن وسندات الدول الداعمة للاحتلال وفي المقدة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

لم تتحدثوا مثلاً عن وقف تصدير النفط والغاز للدول الغربية الداعمة للاحتلال كما جرى في أكتوبر/تشرين الأول 1973، أو حتى مجرد التلويح بوقف التصدير ذراً للرماد في العيون، رغم أنّ الوقف في صالحكم، إذ سيحدث قفزة في سعر النفط، وبالتالي زيادة إيراداتكم النفطية وتراكم ثرواتكم في المصارف الأميركية والأوروبية.

بالطبع، لم تهددوا إسرائيل بمساندة المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح، فهذا حلم بعيد وقرار صعب عليكم، إذ ربما يهدد مواقعكم.

لم تعلنوا عن طرد السفراء ووقف اتفاقات التطبيع الاقتصادي. لم نسمع حرفاً في بيانكم عن قرار بوقف استيراد الأسلحة الإسرائيلية ووقف صفقات ضخمة تجاوزت قيمتها 3 مليارات دولار في العام الماضي، وتجميد مفاوضات تأسيس مناطق حرة وشراكات اقتصادية مع دولة الاحتلال وزيادة التبادل التجاري.

لم تعلنوا عن وقف استيراد الغاز الطبيعي من دولة الاحتلال، ووقف ضخ مليارات الدولارات في الخزانة الإسرائيلية سنوياً.

لم تتحدثوا عن وقف أو تجميد مشروعات استثمارية ضخمة كلفتها مليارات الدولارات قررتم إقامتها داخل المستوطنات والأراضي المحتلة وبأموال مملوكة للشعوب العربية الرافضة لهمجية الاحتلال.

لم تعلنوا عن تجميد أنشطة صناديق استثمار ضخمة قررتم تأسيسها عقب اتفاقات التطبيع لدعم الاقتصاد الإسرائيلي، علماً أنّ أحد تلك الصناديق الخليجية سيوجه لوحده 10 مليارات دولار في مشروعات إسرائيلية وأنشطة مختلفة.

اقتصاد عربي

بل لم تشجعوا شعوبكم على مقاطعة السلع والمنتجات الإسرائيلية أو سلع الدول الداعمة للاحتلال. والأغرب أن مؤسساتكم الرسمية تحارب دعوات المقاطعة وربما تلاحق المنادين بها والمشجعين عليها.

لم تعطوا تعليمات لحكوماتكم بملاحقة السلع الإسرائيلية المنتشرة في الأسواق العربية، ووقف تسيير رحلات الطيران والسياحة من عواصم دولكم إلى تل أبيب والعكس، أو وقف التنسيق الاقتصادي والمالي والتجاري والصناعي وتبادل وفود وزراء المجموعة الاقتصادية ورجال الأعمال، أو وقف تصدير العمالة لدولة الاحتلال.

معالي القادة العرب، ألا تتفقون معي في أن الإدانة الصادرة عن قمتكم الطارئة كان من الممكن أن تصدر وأنتم داخل قصوركم الوثيرة، من دون أن تتحملوا عناء السفر إلى الرياض والقاء كلمات رسمية وانتظار ساعات لسماع كلمات قادة الدول العربية والإسلامية.

كان من الممكن أن تصدر تلك المواقف في بيان رسمي دون أن تحملوا موازنات دولكم عشرات الملايين من الدولارات التي أُنفقت قبل وخلال وبعد عقد القمة الطارئة، وأن توفروا نفقات وبدلات السفر إلى الرياض التي يحصل عليها جيش من الموظفين مصاحب لكم من وزراء وسفراء وطاقم حراسة وإداريين وسكرتارية وغيرهم.

كان من الممكن أن توفروا تكاليف السفر والطيران والسيارات المصفحة والوقود والإقامة في فنادق وثيرة، وتكلفة الحراسة والانتقال من قصوركم الفارهة إلى مطارات دولكم ثم إلى مطار الرياض والعكس.

كان من الممكن أن توفروا عشرات الملايين من الدولارات وتتبرعوا بها لأهالي وأطفال غزة الذين لا يجدون رغيف خبز حاف وكوب ماء نقي وعلبة حليب وأدوية وبنزين وسولار أو أي مقومات الحياة.

وفي حال إذا ما رأيتم أنه ليس هناك ضرورة بالتبرع بتلك الأموال المتوفرة من عدم سفركم لمثل هذه القمم لأهالي غزة فإن موازنات دولكم التي تعاني أغلبها من عجز حاد هي الأحق بتلك الأموال.

……….

نقلا عن “العربي الجديد”