بعد ساعات من التعويم وزيادة سعر الدولار مقابل الجنيه بالبنك المركزي إلى 50.75 أعلنت حكومة السيسي توقيع القرض الجديد السادس من نوعه مع صندوق النقد الدولي ضمن سباق”كل دقيقة قرارات اقتصادية جديدة”! وهو ما سبق واعلنت عكسه منصات محلية في 6 ديسمبر الماضي من تخلي مديرة صندوق النقد الدولي كريستينا جورجيفا عن طلب تعويم الجنيه؟!
وتحدثت عن استعداد الصندوق لدعم مصر وهو ما فهموا منه ذلك وقتها حيث قالت: “لقد طُلب منا مساعدة مصر في استهداف التضخم وهو أمر حكيم للغاية، لأن التضخم هو عدو الفقراء لكن التأخير في التنفيذ الكامل أدى إلى تأجيل مراجعتين مهمتين للبرنامج وعرقل الاستثمار الأجنبي”.
اليوم، الأربعاء 6 مارس، قالت رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، إيفانا فلادكوفا هولار، خلال مؤتمر صحفي مع رئيس حكومة السيسي ووزير ماليته ورئيس البنك المركزي إن عناصر الاتفاق هي: تحرير سعر الصرف، والتشديد النقدي، وإصلاح المالية العامة من خلال ترشيد الإعفاءات الضريبية للجهات الحكومية وتخفيض الاستثمارات العامة في البنية التحتية ودعم الإنفاق الاجتماعي.
وشددت هولار إلى أن الاتفاق يشمل إبطاء الإنفاق على البنية التحتية، بما في ذلك المشاريع «التي كانت حتى الآن تعمل خارج نطاق الإشراف المالي العادي»، بحسب هولار.
وأشارت إلى موافقة السلطات (حكومة السيسي) على ضرورة توفير مستويات كافية من الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الضعيفة، تمثلّت في توسيع برنامج تكافل وكرامة، وحزمة إضافية أقرّها عبد الفتاح السيسي، الشهر الماضي، بقيمة 180 مليار جنيه للحماية الاجتماعية.
ومنذ ذلك رفع الحد الأدني للاجور إلى 6 آلاف جنيه ويبدو أن القرار لم يتخط المؤتمر الذي شهد طرش السيسي له فقط حيث خرجت مظاهرات في المحلة وأسيوط ومدينتي لعمال يرغبون في رفع الحد الأدنى للأجور عن 3 آلاف جنيه يتقاضونها في معظمهم بل تقل عن ذلك وهي أقل من 50 دولار شهريا.
خاضت مصر مفاوضات طويلة مع صندوق النقد الدولي منذ بداية 2023، في أثناء إجراء المراجعة الأولى لبرنامج الصندوق مع مصر، والتي تأخرت عامًا كاملًا، بالتوازي مع مفاوضات لزيادة قيمة القرض.
وفي 14 يونيو 2023، قال السيسي إن “مصر تتمتع بمرونة سعر الصرف، لكن عندما يتعرض الأمر لأمن مصر القومي والشعب المصري يضيع فيها.. لأ، عندما يكون تأثير سعر الصرف على حياة المصريين وممكن يضيعهم إحنا ما نقعدش في مكاننا”!
وجاء التوقيع على الاتفاق بعد ساعات قليلة من تعويم قيمة الجنيه، ليصل في المركزي 50 جنيها مقابل الدولار يفترض أنه تحرير مرن إلا أنه سمح للمستوردين بسعر 52 جنيه للدولار وهو ما يعني أن التحرير مدار من البنك المركزي وليس مرنا كما أدعى بعد رفع سعر الفائدة 6% دُفعة واحدة.
ووعد رئيس حكومة السيسي بالمقابل أنه بعد حصول مصر على الموافقة النهائية على القرض، ستتقدم لـ«تسهيل الصلابة والاستدامة» التابع لـ«الصندوق»، والمضطلع بتوفير التمويل طويل الأجل للحد من المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، للحصول على قرض آخر بقيمة مليار أو 1.2 مليار دولار، ليصبح الإجمالي 9.2 مليار دولار.
كان ذلك أحد النقاط التي أشار إليها مدبولي، اليوم، مؤكدًا أثناء المؤتمر أن الدولة قيّدت المشاريع الاستثمارية من جميع جهات الدولة بما لا يتجاوز تريليون جنيه.!
من 10 إلى 8 مليار
وفي 1 فبراير قدرت “بلومبرج” إجمالي حزمة التمويل بنحو 10 مليارات دولار، بزيادة كبيرة عن حجم القرض الأصلي الذي وقعت عليه مصر مع الصندوق في 2022 وحصلت على دفعة فورية منه، قبل أن يتوقف صرف باقي الدفعات مع تأخر الإصلاحات التي كانت تعهدت بها.
إحدى الأولويات التي بُني عليها البرنامج، منذ 2022، هي التضخم المرتفع للغاية، الذي يهدف البرنامج إلى معالجته، وصولًا إلى نسب نمو تفوق 5-6%، عن طريق إعطاء دور أكبر للقطاع الخاص، بالتوازي مع توسيع برامج الحماية الاجتماعية، بحسب أزعور.
وقال الخبير الاقتصادي ببنك جولدمان ساكس، فاروق سوسة، قال لـ«بلومبرج» إن استراتيجية السلطات المصرية المفضلة هي السيطرة على معدل الصرف الموازي قبل توحيد سعر الصرف. «هذا يعني خفض الطلب على الدولار من خلال سياسات أكثر صرامة، وزيادة العرض من خلال الاقتراض الخارجي. عندما يكون معدل الصرف الموازي على مستوى أقل تهورًا، يصبح توحيد العملة أسهل من خلال التخفيض».
لكن مصر تواجه مشكلات كبيرة في التجارة والسياحة والاستثمار الأجنبي، ازدادت تأزمًا مع العدوان الإسرائيلي على غزة، الذي أدى إلى انخفاض إيرادات قناة السويس، وهبوط نسبي في العوائد السياحية، فضلًا عن تأثر الصادرات بالقيود الحالية على الواردات التي تسببت فيها أزمة العملة.
وفي حين تعهدت مصر للصندوق عند التوصل للاتفاق باعتماد سعر صرف مرن، ظل السعر الرسمي دون تغيير تقريبًا منذ نحو عام، عند 30.93 جنيه للدولار تقريبًا، فيما استمرت قفزات الدولار في السوق الموازية ليصل إلى ما يزيد على 70 جنيهًا، بعد أشهر من استبعاد الرئيس، عبد الفتاح السيسي، إمكانية خفض جديد في قيمة العملة.
القرض والبورصة
قرار صندوق النقد لم يغير أحوال سوق الأوراق المالية إلا إلى الأسوأ كما فعل ذلك التعويم أسوة بالخسارة التي حققتها البورصة عند الإعلان عن صفقة رأس الحكم قبل أيام ومنيت البورصة في اليوم ذاته بخسارة 140 مليار جنيه.
ومُنيت البورصة الأربعاء، بخسائر كبيرة، إذ تراجع رأس المال السوقي خلال التعاملات بقيمة 48 مليار جنيه، ليغلق عند مستوى 2 تريليون و79 مليارًا و800 مليون جنيه، ليفقد بذلك نحو 130 مليار جنيه خلال النصف الثاني من جلسة التداولات، بعد مكاسب ملحوظة حققها السوق في بداية التعاملات، وذلك بضغط من مبيعات المؤسسات المحلية التي سجلت صافي مبيعات بقيمة 425 مليون جنيه.
ونقلت مدى مصر عن محلل في قسم البحوث في إحدى شركات الوساطة، أن التراجع الكبير في أداء البورصة جاء على خلفية التأثير المباشر لرفع سعر الفائدة، والإعلان عن طرح أداة ادخارية مرتفعة العائد من بنكي مصر والأهلي.
ونقلت أيضا عنه أن “رفع سعر الفائدة بهذه النسبة التاريخية (6%) يعني ارتفاعًا قياسيًا أيضًا في أسعار الفائدة على القروض الاستثمارية، وهو مؤشر سلبي للغاية بالنسبة للشركات وبالتالي أسهمها». لكنه من ناحية أخرى، كان ضروريًا، للحد من نزوح السيولة إلى أوعية أخرى”.