“إذا فسدت الرأس فسد الجسد” تلك المقولة التاريخية المطبقة بقوة في زمن السيسي، بمصر، ففي ظل الفهلوة وغياب الرقابة وغياب دراسات الجدوى، ورؤية السيسي الذي يتحدث مع الله، والذي يُشبّه نفسه بني الله سليمان، تفشى الفساد بقوة في جميع أعماق وزارات مصر وهيئاتها، مُهدرة مليارات الجنيهات على المصريين، ومضيعة فرص الارتقاء والتقدم بمصر.
ففي مطلع مارس الجاري، كشفت النيابة العامة المصرية عن حجم الاستيلاء والتربح الذي حققه مستشار وزير التموين والعضو المنتدب التجاري بشركة النيل للمجمعات الاستهلاكية، و35 متهما آخرين بقضية فساد وزارة التموين الكبرى المتعلقة بـالسكر، والاستيلاء عليه وبيعه في السوق السوداء بالمخالفة للقانون.
وادعى ممثل النيابة العامة خلال جلسة محاكمة المتهمين، السبت الماضي، والتي تم تأجيلها إلى جلسة 4 إبريل المقبل، أن حجم الاستيلاء والتربح الذي تسبب فيه، وحققه المتهمون في القضية بلغ نحو 1.5 مليار جنيه.
وأضاف ممثل النيابة خلال مرافعته في ثاني جلسات نظر القضية أن النيابة العامة جمعت الأوراق وأدلة الاتهام، وفي مقدمتها تقرير هيئة الرقابة الإدارية الذي كان بلاغا أوليا، وتم التحقيق في ما جاء فيه من اتهامات بالاستيلاء والتربح على نحو 203 ملايين جنيه، وتبين أن الفساد أكبر من ذلك.
وتابع أن المتهمين جميعا قاموا بصرف السكر المدعم واستولوا عليه وباعوه لغير المستحقين في السوق السوداء مستغلين سلطان وظائفهم، حيث دبروا وفكروا وحصروا السلع على المواطنين، وتربحوا من ورائها.
وأكمل أن المتهمين تركوا الطريق المستقيم وقاموا بصرف أكثر من 29 مليون كليو سكر بلغت قيمتها نحو 800 مليون جنيه، وباعوها في السوق السوداء محققين أرباحا قدرت بنحو 700 مليون جنيه، وهو فارق السعر بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء.
حملت القضية الرقم 329 لسنة 2024 جنايات الموسكي، وقيدت تحت رقم 10 لسنة 2024 كلي وسط القاهرة، وبرقم 8 لسنة 2024 جنايات أموال عامة عليا، وجرى التحقيق فيها تحت إشراف المستشار معتز الحميلي، المحامي العام الأول لنيابة الأموال العامة العليا.
ووجهت النيابة إلى المتهمين في قرار إحالتهم إلى المحاكمة أنهم، ومن بينهم مستشار وزير التموين ومدير مشروع جمعيتي بشركة النيل للمجمعات الاستهلاكية، أنهم بصفتهم موظفين عموميين وآخرين حصلوا لأنفسهم ولغيرهم من دون حق على ربح من عمل من أعمال وظيفتهم.
حيث إنهم استغلوا اختصاصات وظيفتهم في صرف سلعة السكر التموينية تزيد عن المقرر صرفه بموجب القرارات الوزارية، التي توجب ربط صرفها بأعداد المستفيدين من العملاء المقيدين بمنظومة التموين المتعاملين مع منافذ مشروع جمعيتي التابع للشركة، واستولوا عليها وباعوها بالسوق السوداء.
فساد “مصر للطيران”
ومن السكر وفساد وزارة التموين، إلى فساد شركة مصر للطيران، حيث أعلنت هيئة الرقابة الإدارية أمس الخميس، القبض على 18 مسؤولا بشركة مصر للطيران التابعة لوزارة الطيران المدني، بتهمة ارتكاب جرائم الإتجار بالعملة والاختلاس والتربح والإضرار بالمال العام، في إطار جهود منع ومكافحة الفساد ورصد الممارسات غير المشروعة بالتعامل بالنقد الأجنبي خارج القطاع المصرفي.
وقالت الهيئة، في بيان: إن “أعمال متابعة عوائد الدولة من تحصيل رسوم الخدمات المقدمة للمسافرين على خطوط شركة الطيران الوطنية، أسفرت عن وجود تلاعب في العملات الأجنبية الواجب تحصيلها من تلك الخدمات، إثر اتفاق 18 من المسؤولين عن خزينة الشركة على اختلاس العملات الأجنبية المسددة من المسافرين بقيمة بلغت نحو مليون دولار، وطرحها للبيع في السوق الموازية، وإيداعها في الخزينة بالعملة المحلية بعد الحصول على مكاسب مالية تمثلت في قيمة الفارق بين السعر الرسمي والموازي”.
وأضافت الهيئة أنه بإجراء التحريات والتنسيق مع وزارة الطيران المدني، وبالعرض على النائب العام، المستشار محمد شوقي عياد، أصدر الأخير قرارا بضبط المتهمين، وبتفتيشهم عُثر بحوزتهم على مبالغ مالية بعملات مختلفة، في حين أصدرت النيابة العامة قرارا بحبسهم جميعا احتياطيا إلى حين استكمال التحقيقات في القضية.
من الصحة إلى الجمارك ومياه الشرب
ومنذ تفجر قضية فساد وزارة الصحة التي طالت أسرة الوزيرة هالة زايد، والتي كشفت عنها هيئة الرقابة الإدارية في أكتوبر 2021، خفت نجم الهيئة الحكومية التي يعمل فيها مصطفى السيسي، نجل عبدالفتاح السيسي.
ولكن ومع نهاية العام الماضي، مع فوز السيسي، بفترة رئاسية ثالثة تمنحه حكم البلاد حتى 2030، تفجرت عدة قضايا فساد كشفت عنها الهيئة، وتمس قطاعات حيوية في وزارت المالية والعدل والتموين والإسكان.
وهو الأمر الذي يثير التساؤلات بشأن ما قد يكون خلف الكشف عن تلك القضايا الآن من رسائل، بأن نظام السيسي في ولايته الجديدة سيقوم بمحاربة الفساد، وذلك إلى جانب تلميع هيئة الرقابة الإدارية ودور نجل السيسي مرة أخرى.
وفي 4 يناير الجاري، أحالت نيابة أمن الدولة العليا عددا من المسؤولين في قضية فساد متهم فيها مدير إدارة الكسب غير المشروع بوزارة العدل، ومدير عام الإيداعات والشؤون الجمركية بمصلحة الجمارك بوزارة المالية، و5 آخرون بينهم رجال أعمال.
وذلك في اتهامهم بتسريب معلومات من جهاز الكسب غير المشروع، وتهريب سلع للخارج بالمخالفة للقانون، واستغلال النفوذ، والتربح بعشرات الملايين من الجنيهات، وتلقي رشاوى مالية بنحو مليوني جنيه مقابل ذلك، فيما رصدت التحقيقات تهريب نحو 50 حاوية للخارج دون فحصها تتجاوز قيمتها 80 مليون جنيه بالمخالفة للقانون.
وفي قضية أخرى، كشف موقع “القاهرة 24″، تفاصيل قضية فساد حكومي كبرى جديدة، متهم فيها رئيس مجلس إدارة شركة مياه الشرب والصرف الصحي بمدينة أسوان وخمسة آخرون.
وفي التفاصيل طلب المتهم الحصول على رشاوى مالية قدرها 8 ملايين و50 ألف جنيه وسيارة ماركة “أودي”، في سبتمبر الماضي، لترسية مناقصات وأعمال بعشرات الملايين من الجنيهات، لصالح رجال أعمال، فيما طلب تسلم تلك الرشوة أمام محكمة القضاء العالي بالقاهرة لإبعاد الشبهات عنه.
كشف القليل من الفساد خطة حكومية
وعلى الرغم من فداحة قضايا الفساد المعلن عنها، مؤخرا في كل مجالات دولة السيسي، إلا أن النظام العسكري، المتحكم في مصر، يعتمد استراتيجية التضحية بالبعض لحماية الرؤوس الكبيرة، إلى جانب تلميع وجه نظام السيسي القبيح، الذي يضمن ترعرع الفساد، عبر إسناد المشاريع الكبرى بالأمر المباشر لأصدقائه وأبناء أصدقائه من العسكريين، وبلا جدوى.
تلك القضايا التي تمس أجهزة ومسؤولين في 4 وزارات مصرية دفعت الصحفي المصري جمال سلطان، للإشارة عبر “فيسبوك”، إلى أن ملف الفساد مستشري في البلاد، ملمحا إلى جريمة النظام بعزل وسجن الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة، حينما تحدث عن فساد بنحو 600 مليار جنيه في أجهزة الدولة.
وفي تقديره لما قد يكون خلف تفجير تلك القضايا الآن من رسائل يوجهها النظام للمصريين، قال رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام تكامل مصر، الباحث مصطفى خضري: “عندما يختلف اللصوص تظهر السرقة؛ حكمة قديمة متجددة، في ظل نظام نشأ وترعرع على الفساد”.
وفي تصريحات صحفية، أضاف خضري: “فالرؤوس الكبيرة تقنن لها السرقات، حتى تظن الرؤوس الصغيرة أن الطريق مفتوح أمامهم، وأن الفساد المقنن للصف الأول من النظام مباح لهم، يسرقون وهم مطمئنون، فالجميع يسرق”.
وتابع: “لكن الصف الثاني والثالث وما بعدهم يجهلون طبيعة الحكم ودهاليز السياسة، وأن السراق والفسدة من الصف الأَول للنظام؛ لا يحبون أن يزاحمهم أحد”.
وواصل: “بل إن شيوع السرقات والفساد يضرهم، ويشوشر عليهم، فينتهزون الفرص المتاحة للقبض على الصغار، ليبيضوا به وجوههم، ويغطون به على فسادهم، ويذبحون الفاسدين الصغار ككباش فداء عنهم”.
وحول ما إذا كان الهدف من الكشف عن جرائم الفساد الأخيرة هو تلميع هيئة الرقابة الإدارية ودور نجل السيسي مرة أخرى، أكد خضري، أن الرقابة الإدارية الجهة المنوط بها التحقيق، وكشف الفساد في الجهات والهيئات والشركات الحكومية.
وقال: إنه “لذلك من الطبيعي أن كل قضية فساد يتم تمريرها للقضاء؛ تكون عن طريق الرقابة الإدارية، وذلك بغض النظر عن وجود نجل السيسي بها من عدمه، فقبل التحاقه بها كانت تؤدي نفس الدور، ويتم ذكرها كلما تم صناعة قضية فساد بترتيب سياسي”.
ويرى أن “هذا لا يمنع أن وضعه في هذا المنصب بتلك الجهة؛ كان له هدف منذ البداية مثل باقي إخوته الذين تم وضعهم في جهات سيادية أخرى”.
ويبقى تلال من قضايا الفساد خافية لا يكشف عنها أحد ولا يقترب منها أحد، كقضايا فساد المخابرات والأجهزة السيادية في سيناء ومعبر رفح وتصدير السكر لليبيا والسودان عبر شركات تابعة للجيش، وكذا تصدير الأرز لليبيا عبر بارونات الفساد الكبرى.