على الرغم من تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة وقتل أكثر من 21 ألف مدني فلسطيني ، والغضب الشعبي المتصاعد في جميع الدول العربية والإسلامية ضد الانتهاكات الصهيونية التي لا تجد من يردعها، ومطالبة العديد من الدوائر الرسمية والشعبية، بمقاطعة إسرائيل وعزلتها، بل ومواجهتها سياسيا وعسكريا كأحد مقتضتيات الأمن القومي المصري والعربي، إلا إن السيسي ونظامه العسكري، يعمق علاقاته مع الصهاينة، متغاضيا على الكثير من انتهاكاتها بحق الفلسطينيين وبحق السيادة المصرية، في رفح وعلى المعبر وبالشريط الحدودي الذي يجري قصفه مرارا وتكرارا، بلا أي توقف مصري.
إشراك مصر بالممر البري بين الخليج وإسرائيل
وضمن التتخاذل المصري مدفوع الثمن على ما يبدو، كشف رئيس شركة إسرائيلية، أمس الأحد، عن توسيع الممر البري لنقل البضائع بين دول الخليج العربي وإسرائيل، عبر السعودية والأردن، ليشمل مصر؛ على خلفية تعرض سفن شحن مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر لهجمات بسبب حربها في قطاع غزة، بحسب إتجار ليفكوفيتس في تقرير بموقع “جويش نيوز سنديكيت” (JNS).
وفي أوائل ديسمبر الجاري، كشفت صحيفة “معاريف” العبرية أن شركة تراكنت الإسرائيلية وقّعت اتفاقية مع شركة “بيورترانز” الإماراتية للخدمات اللوجستية، ليبدأ تسيير شاحنات محملة بالبضائع من ميناء دبي، مرورا بالأراضي السعودية ثم الأردنية، وصولا إلى ميناء حيفا في إسرائيل والعكس.
وبحسب حنان فريدمان، مؤسس ورئيس “ترانكت”، وهي شركة تابعة لشركة إيلات تدير الممر البري، فإن مشروع النقل البري هو اختراق تاريخي يعبر عن التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول العربية وإسرائيل الذين انضموا معا لمحاربة محور الشر.
وأضاف أنه تم الأحد توقيع اتفاق لتوسيع الممر البري ليشمل مصر ميناءي بورسعيد والعين السخنة، وهو لا يهدف إلى استبدال الطريق البحري عبر قناة السويس المصرية، ولكن توفير طريق بديل في وقت الهجمات على الممر المائي الدولي البحر الأحمر.
ووفق القائمين على المشروع، فأنه حتى قبل اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، في 7 أكتوبر الماضي، مكّن مشروع الربط البري بالشاحنات من نقل البضائع بين ميناء دبي وميناء حيفا الإسرائيلي.
وأدت هذه الخطوة إلى خفض التكاليف والوقت بشكل كبير، فالرحلة التي كانت تستغرق 14 يوما بحرا، تم تقليصها إلى أربعة أيام فقط برا، ويمكن للطريق البري أن يستوعب 350 شاحنة يوميا.
ووفقا لليفكوفيتس، فإن عملية النقل البري للبضائع بين الخليج وإسرائيل بدأت بهدوء في وقت سابق من العام الجاري، وسط محادثات التطبيع السعودية الإسرائيلية، بوساطة أمريكية.
وزادت أهمية الممر البري، مع تكثيف الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران، من هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر، وهو ممر حيوي لحركة الشحن العالمي.
وعلى الرغم من الحرب الإسرائيلية على غزة، تدرس إسرائيل ودول عربية خطة منفصلة طويلة المدى تمت مناقشتها قبل الحرب وما زالت قيد البحث، وتهدف إلى إنشاء خط سكة حديد بين إسرائيل ودول الخليج، عبر السعودية، سيكون جزءا من مشروع قطار يربط بين إسرائيل ودول الخليج وأوروبا والشرق الأوسط.
ويعد ضم مصر للمر البري الذي كانت تعارضه وتتوجس منه خيفة على إيرادات قناة السويس، ثمنا لسموتها عن العدوان الإسرائيلي على غزة، أو التدخل لصالح دعم الفلسطينيين بشكل فاعل، وهو ما يمثل خنوعا وخضوعا اسراتيجيا من إدارة السيسي لصالح إسرائيل وأهدافها، وهو ربما يتطور مستقبلا وصولا لصفقة أكبر تتعلق بالتهجير ملايين الفلسطينيين إلى سيناء أو داخل مصر.
الكويز يدعم العلاقات بين السيسي ونتنياهو
وضمن المحفزات الصهيوأمريكية للسيسي، للقبول بأثمان أخرى قد تكون أخطر على القضية الفلسطينية وعلى مصر، أفادت تقارير عربية أن مصر ستخفض مساهمة المكون الإسرائيلي في اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة المعروفة اختصارا بـ”كويز” بنسبة 2%.
و”الكويز”، اتفاقية موقعة بين القاهرة وتل أبيب وواشنطن منذ عام 2004، تهدف إلى فتح الأسواق الأمريكية أمام الصادرات المصرية.
ولا تحدد الاتفاقية حصصا أو فرض رسوم جمركية، لكن تشترط ألا تقل نسبة المكونات المصنعة محليا عن 35%، وأن تحتوي على مكون إسرائيلي بنسبة 10.5%، ويقدر عدد الشركات المصرية العاملة ضمن الاتفاقية بـ 980 شركة.
ونقلت قناة العربية الممولة من الحكومة السعودية عن مصادر مطلعة قولها: إن “الدول الثلاثة أتمت المفاوضات والاتفاق الخاص بتخفيض مساهمة المكون الإسرائيلي في صادرات الملابس المصرية إلى أمريكا من 10.5 إلى 8.5%”.
وبحسب المصادر ذاتها فإن المفاوضات بين الأطراف الثلاثة في هذا الملف بدأت قبل فترة طويلة، لكن تم التوصل إلى الاتفاق النهائي بشأن تخفيض نسبة المكون مؤخرا.
أضافت المصادر أن الحرب في غزة أحد الأسباب الرئيسية التي عطلت توقيع الاتفاق الرسمي، لكن من المتوقع أن يحدث في أقرب وقت، ربما خلال أيام، إذ يجري وضع اللمسات النهائية على الاتفاق بالتعاون مع بعض الجهات المعنية في الدول الثلاث.
وأشارت المصادر إلى أن مصر تستورد منتجات إسرائيلية تدخل في المنتجات التي يتم تصديرها إلى أمريكا بنحو 150 مليون دولار في المتوسط سنويا، تزيد أو تقل بحسب ظروف السوق والإنتاج كل عام، في حين بلغت صادرات مصر من الملابس عبر الاتفاقية في العام الماضي نحو 1.5 مليار دولار.
وأوضحت أنه مع خفض نسبة المكون الإسرائيلي، ستقل الحاجة إلى المدخلات من إسرائيل بدون التأثير على الصادرات، والتي بلغت ذروتها، ولم تعد تستطيع أن تضيف طاقات أخرى في الفترة الأخيرة.
ولفتت إلى أن هذا هو أحد أبرز الأسباب التي دفعت إسرائيل وأمريكا للاستجابة إلى طلب مصر المتكرر بتخفيض نسبة المكون، ولم تصدر منهم الموافقة إلا بعد أن تأكدوا من عدم التأثير على الصادرات الإسرائيلية بهذا الخفض.
سيناء الثمن
وبوضوح وبلا مواربة، تكاد تجمع الدوائر السياسية والعسكرية الغربية، على أن ثمن مواقف السيسي مع إسرائيل تبدو مفهومة، وتاتي ضمن الثمن السياسي الذي سيدفع من مصر، مقابل الدعم الإسرائيلي للسيسي، وصولا لإسقاط الديون المصرية التي تثقل النظام الاقتصادي بمصر، ومحفزات الكويز والممر البري الخليجي الإسرائئيلي وغيره مما سيكشف عنه لاحقا.
ووفقا لـ ألفونس بيريز ونيكولا شيرير، في تحليل بمنصة “أوبن ديموكراسي” الإعلامية الدولية (openDemocracy)، فإن ديون مصر سلاح إسرائيل الأخير ضد فلسطين، وربما تقبل القاهرة في حالتين بتهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء مقابل شطب هذه الديون.
وقال بيريز وشيرير: إنه “في أواخر أكتوبر الماضي، نشرت صحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية وثيقة مسربة كتبها وزير المخابرات الإسرائيلية جيلا جمالائيل تقترح نقل سكان غزة 2.4 مليون نسمة إلى سيناء مصر كحل سيؤدي إلى نتائج استراتيجية إيجابية طويلة المدى”.
وأضافا أنه “يبدو أن تل أبيب تجري محادثات مع عبد الفتاح السيسي بشأن استقبال مصر لسكان غزة وتوطينهم في سيناء، مقابل شطب كل ديونها للبنك الدولي”
وبحسب بيريز وشيرير، فإن مسعى تل أبيب “قد يعني أن الحكومة الإسرائيلية ستتحمل ديون مصر المستحقة للدائنين متعددي الأطراف مثل البنك وصندوق النقد الدوليين، بدعم من الولايات المتحدة، ستقنع الدول الغربية المتحالفة بشطب الديون المستحقة لمؤسساتها لدى مصر”.
وتابعا: كما أنه خلال جولته بالمنطقة في أكتوبر الماضي، اقتراح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن على الحكومة المصرية تمويل مدينة خيام في سيناء ستتحول لاحقا إلى مبان سكنية.
وشددا على أن فتح أبواب مصر أمام السكان الفلسطينيين بحجة المساعدات الإنسانية يحجب الهدف الحقيقي للحكومة الإسرائيلية، وهو التطهير العرقي واستعمار الأراضي مقابل شطب ديون مصر.
ولعل الكثير من الآراء الاستراتيجية تذهب لتلك النتيجة، في ظل انهيار تام للاقتصاد المصري، بلا أفق للإصلاح، مع استعدادات مسبقة من السيسي ونظامه، بتجريد سيناء من المساكن والسكان الأصليين وتهجيرهم وإقامة منطقة عازلة وإقامة مشاريع تنموية تخدم مخطط صفقة القرن منذ العام 2017.
يشار إلى أن ديون مصر الخارجية تصل لنحو 167 مليار دولار، تبتلع فوائد حدمة الدين أكثر من 98% من الدخل القومي المصري، فيما يسعى السيسي لقروض جديدة وتمديد آجال الديون، ما يعني إفلاس مصر التام.