أكد د. عبد الله الغيلاني الأكاديمي والباحث في الشؤون الاستراتيجية أن القوة الصهيونية في تراجع وانتكاسات ميدانية وتصدع اجتماعي وسخط شعبي، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن، الحديث عن مرحلة ما بعد حماس هو ضرب من اللهو السياسي.
وفي ورقة نشرها الغيلاني بعنوان (حماس: المنعطف الإستراتيجي الأخطر: تزول أم تتمدد؟) قال إن “الوقائع على الأرض فإنها في المحصلة الإجمالية تشي بتراجع القوة الإسرائيلية التي تشهد إنتكاسات ميدانية متتالية تهدد بتصدع الإجماع السياسي و تصاعد السخط الشعبي”.
وخلص إلى أن حركة المقاومة الإسلامية حماس تعبر منعطفا هو الأخطر في تاريخها، و أنها بهذا العبور تصنع تاريخا جديدا للمنطقة و تفرض معادلات صراع جديدة، و من ثم فإن الحديث عن مرحلة ما بعد حماس هو ضرب من اللهو السياسي.
وحث الغيلاني من وصفهم بعقلاء العرب أن يعرضوا عن ذلك اللهو و يعيدوا تموضعهم استعدادا لمرحلة ما بعد الطوفان تكون حماس هي واسطة العقد فيها”.
أحد خيارين
وأشار إلى الكاتب إلى أنه بعيدا عن العاطفة فإننا أمام احتمالين : الانكسار أو الانتصار، أما الانكسار فقد أشرنا إلى ما يمكن أن يفضي إليه من كوارث، و لكن يبقى السؤال المحوري، أي الاحتمالين أقرب إلى الرجحان ؟ و هل تملك المقاومة أدوات التدافع الإستراتيجي؟
واعتبر أن التعريف المعياري للنصر كي نحتكم إليه بعيدا عن الحديث المرسل و الإطلاقات اللفظية هو تعريف واحد هو، اندحار إسرائيل و عجزها عن بلوغ أي من أهدافها المعلنة و بالتالي خروج الكتائب من هذه المواجهة موفورة العدة و العدد ، متماسكة الصف، سالمة القيادة.
غاية الاستئصال
وأشار الكاتب العماني إلى كل ما يجري في غزة و في محيطها الإقليمي، على الصعيدين العسكري والسياسي، إنما يدور حول غاية مركزية واحدة هي استئصال حماس استئصالا كليا.
واستدرك أنه وإن تعذرت الإزالة الكلية فلا تراجع عن تفكيك عدتها العسكرية والإبقاء عليها كيانا سياسيا رثا مهيض الجناح، منزوع الشوكة، كما هو حال فصائل أوسلو.
وقال: إن “ذلك المقصد الإستراتيجي ليس مطلبا إسرائيليا فحسب، بل هو غاية دولية و إقليمية، و بين أيدينا من البينات ما يكفي لإثبات تورط عدد من العواصم الإقليمية في مشروع الاجتثاث ذاك”.
وشدد على أن سيناريو الاستئصال هو الأخطر، ليس على مستوى القضية الفلسطينية فقط، بل على مستوى معادلات الصراع الإقليمي برمتها، ذلك أن هزيمة حماس عسكريا أو انتصارها سيفرز تحولات محورية على الصعيدين الفلسطيني و العربي.
تصفية القضية
ورهن الكاتب استئصال حماس وانسكار الكتائب بتصفية القضية الفلسطينية تماما، ووضع عدة نقاط لتأثير ذلك تمثلت في:
– لك أن تتصور الشعب الفلسطيني وهو يساق إلى محارق أوسلو، بما يعني ذلك من إذلال و تهجير و سطو على الأرض و انتهاك للعرض.
– لك أن تتصور تساقط ما بقي من حوائط الصد العربية كلها.
– لك أن تتصور الاجتياح الصهيوني للفضاءات العربية دون مقاومة تذكر.
– لك أن تتصور مزيدا من التوغل الصهيوأميريكي في مؤسسات الحكم العربية.
– لك أن تتصور مزيدا من القمع و الملاحقة للحالة المطلبية العربية الداعية إلى الإصلاح الدستوري.
– لك أن تتصور إسرائيل الكبرى و هي تعيد تشكيل الوعي العربي و تعبث بمفردات القيم و الثقافة العربية.
– لك أن تتصور اليهود و هم يتعقبون عرى الإسلام لينقضوها الواحدة تلو الأخرى ولن يقتصر الأمر على القيم السياسية، بل سيمتد ليشمل كل تعبيرات الإسلام حتى لا تبقى قيمة حية و لا مفهوم أصيل.
حائط الصد الأول
واعتبر الغيلاني أن حركة المقاومة الإسلامية بكل تعبيراتها العسكرية والسياسية هي حائط الصد الأول الذي يمنع تلك الإنهيارات والتصورات.
وأشار إلى جملة من المؤشرات المفتاحية التي تنطلق منها حماس ويمكن اعتمادها للوصول إلى الاستخلاصات بحسب ما قال، تتمثل في:
– قوة عسكرية عميقة البناء العقائدي، منضبطة الأداء الميداني، تتحرك بروح جهادية متوثبة، لم تنكسر في معركة قط، رغم الفوارق التسليحية بينها و بين عدوها، نحن أمام أنموذج غير معهود في الحالة العربية المعاصرة .
– قيادة سياسية تملك رؤية ومشروعا ولها بصيرة نافذة وفهم عميق لمفاصل النظام الدولي والاقليمي، وقدرة على المناورة والتحرك في الهوامش المتاحة.
– البنية الفكرية والتنظيمية للحركة تعصمها من التشظي و تحميها من التشققات و تمنحها إتساقا فكريا و صلابة تنظيمية.
– حاضنة شعبية ليست فقط متصالحة مع المقاومة أو مساندة لها ، بل هي جزء أصيل من الحالة الجهادية، و قد أبدت من ضروب الصبر و البسالة و الاحتساب ما جعل العالم يسأل؛ أي جنس من البشر هؤلاء.
– حواضن جماهيرية ممتدة في العالمين العربي و الإسلامي ، تتبنى مشروع المقاومة و تبدي استعدادا للانخراط فيه لولا الموانع السياسية.
– تفوق أخلاقي عزز سردية الحركة و أحدث انقلابا سياسيا في الوجدان العالمي الذي بات يشهد تحولات جوهرية في منظوره السياسي و مواقفه الأخلاقية إزاء القضية الفلسطينية.