تواجه الزراعة المصرية كوارث غير مسبوقة فى زمن الانقلاب الدموى بقيادة عبدالفتاح السيسي حيث يلجأ المزارعون خاصة فى الأراضى الصحراوية إلى استخدام أسمدة مسرطنة ومبيدات قاتلة ومخصبات مغشوشة دون اعتبار لصحة المواطنين، فى ظل غياب الرقابة وعدم قيام وزارة الزراعة بحكومة الانقلاب بدورها .
هكذا تحولت الساحة الزراعية إلى .. أسمدة محظورة تتللقّفها الأرض، وتُجار سموم، وجُناة جنوا خيرها، لا يكترثون بشيء سوى الربح السريع والإنتاج المُضاعف، وسوق سوداء أنيابُها لا ترحم، وأمراض بالجُملة تصيب المواطنين..
ومع غياب الإرشاد أطلق العنان لـ”مافيا الأسمدة” وانتشار أسواق مُحمّلة بكثير من الخضروات والفاكهة التي تُشكل خطرًا على صحة الإنسان وتصيبه بأمراض خطيرة .
وأصبح سوق الأسمدة يغصّ بكثير من المركبات المغشوشة والتركيبات العجيبة بل والمحتوية على مواد مسرطنة ومحرمة دوليًا، فضلًا عن الأسعار المبالغ فيها والاستهتار بالتركيزات الموصي بها، فالمبدأ السائد الآن هو الربح فقط فلا وازع ديني ولا أخلاقي ولا رقابة حقيقية.
سُم قاتل
حول هذه المأساة أكد «إيهاب. م»، 41 عامًا، أنه كان يستخدم الكيماويات في مزرعة صحراوية عمل بها، متسائلا : الفلاح يُجاهد ليل نهار للحصول على قوت يومه، فكيف الحال إذا كان هذا القوت فيه سُم قاتل ؟
وقال: أن صاحب المزرعة كان يُصدر تعليماته برش المحصول بالمبيدات السامة، لتنضج الثمار ويحصدها في اليوم التالي، ليبيعها في الأسواق ويحصد المكاسب، فمثلًا «الخيار» كان يُرش بالمبيد في الصباح وينضج في اليوم التالي، في حين أنه يحتاج في الطبيعي ما لا يقل عن 14 يومًا لكي يُؤكل منه، وتعتبر تلك المدة هي أقل فترة حصاد.
وأضاف : في إحدى المرات أُصبت بالتسمم أثناء استخدام تلك المبيدات الضارة في الزراعة، وظهرت عليّ أعراض مثل تلعثم في الكلام وإسهال وغثيان وتقيؤ وتعرق، ورعشة بالعضلات، وتم إنقاذي بـ«سلفات أتروبين»، ومن وقتها تركت العمل في المزرعة، بعد أن قررت أن أفلت بنفسى وعمري من الموت المحقق بأراضيها .
مافيا الأسمدة
وقال «سامي. ش»: أجبرتني الظروف على العمل في الجبل وأنا على مشارف الستّين، وهناك تأكدت أن الفلاح هو الحلقة الأضعف في دائرة فساد المزروعات، وسط مافيا الأسمدة وأباطرة المبيدات، عملت باليومية في مزرعة استنزفت صحتي ولم أهنأ فيها يومًا براحة البال، مؤكدا أن مالك المزرعة لا يعنيه شيء سوى مضاعفة الإنتاج وتحقيق آلاف الجنيهات على حساب صحة المزارعين والمستهلكين.
وأضاف: مرّت الأيام وأنا أتحمل فوق طاقتي رغم كبر سنّي ووهن جسدي، حتى جاء اليوم الفصل حين بدت عليّ علامات التسمم، شعرت بتهيج في عيني وتشوش الرؤية، وحساسية شديدة في الصدر، وأعراض أخرى ما زِلت – حتى اللحظة – أعاني من تبعاتها نتيجة الاستخدام المباشر للمبيدات السامة أثناء رش المحاصيل الزراعية.
خلف الكواليس
وقال «سعيد. ا»، فلاح، إنه يزرع أرضًا يأكل منها هو وأسرته، ويمتنع فيها عن رش الخضراوات والفاكهة بالمبيدات الضارة، حتى لا يكونوا عُرضة للإصابة بالأمراض .
وأعرب عن أمله أن تكون هناك رقابة على المزارع الصحراوية، وتحليل الخضراوات والفاكهة الواردة منها، موضحا أن طبيعة عمله كمُزارع تجعله على دراية بما يحدث داخلها، لكن المستهلك يُغريه فقط حجم الثمرة الكبيرة ولونها الزاهي غير مكترثٍ بما وراءها، ولكن خلف الكواليس الكثير يستحق أن يعرفه الجميع.
الزراعة الصحراوية
وأكد المهندس الزراعي حمادة عبدالعاطي أن المشكلة الأساسية تكمن في الزراعة الصحراوية التي لا تخضع لأي رقابة، مشيرا إلى أن كل مالك يطلق العنان لنفسه، ويستخدم الأسمدة بالطريقة التي تعود عليه بالربح السريع.
وقال عبدالعاطى فى تصريحات صحفية : لمكافحة «النيماتودا» في الأراضي الصحراوية هناك من يستخدم مواد محرمة دوليًا مثل «بروميد الميثايل»، والتي تسبب سرطانات على المدى البعيد تجلبها عصابات التهريب من الخارج.
وأشار إلى أن هناك بعض المبيدات المحرم استخدامها ومنها مادة الجومايت والأنتيمايت التي تُسبب فشلاً كلوياً على المدى البعيد، مؤكدا أن هناك مزارعين لا يهمهم سوى المكسب والربح السريع، لذلك يستخدمون هذه المواد المحرمة بغض النظر عن تأثيرها الضار على المواطنين.
وحول ما يعرف بـ«هرمون الطماطم»، قال عبدالعاطى إنها هرمونات طبيعية موجودة في الثمرة نفسها، لكنها تختلف من ثمرة لأخرى من حيث التركيز أو كبر الحجم، موضحا أنه بدلًا من أن ينتظر المزارع حتى تحصل الطماطم على لونها الطبيعي خلال أسبوع أو عشرة أيام من نضجها، يقوم بإضافة هرمونات لتلوينها ليحصل على نتيجة سريعة، ويُعجّل من نُضج الثمرة وقطفها في اليوم التالي، ولهذه الطريقة أضرار كبيرة على صحة الإنسان.
التغذية العلاجية
وأكد المهندس الزراعي أحمد حسن توفيق، خبير زراعات الصوب، أن الزراعة علم، وهذا جانب يغفله كثير من العاملين بهذا المجال، محذرا من أن المستثمر والفلاح الذي لا يعي الأمور يضر نفسه وغيره.
وكشف توفيق فى تصريحات صحفية أن سبب وجود ظواهر مثل تعفن الثمار وقلة جودتها مع مظهر شبه جيد هو إغفال مبدأ التغذية العلاجية للمحاصيل والمنتجات الزراعية.
وأرجع سبب فساد بعض الخضراوات إلى استخدام سماد البودريت، وهو من أخطر الأسمدة، حيث يُصنع من مخلفات الصرف الآدمية وما تحتويه من العناصر الثقيلة والضارة بصحة الإنسان، ويستخدمه كثير من المزارعين كخدمة عضوية، مؤكدا أنه بمثابة كارثة تضر التربة، وتهدد صحة الإنسان والحيوان .
وكشف توفيق أن الأبحاث التي أُجريت على سماد البودريت توصلت إلى أنه يُسبب أمراضًا خطيرة للإنسان، مثل الفشل الكلوي والالتهاب الكبدي الوبائي والسرطان، وكذلك الأسمدة المغشوشة والمحتوية على عناصر ضارة بالتربة الزراعية والنبات مثل الكلور والصوديوم والأسمدة التي يتم خلطها بملح الطعام.
وأعرب عن أسفه لأن دور الإرشاد الزراعى غائب تمامًا عن ساحة الزراعة ، واستخدام المبيدات وطرق تداولها تعد كارثة بمعنى الكلمة، مشيرا إلى أنه لو أرادت دولة العسكر مكافحة الأوبئة والأمراض المستعصية المتفشية فعليها أن تبدأ من محلات وأماكن بيع الأسمدة والمبيدات ومزارع الفلاحين ومصانع المواد الغذائية، وليس من الصيدليات ولا المستشفيات.
وشدد توفيق على ضرورة اتباع إجراءات في السوق المحلية شبيهة بتلك المرتبطة بالمنتجات الزراعية المعدة للتصدير، مثل تحليل نسب متبقيات المبيدات، وفترة التحريم بين رش الآفات وجمع المحاصيل، مطالبا بايجاد منظومة متكاملة تشرف على المنظومة الزراعية برمتها من توفير الشتلات والتقاوي والبذور والأسمدة والمبيدات ذات الكفاءة العالية، وتوفير منظومة عادلة للعاملين في الزراعة ووضع آليات سوق قائمة على التنافس للوصول لأفضل جودة وسعر للمستهلك وأفضل عائد مُجدٍ للمستثمر والفلاح في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج.