تشهد مصر خلال الأيام الماضية حملة ممنهجة واسعة تضمنت الاستعداء على اللاجئين في مصر، وخاصة السوريين والسودانيين، وتشويه سمعتهم والادعاء بأنهم سبب الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها مصر.
الحملة اتخذت منهجا مختلفا؛ بالضرب في إعلاميين مقربين من قيادة الانقلاب هما عمرو أديب وزوجته، لصالح أحمد موسى، الأكثر قربا من الجهات الأمنية. وذلك عبر الادعاء بأن أديب وزوجته يدافعان عن اللاجئين ويضران بمصالح مصر لأنه حصل على الجنسية السعودية ولا تهمه مصر!
وشملت الحملة استجلاب مواقف حقيقية أو مصطنعة لتهييج الرأي العام ضد اللاجئين وكأنه تمهيد نحو دفع اللاجئين للقبول بجباية حكومة المنقلب السيسي، المستحدثة، بإرغام اللاجئين والمقيمين بمصر من الأجانب بدفع 1000 دولار لتوفيق أوضاعهم، وهو الأمر غير المعمول به في أي دولة من دول العالم، سواء الغنية أو الفقيرة، حيث شهدت الفترة الأخيرة حملات ممنهجة من قبل كتائب السيسي الإلكترونية، والمقربين من الجيش الإلكتروني الذي تديره الأجهزة الأمنية، ونشطاء مغمورون شاركوا في حملات رفض مقاطعة الشركات
الداعمة لإسرائيل مؤخرا.
وقد دعت تلك الحملات لطرد السوريين من مصر، وتحميلهم سبب الأزمة الاقتصادية بمصر، وأنهم سبب الغلاء والفقر المدقع الذي يعيشه المصريون.
ودعت لجان السيسي الإلكترونية إلى مقاطعة المنتجات والمحال السورية، وإبعادهم على وجه السرعة.
انطلقت الدعوات من شخصيات غير معروفة، سبق لبعضها المشاركة في حملات مضادة لمقاطعة بضائع الشركات الغربية الداعمة للعدوان الإسرائيلي على غزة، وأخرى تحمل شعار “تحيا مصر” لدعم عبد الفتاح السيسي، محملين السوريين توابع الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الدولة.
وأطلق الداعون للمقاطعة وسم” #ارجع_ياسوري_ابنِ_بلدك و#ترحيل_اللاجئين_مطلب_وطني و #مصر_للمصريين و #مقاطعة_محلات_السوريين و # توطين_اللاجئين_نكبة و #مش_هشتري _غير _من_المصري.
وركزت بعض الحسابات حديثة العهد، تحمل التعليقات نفسها، وتردد وسم بشعار #تحيا_مصر و#مصر_تخوض_حرب_وجود، تبث دعاية للسيسي، وتروج لأنشطة الحكومة.
وانتشرت بعض التعليقات التي تدعو إلى وضع مصلحة مصر في المقام الأول، تطالب بإقصاء السوريين والعرب كافة، في إطار “مبادرة إنقاذ وطني” و”حملة شعبية لوطن بلا لاجئين”، للحفاظ على الهوية المصرية، مع تعريفات لأشخاصهم مرفقة برسومات فرعونية، مع تحميلهم مسؤولية ما تعانيه البلاد من أزمات اقتصادية.
السر في الألف دولار
ويأتي توقيت حملات مناهضة وجود اللاجئين بمصر، متزامنة مع القرار الحكومي الجديد الذي يعتبره مراقبون جباية جديدة وإتاوة تفرضها الحكومة على الضعفاء والمعوزين من اللاجئين.
حيث ألزمت الحكومة المصرية السوريين وجميع المقيمين بالداخل بتوفيق أوضاعهم خلال عام 2024، بإصدار قرارات حكومية نهاية 2023، بسداد 1000 دولار مقابل تجديد الإقامة للفرد، وإلغاء دخول أبنائهم للمدارس والجامعات بمصروفات محلية، ومعاملتهم كالأجانب بمختلف الخدمات، بما يلزمهم بالدفع بالجنيه الإسترليني أو الدولار بالمؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة، مع إلغاء الخدمات الطبية والتسهيلات التي تقدم منذ عقود مجانا للسوريين والسودانيين دون غيرهم.
وسبق ذلك، قرارات عنترية من السيسي بوقف تراخيص محلات وشركات السوريين، وتصعيب إجراءات عملهم في مصر.
القرارات المفاجئة أججت مخاوف السوريين الذين قدموا للبلاد، وقت اندلاع الحرب الأهلية، تاركين أموالهم خلفهم، في وقت تصاعدت فيه معدلات التضخم والأسعار، ولا يقدرون على تحمل تكلفة المعيشة بمصر أو العودة إلى بلدهم.
تدفع الرسوم الحكومية وغلاء الأسعار التي ستطبق على السوريين وغيرهم، اعتبارا من الشهر الجاري، آلاف اللاجئين للعودة إلى سورية، أو السفر إلى ليبيا، بحثا عن فرص العمل وتحسين الدخل، على النقيض من ذلك، انتشرت في الأسابيع الأخيرة مطالب سوريين ممن هاجروا إلى ألمانيا والسويد وتركيا وأوروبا، وحصلوا على جنسيات غربية، بالسفر إلى مصر للإقامة بصفة دائمة.
يسأل السوريون عبر مجموعات الجالية السورية في مصر المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن سبل تقنين أوضاعهم، وتبحث العائلات عن ملاذ آمن يحفظ الهوية العربية لأبنائهم الذين نشأوا بين مجتمعات غربية، غير مرحبة بالعرب، ويتعاملون معهم بعد الحصول على الجنسية على أنهم غرباء.
تلقى طلبات السوريين اهتماما واسعا من المصريين، خاصة شركات المحاماة والمكاتب الاستشارية التي توسعت مؤخرا في إنهاء إجراءات منح السوريين تأشيرة دخول للبلاد، مقابل 3 آلاف دولار، وتمكينهم من توثيق شراء العقارات والمنشآت التي تسمح لهم بإقامة دائمة، أو الحصول على الجنسية عبر الزواج من مصريين، أو وضع 300 ألف دولار بحسابات رسمية، لمدة 5 سنوات، أو الاستثمار المباشر بحد أدنى 500 ألف دولار، وفقا لقوانين صدرت مؤخرا لمنح الجنسية المصرية للأجانب.
وسط معارضة محدودة، وافق البرلمان، الأسبوع الماضي، على منح تسهيلات جديدة للأفراد والشركات الأجنبية، لشراء الأراضي بمناطق صحراوية وحدودية محظورة على غير المصريين، بالتوازي مع زيادة التسهيلات في شراء العقارات والشركات المحلية، أملا في سد النقص الخطير بالعملة الصعبة، من المستثمرين الأجانب.
ويخشى برلمانيون أن توظف أطراف صهيونية التسهيلات القانونية لصالحها، بما يمنحها فرصة الاستيلاء مباشرة، أو عبر وسطاء عرب، على أماكن استراتيجية، مؤكدين خطورة توقيت صدور القانون، في ظل حالة التوتر العسكري التي فجرها العدوان الإسرائيلي على غزة، ورغبة إسرائيل بتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وتغيير ديموغرافية المنطقة.
يتهم المتعصبون المشاركون في تلك الحملة، السوريين بأن بعضهم يشارك في تهريب الدولار للخارج، وينقل المخدرات والأدوية المحظورة إلى داخل البلاد.
يواكب الهجوم الإعلامي نشر أنباء بصحف رسمية، عن غلق مطاعم عدة مشهورة لسوريين، جنوب وغرب القاهرة، بسبب ضبط أغذية منتهية الصلاحية، وأخرى حول عمليات تهريب لمخدر الكبتاغون في عربات نقل تعمل بين مصر والدول العربية.
ويذهب سياسيون مصريون إلى أن الغيرة من السوريين وراء تلك الحملات ضد السوريين وغيرهم من الأجانب، الذين يتفوقون في المجالات الاقتصادية، ولا يستطيع الكثيرون منافستهم، بجانب أغراض آخر للنظام، بالضغط على اللاجئين من أجل تحصيل الإتاوات المالية والجبايات.
كما تأتي الحملة ضد السوريين في وقت تشهد فيه مصر أزمة في النقد الأجنبي، وارتفاعا غير مسبوق في الديون الخارجية، بينما تراجعت إيرادات النقد الأجنبي بنسبة تصل إلى نحو 17.5% خلال التسعة أشهر الأولى من 2023، وسط توقعات بتزايد حدة التراجع عقب اندلاع الحرب على غزة، وما صاحبها من تأثيرات سلبية على أنشطة حيوية مثل السياحة والاستثمارات الأجنبية.
ووفق أحدث الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري، فإن إيرادات مصر فقدت نحو 13.9 مليار دولار من 5 مصادر أساسية، هي الصادرات، وتحويلات المغتربين، والسياحة، وقناة السويس، وصافي الاستثمار الأجنبي المباشر، وذلك في أول 9 أشهر من العام الماضي، مقارنة بالمستوى الذي كانت عليه التدفقات خلال الفترة نفسها من عام 2022 وبلغت حصيلة مصر من النقد الأجنبي من تلك المصادر الخمسة نحو 65.6 مليار دولار مقابل نحو 79.6 مليار دولار في الفترة نفسها من 2022.
أعداد اللاجئين بين التهويل والحقيقة
وترصد وكالة غوث اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، استضافة مصر حوالي 460 ألف لاجئ وطالبي لجوء مسجلين من 59 دولة، استحوذ السوريون على النسبة الأكبر منهم حتى أكتوبر 2023.
عندما اندلعت الحرب الأهلية في السودان، في إبريل من العام الماضي، أصبح السودانيون الأكثر عددا، يليهم السوريون، ورعايا جنوب أفريقيا وإريتريا وإثيوبيا واليمن والصومال والعراق، ووصل عدد اللاجئين بالوكالة حتى 19 ديسمبر 2023، من السودان 198 ألفا و377 لاجئا، ومن سورية 153 ألفا و646، وجنوب السودان 37 ألفا و426، وإريتريا 31 ألفا و975، وإثيوبيا 17 ألفا و479، واليمن 8 آلاف و345، والصومال 7 آلاف و340، والعراق 5 آلاف و560، وأكثر من 50 جنسية أخرى.
بينما قال الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، على هامش مؤتمر للجهاز في 28 أغسطس الماضي: إن “الأرقام الرسمية عن أعداد اللاجئين في مصر تشير إلى نحو 9 ملايين شخص، من بينهم 4 ملايين مواطن سوداني، يليهم 1.5 مليون مواطن سوري، وفق آخر رصد قبل الأزمة السودانية الأخيرة، لافتا إلى أن العدد قد يزيد بنحو مليوني لاجئ إضافي، بسبب الأزمة السودانية”.
لكن انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع محلية إحصاءات تفيد بأن إجمالي عدد العرب المقيمين يصل إلى نحو 16.48 مليون شخص، منهم 5.5 ملايين سوري، و2.2 مليون عراقي، و1.7 مليون يمني، و4.3 ملايين سوداني، و3 ملايين فلسطيني.
ويعيش 74% من اللاجئين في العاصمة القاهرة والمدن الملتصقة بها، تليها محافظات الإسكندرية ، ثم الشرقية ، ودمياط والدقهلية بدلتا النيل ، ومدن قناة السويس .
ومع افتقارهم إلى دخل ثابت، إلى جانب زيادة التضخم، تؤكد وكالة غوث اللاجئين حاجتهم إلى فرص كسب الرزق، والتعليم الرسمي المستدام، والدعم الطبي أو النفسي والاجتماعي.
ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أن حجم الاستثمارات السورية المسجلة في مصر عام 2017، بلغت 880 مليون دولار، منوها بوجود أكثرها خارج النطاق الرسمي، وتسجيل بعضها بأسماء مصريين، لصعوبة في الإجراءات، ويستثمر السوريون في مصانع الملابس والبلاستيك والمواد الغذائية والأثاث، بالإضافة إلى المطاعم.
وهكذا تتلاعب حكومة السيسي بمعاناة اللاجئين لتبرئة ساحتها من الفشل الاقتصادي والأزمات المتفاقمة، أو تحصيل الدولارات من الأجانب.