تستمر مسرحية انتخاب السيسي في فصول هزلية باهتة لولاية ثالثة، ولكن ستبقى نتائج ذلك مريرة على الوطن والمواطن، وسيدفع ثمن ذلك الجميع.
فما من شك أن الانتخابات شكلية وهزلية، خاصة بعد حملة قمع استمرت 10 سنوات على المعارضة بل وعلى كل المصريين، وسيمنح الفوز السيسي ولاية مدتها 6 سنوات تتمثل الأولويات العاجلة خلالها في ترويض التضخم شبه القياسي ومعالجة النقص المزمن في العملة الأجنبية، ومنع اتساع رقعة الصراع في غزة بين إسرائيل وحركة حماس.
وتتصدر المشكلة الاقتصادية الاهتمامات في بلد يواجه أكبر أزمة اقتصادية في تاريخه، مع معدل تضخم يلامس 40%، وعملة محلية فقدت 50%، من قيمتها ما أدى إلى انفلات الأسعار.
تخفيض الجنية
وتزداد المخاوف من تخفيض جديد لقيمة العملة بعد الانتصار الحتمي في الانتخابات الرئاسية للسيسي الذي لا ينافسه أحد تقريبا، أكثر من انشغالهم بمجريات التصويت المفترضة.
عشرية سوداء
واشتدت وطأة القمع الداخلي في مصر خلال 10 سنوات من حكم السيسي، وتدهور اقتصاد البلاد، وانحدر تأثير مصر في محيطها الجغرافي السياسي، ولعل إمكانية شراء أصوات المصريين الانتخابية بأثمان بخسة أول دليل على أن مصر قد أصبحت بعد 10 سنوات من سيطرة السيسي على السلطة، دولة أفقر بكثير من الدولة التي ورثها.
وقد صارت مصر أضعف كذلك، فهي إذا كانت قد انحدرت من قوة إقليمية إلى قوة محلية على مر العقود الماضية، فإن مكانتها تدهورت في عهد السيسي إلى حد أن قوتها المحلية هذه صارت موضع شك أيضا.
تحديات استراتيجية
فعلى الحدود الغربية، بات تأثير تركيا والإمارات في ليبيا أكبر من نفوذ مصر، وفي الجنوب اضطرت مصر إلى اللجوء للإمارات من أجل التفاوض على تحرير القوات المصرية التي احتُجزت في السودان عندما اندلع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
أدى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى إعادة مصر إلى دائرة الضوء العالمية، فهي تسيطر على المخرج الدولي الوحيد من القطاع وهو معبر رفح، ولما أجبرت إسرائيل الملايين من سكان القطاع على النزوح إلى حدوده الجنوبية مع مصر، صرَّح السيسي بمخاوفه من تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، لا سيما أنه من المستبعد أن تسمح إسرائيل لهم بالعودة إلى ديارهم بعد توقف القتال، ويتخوف السيسي كذلك من حركة حماس، لأن لها صلات تاريخية بجماعة الإخوان المسلمين، التي انقلب على الرئيس المنتخب الذي كان ينتمي إليها.
وعلى الرغم من أن مصر لا يزال لها مقعد على طاولة المفاوضات المتعلقة بقطاع غزة، ولا يزال لها دور جوهري في التعامل مع القضية الفلسطينية، فإن نفوذ قطر وغيرها آخذ في التزايد.
الفقر
ربما تنامى الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بعض الشيء، إلا أن ملايين المصريين وقعوا في براثن الفقر خلال السنوات العشر التي تلت استيلاء السيسي على السلطة، وقد انخفض معدل المشاركة في القوى العاملة، وهو مقياس القوى العاملة النشطة في الاقتصاد وانكمش القطاع الخاص، وتضخمت ديون البلاد، وتفاقمت أزمة نقص الأمن الغذائي، إذ ارتفع معدل التضخم في المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 71.3% في أكتوبر، عما كان عليه في الشهر ذاته من العام الماضي.
الاقتراض المميت
وأدى نهج السيسي في توطيد السلطة وتعزيز قوة نظامه إلى إضعاف الدولة المصرية وإفقار الشعب المصري، وقد ارتكزت سياساته الاقتصادية على استغلال موارد الدولة في منح العقود السخية للشركات المملوكة للنظام من أجل تنفيذ مشروعات ضخمة بلا دراسة كافية، ولا ضرورة لازمة في كثير من الأحيان.
ومن أبرز هذه المشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، التي تساوي مساحتها مساحة سنغافورة، وقد تزيّنت بأطول برج في أفريقيا، وأطول قطار كهربائي في العالم، وأُقيم فيها نهر اصطناعي، وحديقة مركزية تزيد مساحتها على مساحة حديقة سنترال بارك في نيويورك، وقد أنشئت هذه المشروعات المستهلكة للمياه وسط الصحراء، في بلد يعاني ندرة حادة في المياه، وشيَّد السيسي كذلك مجموعة من القصور الرئاسية الجديدة الفارهة.
التخلف عن سداد القروض
وخلص تقرير حديث لوكالة Bloomberg إلى أن مصر ثاني أكثر دول العالم عرضة للتخلف عن سداد ديونها، وقد تناوبت وكالات التصنيف الائتماني على خفض تصنيف مصر إلى مزيد من المستويات السلبية، وترجع معظم أسباب ذلك إلى إقبال البلاد المتهور على الاقتراض، فقد تضاعف الدين الخارجي للبلاد 4 مرات تقريبا، فزاد من 43.2 مليار دولار في يونيو 2013، إلى 164.7 مليار دولار في يونيو الماضي، وتشمل الأسباب كذلك تردي الحوكمة، والرغبة الجامحة في السيطرة، وقمع نشاط السوق والاستثمارات، والحرص المتزايد على إنماء الإمبراطورية الاقتصادية للنظام.
الخروج من مؤشرات جودة الحياة
ولعل اسوأ ما ينتظر المصريون في ولاية السيسي الثالثة، خروجها من دوائر الاهتمام العالمي والابتعاد عن المقاييس الدولية في مؤشرات جودة الحياة.
فقد احتلت مصر حالياً المركز 136 من بين 142 دولة في مؤشر سيادة القانون التابع لمشروع العدالة العالمية، وقد عمد السيسي إلى تعديل القوانين والدستور لتوسيع سيطرته على السلطة القضائية في البلاد، وقد كان لهذا القمع السياسي عواقب جلية على الاقتصاد أيضا، فنقص الثقة بالمحاكم وضعف القدرة على إنفاذ العقود من أبرز العوامل التي تحول دون إقبال المستثمرين على البلاد.
بيع الأصول والارتهان الاقتصادي للخليج
وقد أسهم الضعف الاقتصادي في تفاقم الضعف الجيوسياسي، فقد تزايد اعتماد مصر على دول الخليج في الدعم المالي، وارتكز أحدث اتفاق أجرته البلاد مع صندوق النقد الدولي والثالث منذ تولي السيسي السلطة على بيع الدولة مجموعة من أبرز أصولها العامة إلى مشترين خليجيين.
يشار إلى أن نحو 30.4 مليار دولار من احتياطي العملة الصعبة في البنك المركزي البالغ 34.8 مليار دولار هي ودائع من حكومات أجنبية.
ولعل تلك المخاطر الاستراتيجية التي تتهدد مصر ستتفاقم وتصل تأثيراتها لأبعد مدى في ظل انحسار حرية التعبير، وانتهاك السلطات لحريات وحقوق المواطنين الصامتين.