في الوقت الذي ترحب فيه معظم دول العالم بمحاكمة الاحتلال الصهيوني على جرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها في قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر الماضي والتي راح ضحيتها أكثر من 30 ألف شهيد ومفقود فلسطيني، بالإضافة إلى نحو 50 ألف جريح بجانب تدمير أكثر من 70% من مباني القطاع وتشريد أكثر من مليون ونصف المليون من السكان، وذلك في الدعوى التي تقدمت بها دولة جنوب أفريقيا، يلتزم الحكام العرب الخونة والمجرمون في حق شعوبهم الصمت، وكأن على رؤوسهم الطير، لأن هؤلاء الحكام الخونة “على رأسهم بطحة” فلا يوجد حاكم عربي إلا وارتكب آلاف الجرائم والانتهاكات الحقوقية ضد شعبه ويكفي قتل المعتصمين في ميدان رابعة وكسح الجثث بالجرافات في مشهد لا ينساه العالم كله، بجانب اعتقال أكثر من 60 ألف مصري بدون أي اتهامات أو بجرائم ملفقة منذ أكثر من 10 سنوات وكذلك إعدام المئات.
كانت محكمة العدل الدولية قد عقدت أولى جلساتها اليوم الخميس، بعد الاستماع لمرافعة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
وتلت رئيسة المحكمة القاضية الأمريكية جوان دونوجو قائمة بالمسائل الإجرائية التي ستتخدها المحكمة في نظر الدعوى بمشاركة قاضيين من جنوب أفريقيا وإسرائيل، وذلك لضمان النزاهة والشفافية على حد تعبيرها.
وتطالب جنوب أفريقيا إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في قطاع غزة فورا، مقدمة مجموعة من المؤشرات بشأن هذه العمليات وكيف أنها ترقى لإبادة جماعية.
وقال الفريق القانوني لجنوب أفريقيا: إن “إسرئيل تكثف جرائمها ضد الفلسطينيين منذ عام 1948، وإنها تخضع الفلسطينيين لنظام فصل عنصري، معربا عن أسفه لأن المجتمع الدولي فشل في منع الإبادة الجماعية في غزة”.
وأشار إلى أن أفعال الصهاينة في حرب غزة، تشير إلى نية ارتكاب إبادة، وإن آلاف العائلات في غزة قتلت بالكامل ولم يبق منها أي فرد على قيد الحياة.
وأضاف الفريق القانوني أن دولة الاحتلال تتعمد خلق ظروف تحرم الفلسطينيين من المأوى والمياه النظيفة، كما أنها فرضت عن عمد ظروفا في غزة لعدم السماح بالعيش والتدمير الجسدي للفلسطينيين.
منظمة العفو الدولية
في هذا السياق اعتبرت منظمة العفو الدولية جلسات استماع محكمة العدل الدولية بشأن انتهاكات دولة الاحتلال لاتفاقية الإبادة الجماعية، خطوة ضرورية للمساعدة في حماية المدنيين الفلسطينيين.
وقالت المنظمة: إن “المداولات بوسعها المساعدة في حماية المدنيين الفلسطينيين، وإنهاء الكارثة الإنسانية في قطاع غزة المحتل، وتوفير بصيص أمل بتحقيق العدالة الدولية”.
وأضافت، إن ثمّة مؤشرات ونذرا مقلقة بالنظر إلى حجم الموت والدمار الهائل، حيث قُتل أكثر من 23 ألف فلسطيني في غضون 3 أشهر وفُقد 10 آلاف آخرون تحت الأنقاض، يُرجح أنهم قُتلوا أيضا، فضلا عن التصاعد المروع في الخطاب العنصري الذي يجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم من قِبل بعض المسؤولين الحكوميين والعسكريين الصهاينة .
وأشارت المنظمة إلى أن كل هذا جاء مقترنا بفرض دولة الاحتلال حصارا غير قانوني على غزة، مما أدى إلى منع أو تقييد وصول السكان المدنيين إلى المياه والغذاء والمساعدة الطبية والوقود، وهذا يُلحق مستويات لا يمكن تخيلها من المعاناة، ويعرّض بقاء الموجودين داخل غزة للخطر .
جرائم إبادة
وقال الدكتور محمود الحنفي أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان: إن “هذه الخطوة تأتي من جنوب أفريقيا، لأنها عاشت أطول تجربة نظام فصل عنصري استمر لمدة 46 عاما، بدأ عام 1948 وانتهى عام 1994، وذلك بعد حملة طويلة وشاقة من المقاومة من قبل حركة الحقوق المدنية، وهي بهذا المعنى تدرك تماما معنى أن يعيش الشعب الفلسطيني في غزة تحت نظام فصل عنصري وحصار غير قانوني وجرائم حرب متواصلة، وهي تتضامن أخلاقيا مع نضال الشعب الفلسطيني لتقرير مصيره”.
وأكد الحنفي في تصريحات صحفية أن جنوب أفريقيا دولة بعيدة عن حدود دولة الاحتلال، وهي ليست ذات مصلحة مباشرة، كما هو الحال فيما لو فعلت ذلك الأردن، أو مصر أو سوريا أو السلطة الفلسطينية مثلا، مشددا على أن هذه المعطيات مهمة جدا في تأكيد مصداقية دولة جنوب أفريقيا.
وأشار إلى إن جرائم الاحتلال الصهيونى في غزة موصوفة ومتكاملة جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم إبادة، كما أن التصريحات التي صدرت عن مسؤولين صهاينة والتي سبقت ورافقت الحرب على غزة واضحة جدا، وقد هيأت الظروف لارتكاب هذه الجرائم، وهي تشكل ركن النية لارتكاب جريمة الإبادة، مؤكدا أن جنوب أفريقيا أعدت هذا الملف لكي تحقق إنجازا حقيقيا لملاحقة ومحاسبة قادة الاحتلال كهدف مباشر، وكي تضع المجتمع الدولي عند مسؤولياته كهدف غير مباشر.
وقف الحرب
وأوضح الحنفىي أن سبب اللجوء إلى محكمة العدل هو رفض، أو تقاعس، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان عن، إدانة دولة الاحتلال، وإصدار مذكرات توقيف بحق قادة صهيانة، كما فعل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال فترة زمنية قياسية.
وأضاف، إن نزاهة وجدية القضاة في محكمة العدل الدولية مشهودة، وهم يعملون بشكل مهني تام، حتى وإن كان من بينهم قاض أمريكي، فقد سبق أن أدانت هذه المحكمة من خلال الرأي الاستشاري دولة الاحتلال في قضية جدار الفصل العنصري عام 2004، رغم كل محاولات التشويش والصراخ التي قامت بها إسرائيل آنذاك.
وتوقع الحنفى أن تطلب محكمة العدل الدولية من إسرائيل وقف الحرب على غزة مع بدء جلسات المحاكمة، وإذا رفضت فسوف تحيل الأمر إلى مجلس الأمن الدولي، عندها لن تستطيع الولايات المتحدة استخدام الفيتو، لأن ذلك سيكون محرجا جدا لها.
وشدد على أن دولة جنوب أفريقيا تخوض المعركة القانونية ضد إسرائيل منفردة، لكنها تخوضها بثقة بالنفس واستنادا إلى دلائل دامغة على ارتكاب جرائم الإبادة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، معربا عن اندهاشه لعدم انضمام أية دولة عربية أو إسلامية لجنوب أفريقيا، حتى من تلك الدول الأطراف في اتفاقية مناهضة الإبادة الجماعية.
ضغوط أمريكية
وقال الدكتور أحمد جميل عزم أستاذ الشؤون الدولية في جامعة قطر: إن “هناك إيجابية متمثلة في أن جنوب أفريقيا هي التي رفعت الدعوى ضد إسرائيل بمحكمة العدل الدولية، موضحا أن الإيجابية نابعة من كون جنوب أفريقيا دولة غير عربية، مما يظهر أن القضية ليست مجرد طرف عربي ضد طرف إسرائيلي، إضافة إلى أن جنوب أفريقيا لديها خبرة وتجربة مهمة جدا في مسألة اللجوء إلى القانون الدولي”.
وأكد عزم في تصريحات صحفية أن ذلك لا يمنع صفة السلبية والاستغراب من عدم استنفاد الدول العربية كل الأدوات القانونية والدبلوماسية المتاحة، من أجل الحصول على الحقوق العربية.
وكشف أن الولايات المتحدة مارست في الماضي ضغوطا كبيرة على الفلسطينيين، حتى لا يذهبوا إلى القانون الدولي، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قال للرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما اتجهت فلسطين إلى الأمم المتحدة للحصول على عضوية منظمات دولية والدخول في اتفاقات دولية “أنت كمن يستخدم قنبلة نووية” وهو يقصد أن هناك تحفظات أمريكية تمنع الفلسطينيين والعرب من اللجوء إلى القانون الدولي والمنظمات الدولية، ومنع عضوية فلسطين حتى في الأطر الدولية.
المستوطنات
وأضاف عزم، بالعودة إلى موضوع اليونيسكو على سبيل المثال ومنظمات أخرى، سنجد أن الولايات المتحدة قامت بالانسحاب منها وتجميد عضويتها فيها ردا على قبول المنظمة عضوية فلسطين، وبالتالي تقدم واشنطن أيضا الحماية القانونية والسياسية لإسرائيل، وليس الدعم العسكري فقط، مؤكدا أنه انطلاقا من ذلك، مارست أمريكا ضغطا كبيرا على الدول العربية، حتى لا تلجأ إلى القانون الدولي أو المنظمات الدولية.
وأشار عزم إلى أن أوباما وافق في نهاية عهده على طرح مشروع قانون يدين المستوطنات، وهو القرار الذي صدر برقم 2334 في وقت حاول فيه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي كان قد فاز بالانتخابات، ولم يتسلم موقعه بعد أن يقنع إدارة أوباما بأن ترفض القرار وتستخدم حق النقض (الفيتو)، لكن إدارة أوباما لم تستجب فطلب ترامب في ذلك الوقت من عبد الفتاح السيسي أن تسحب مصر مشروع القرار، مقابل وعد بأنه ستكون هناك محاولة لحل شامل للقضية الفلسطينية وتحسين العلاقات الأمريكية المصرية.