فى اليوم العالمى للمرأة.. “نساء فى حياتي”

- ‎فيمقالات

جدتى لأبي، اسمها «زينب عربيَّة»، ويبدو من لقبها -ولم أكن فى صغرى مهتمًّا بالأنساب والأصول كما الآن- أنها من أصل عربىّ بالفعل، كانت هيئتها الجسمية وتكوينها النفسى عربيين نجديين، يشعرانك بأنك أمام رجل صلب، لا تفعل به الحوادث والأيام ما تفعله بالآخرين.

عمّرت حتى تزوّج أحفادها، وربما تخطت المائة، ولم يسودّ شعر رأسها -وهذا ما ورّثته لى إذ ابيضت لحيتى كلها وبقى شعر رأسى أسود داكنًا- ولم تفقد ولو جزءًا من ذاكرتها، ولم تتخلّ يومًا عن عنادها وصدعها بالحق لا تتبين مَنْ أمامها، رجلًا أو امرأة، عظيمًا أو حقيرًا، ولم تتخلّ كذلك عن عاطفة جياشة، إن أحبّت بذلت كل ما تملك، وإن كرهت -لأسباب تستحق الكراهية بالفعل- أفسدت على من تكره حياته أو حياتها.

كانت، رحمها الله، جبلًا فى صورة إنسان، قلّما تمرض، فإذا مرضت فغالبًا تكون حُمى تزفزفها لساعات حتى نظن أنها هالكة، لكن سرعان ما نأتى لها بالعلاج الذى لا تُشفى إلا به، بعد شفاء الله تعالى، وهو عبارة عن «دكر بط» و«كوب من السمن البلدى الخالص»، فما إن تنتهى منهما حتى تغفو قليلًا ثم تستيقظ كأنها لم تمرض لحظة.

وبما أن لكل مخلوق سببًا لهلاكه، فقد كان سبب فقدها لتلك القوة النفسية والجسدية العجيبة، هو موت والدى، كان وحيدها، ورحل فى سنٍّ صغيرة، فابيضت عيناها من الحزن (مياه بيضاء)، ورفضت أن تُعالج، وزادت فى البكاء والنحيب حتى ازرقت العينان (جلوكوما)، ثم عميت، رحمها الله، وعمّرت على هذه الحال بعد موت الوالد نحوًا من خمسة عشر عامًا، تنوح فى النوم واليقظة وبالليل والنهار لا تتوقف لحظة عن ذكره ونعيه..

ماتت الأصيلة، كريمة أحد العلماء، ولمّا أعلم بموتها إلا بعد دفنها بأيام، لم يرد إخوتى فجيعتى فيها، كنتُ أبرها برّ الابن لأمه رغم بُعدى عنها، وكانت هى أيضًا بارّة بى؛ إذ كنت أثيرها، من تشكو إليه همومها وتسعد حين أكون بجوارها.

اللهم وسّع لها فى قبرها مدّ بصرها، وكافئها بموت وحيدها وفقد حبيبتيها صحبة نبيك فى الجنة، والسقيا من يديه شربة لا تظمأ بعدها أبدًا. آمين.