انعكاسات كارثية لتراجع القضاء المصري بمؤشر العدالة الدولي بزمن السيسي

- ‎فيتقارير

 

“مصر هترجع لورا تلاتين سنة لو الجيش نزل” من كلمات المنقلب التخويفية، التي يحققها باقتدار اليوم ، بلا أي اعتبار لمكانة وقيمة مصر، التي لا تعني للسيسي سوى “قالو لي خد دي” أو شبة دولة أو كانت كهنة أو خردة أو أمة عوز، على حد تعبيرات السيسي المتواترة عنه عن مصر.

 

وضمن التراجعات والانهيارات التي تضرب مصر، تراجع ترتيب القضاء المصري في مؤشر العدالة العالمي لعام 2023، الذي يصدره مشروع العدالة العالمي، إذ احتلت المركز 136 من أصل 142 دولة شملها المؤشر، ولم تسبق مصر في الترتيب سوى دول نيكاراغوا والكونغو الديمقراطية وهايتي وأفغانستان وكولومبيا وفنزويلا.

 

ويعتمد مؤشر العدالة العالمية على مجموعة من المعايير، منها سيادة القانون وحقوق الإنسان، والتدخل الحكومي، ومدى توافر العدالة المدنية والجنائية، ومبادئ الشفافية واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين، والنظام الأمني، وغيرها.

 

والتزمت الهيئاتُ القضائية الرسمية المعنية في مصر، سواء المجلس الأعلى للقضاء، أو المجلس الخاص لمجلس الدولة، أو نادي القضاة، ناهيك عن وزارتي العدل والخارجية، الصمتَ حيال حصول مصر على هذا المركز المتأخر. كما لم تعبأ القوى السياسية بالتقرير.

 

وهو ما حذر منه السياسي المصري محمد البرادعي، من خطورة الأمر بالقول: إن “هذه المخاطر لا يمكن تخيلها، بشكل يستوجب وقفة تمنع تكرار هذا الأمر، الذي لا يليق بدولة بحجم مصر”.

 

ويعد الانهيار الذي مُنيت به مصر، في ترتيب القضاء كارثة بكل المقاييس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية، إذ إن غياب العدالة، يسبب تطفيش المستثمرين بل والسياح وطالبي التعليم أو الصحة، أو حتى المرور كترانزيت بمصر، وفق خبراء اقتصاد.

 

وبرأى وزير العدل السابق المستشار أحمد مكي، فإن أبرز أسباب الترتيب المتدني لمصر في مؤشر العدالة، هو مساعي السلطة للانتقاص من استقلالية القضاء، ما أدى لتراجع الثقة الشعبية في القضاء كمرفق قادر على صيانة الدستور والقانون والحفاظ على حقوق المواطنين ورفع الظلم عنهم”.

 

مضيفا، في تصريحات إعلامية، أن من بين الأسباب أيضا الضغوط الرسمية على القضاء، والطابع المسيّس للأحكام ضد المعارضين السياسيين، وأحكام الإعدامات بالجملة، والتوسع اللامحدود في الحبس الاحتياطي للمعارضين، وتحكم السلطة التنفيذية فيه عبر الامتيازات المالية والانتداب لأعضائه للعمل في مؤسسات الدولة الرسمية، فضلا عن انتشار المظالم وعجز القضاء عن التصدي لها، كلها تقف وراء هذا الترتيب المتدني لمصر في مؤشر العدالة.

 

واعتبر مكي أن تبعات تراجع الثقة في القضاء المستقل تبدو شديدة الخطورة على السلم الاجتماعي في مصر، باعتبار أن القضاء هو المرفق المنوط به الحفاظ على منظومة المجتمع القيمية، وبدونه، سينهار هذا المجتمع، وسيغيب عنه الأمان، وينتشر الفساد والانحراف.

 

وأشار إلى أن “وجود القضاء المستقل كان السبيل الأهم لبناء الحضارات تاريخيا عبر فض النزاع بين المتخاصمين، وبدون استعادة هذا الاستقلال، لن تقوم للقضاء قائمة، ولن تكون هناك أي ثمار لأي إصلاح، ولن نكون قادرين على جذب الاستثمارات الأجنبية إلا عبر استقلال القضاء وسيادة القانون، وأي نهج مخالف لهذا لن يحقق أي نتيجة”.

 

ولعل انهيار منظومة القضاء، يتسبب أيضا في تكريس حالة من عدم الثقة في هذا المرفق المهم، واستمرار غياب الثقة فيه من جانب ملايين المصريين المتشككين في قدرته على الحفاظ على حرياتهم وممتلكاتهم وحقوقهم الأساسية ومنع تغول السلطة التنفيذية عليهم، بشكل جعل قطاعا واسعا من المصريين ينظر للقضاء باعتباره قد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أذرع السلطة التنفيذية.

 

وبغياب  دور القضاء المستقل، تُزوّر الانتخابات وتُهندّس لصالح فئات معينة، قريبة من الحاكم وسلطاته، وهو ما  يسهم في إفساد الحياة السياسية وصعود شخصيات ذات قدرات محدودة لصدارة هذا المشهد، لا يملكون إلا نفاق السلطة والسير في ركابها، فضلا عن انتشار الفساد بكل أنواعه، كترجمة واقعية لغياب القضاء الحر النزيه.

 

كما أن تلك الحالة تفشل الجهود الحكومية لجذب الاستثمارات الخارجية، فلا يمكن أن تتدفق الاستثمارات الأجنبية في بلد يفتقد القضاء المستقل، وكيف يأتي المستثمر وهو لا يرى قضاء قويا قادرا على استعادة حقوقه في ظل وقوع أي خلاف مع السلطات الرسمية، وكذلك وقوف هذا المستثمر أمام صدور قرارات تحفظ على أموال رجال الأعمال المصريين، والتي تتم بجرة قلم وبدون أي أدلة واضحة تدينهم.

 

ولعل فقدان الثقة في القضاء المصري، جعل كل الجهات الدولية تصر حين تدخل في اتفاقات مع الحكومة المصرية، على أن يكون التحكيم الدولي هو جهة الفصل في أي نزاع، بشكل عزز أجواء عدم الثقة داخليا وخارجيا في القضاء المصري، بل وأطاح بسجل تاريخي سطره القضاء المصري المستقل لعقود.

 

ووفق مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد ، فإن هذا الترتيب المتدني لمصر في مؤشر العدالة، يعد نتيجة طبيعية لمجمل السياسات التي اتّبعها السلطات المصرية خلال الأعوام العشرة الماضية، وجني لثمار إهدار سلطة القانون وإهدار سيادة العدالة خلال تلك الفترة.

  

سيادة شركات البلطجة وتخليص الحقوق

 

وأمام مشهد انهيار القضاء المصري، وفقدان المواطنين الثقة به، انتعشت شركات البلطحة وتخليص الحقوق ، وبات الذهاب للمحاكم مضيعة للوقت وللحقوق، وهو ما يشاهده المصريون من إعلانات متعددة عن  خدمات تخليص الحقوق عبر وسائل خارج القانون ، وهو ما يحول مصر لغابة لمن يملك القوة، وليس لمن يملك الحق أو القانون.

 

وهو حصاد طبيعي للانقلاب العسكري الذي دمر القضاء وقواعد القانون والسياسة في مصر، منذ أول لحظة.