“جمهورية الريف” و”استقلال منطقة القبائل وكيان مغاربي بديل ” …مشاريع لتفتيت المنطقة المغاربية لصالح الاستعمار القديم والجديد

- ‎فيتقارير

 

مهاترات وحروب كلامية ومقاطعة دبلوماسية، تشتعل  نيرانها بقوة بين الجزائر والمغرب، النظم والحكومات وليس الشعوب، إذ تعيش المنطقة المغاربية  في أتون صراعات سياسية ودبلوماسية، لا يمكن وصفها إلا بالمهاترات التي يجب أن تتوقف، وتعود صفو العلاقات لمسارها الطبيعي.

 

فوسط تقارير مغربية عن قرب استقلال منطقة القبائل الجزائرية، الناطقة بالأمازيغية، وحديث الجزائر عن الاعتراف بجمهورية الريف الانفصالية بالمغرب، إلى جانب التوترات المستعرة منذ عقود حول جبهة البوليساريو، ملفات وأوراق للتلاعب السياسي ، وإلهاء الشعوب وجرها إلى عداوات غير واقعية، تهدد بمزيد من الانقسامات، التي  حتما لا تصب إلا في صالح الاستعمار القديم والجديد وأذنابه.

 

فقبل أيام ، أعلن في الجزائر عن إنشاء مكتب تمثيلية ما سمي “جمهورية الريف” لنشطاء انفصاليين في المغرب.

 

وجاء الإعلان عن افتتاح التمثيلية في فيديو بثّه أعضاءٌ من المجلس الوطني الريفي ومنخرطون في الحزب الوطني الريفي، مع كلمة بالمناسبة “حول نضال منطقة الريف”، وتضمن رفع علم جمهورية الريف على أنغام النشيد الوطني الريفي.

 

ويبرر مراقبون جزائريون إعلان تأسيس مكتب جمهورية الريف في الجزائر، بأنه جاء ردا على ما بدر من ممثل المغرب في الأمم المتحدة السفير عمر هلال، الذي يعيد في كل مرة الحديث عن استقلال منطقة القبائل في الجزائر، وتتهم السلطات الجزائرية الرباط بدعم حركة استقلال منطقة القبائل، التي يقودها المغني المقيم في باريس فرحات مهني.

 

وسبق للسفير المغربي عمر هلال أن سلّمَ مذكرة، في اجتماع على مستوى حركة عدم الانحياز، تدعم تقرير مصير ما وصفه بـ “شعب القبائل الشجاع” في الجزائر، وكان من نتائجها قطع العلاقات بين البلدين في أغسطس 2021، وعلق الوزير الأول المغربي سعد الدين العثماني، وقتها، بأن هذا الموقف كان احتجاجيا، ولا يعبّر عن الموقف الرسمي المغربي، لكن الجزائر رفضت تلك التبريرات وطالبت بتوضيح رسمي.

 

كما يمثل  إعلان مكتب لجمهورية الريف في الجزائر تصعيد خطير في استهداف المغرب لا مبرر له.

 

ويتخوف مراقبون وخبراء، من تلك التحركات التصعيدية التي قد يلحقها إعلان الحرب العسكرية بين البلين.

 

وفي لندن وصف الديبلوماسي الجزائري السابق محمد العربي زيتوت خطوة الإعلان عن افتتاح مكتب لممثلية جمهورية الريف الانفصالية في الجزائر بأنها خطوة مجنونة ومتهورة.

 

وقال زيتوت في تصريحات صحفية ، “الورقة الانفصالية مضرة بالبلدين وهي أشبه بقنبلة تدميرية، وقد سبق لي وأن أدنت بشدة موقفين أقدم عليهما النظام المغربي وهما العلاقات مع الكيان الصهيوني، والحديث عن انفصال منطقة القبائل في الجزائر”.

 

وتهددد التحركات المتبادلة وحدة المنطق المغاربية التي تعاني الانقسامات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، من احتراب في ليبيا وعدم استقرار في تونس وأزمات قتصادية ومعيشية بالجزائر والمغرب وموريتانيا.

 

ودوليا، ترى دول كروسيا أن فوضى واختراب بالمنطقة المغاربية يمثل نصرا لها، كونه يهدد أوروبا التي تستهدف روسيا الضغط عليها وعلى حدودها وشواطئها والمناطق المجاورة والمتشاطئة معها، إذ إن الفوضى والخلافات بين الجزائر والمغرب تفتح باب الهجرة غير الشرعية على مصراعيه على أوروبا.

 

وفي هذا الإطار تدعم موسكو فاغنر في دول الساحل والسودان وليبيا، وكذلك الإمارات التي أصبحت طرفا فاعلا في كل هذه  المنطقة.

 

كما تأتي خطوة الإعلان عن مكتب لجمهورية الريف مع الإعلان عن القمة الثلاثية بين الجزائر وتونس وليبيا كل ثلاثة أشهر، وهي قمة لا تستبعد المغرب فقط، وإنما أيضا موريتانيا، وهي خطوة غير محسوبة أيضا تضر بالمنطقة المغاربية.

ويرى خبراء أن هذه السياسات التصعيدية والهروب إلى الأمام، تمثل تشنجا سياسيا يقود لتصعيد وانقسامات بالمنطقة المغاربية والعربية.

 

إذ إن كلا النظامين يرتكب خطيئة حقيقية باستخدامه الورقة الانفصالية التي ستعمق الإضرار بالبلدين وبالمنطقة إجمالا.

 

أصل “الريف المغربي”

 

وجمهورية الريف هي المنطقة الشمالية للمغرب المطلة على البحر الأبيض المتوسط، من أهم أقاليمها الحسيمة والناظور وشفشاون وتطوان والعرائش والدريوش، وهي حاليا تسمى الريف المغربي، تأسست قديما في 18 سبتمبر 1921 عندما كان المغرب يعاني من الاستعمار الفرنسي والإسباني ودامت خمس سنوات فقط، تزعمها في تلك الفترة محمد عبد الكريم الخطابي، وكانت مدينة أغادير مركزا لها، حُلت في 27 مايو 1926م.

 

وكان والد محمد بن عبد الكريم الخطابي، هو أول من قاد الهجوم على المستعمر الإسباني سنة 1920 بمحاصرة موقع تفرسيت الاستراتيجي ، وهي البلدة التي ينحدر منها وزير الداخلية المغربي الحالي عبد الوافي لفتيت، لكنه توفي بعد 22 يوما من الحصار، ليتسلم بعده الأمير محمد مشعل مقاومة المستعمر.

 

وشرع الخطابي في توحيد قبائل المنطقة من ريافة (أمازيغ) وجبالة (عرب)، ليخوض معركة أنوال الحاسمة ضد الجيش الإسباني في مايو 1921، حيث ألحق بالمستعمر هزيمة كبيرة.

 

وبحكم أن المغرب كان يخضع في تلك الفترة للحماية (الاستعمار) الإسبانية، بشماله وجزء من صحرائه، وللحماية الفرنسية (الاستعمار) ببقية مناطق البلاد ما بين 1912 و1956، فقد خطط الخطابي لإعلان قيام الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف، واستقلالها عن الحماية الإسبانية، لمواصلة مكافحة الاستعمار بكافة التراب المغربي وبدول الجوار، بشكل منظم.

 

ولم يثبت أن الخطابي، كان انفصاليا، أو دعا إلى سحب البيعة عن سلطان المغرب، بل كانت له فقط استقلالية في قيادة المقاومة، وتقديرات سياسية بعد استسلامه للجيش الفرنسي، لمواصلة مقاومة الاستعمار بكافة التراب المغربي، وبالدول المغاربية.

 

وفي سنة 1908، قام الخطابي بتبليغ السلطان عبد العزيز (ملك المغرب وقتها)، بتكليف من والده، دعم قبيلته “بني ورياغل” لمحاربة الجيلالي بن إدريس الزرهوني (بوحمارة)، الذي أعلن تمرده ضد العرش العلوي، وهدد وحدة الدولة المغربية قبيل الفترة الاستعمارية، وكان وقتها طالبا يدرس بجامعة القرويين بفاس.

 

كيان مغاربي جديد

 

وضمن المهاترات والتصعيدات  غير الدبلوماسية والتي تطعن في وحدة المنطقة المغاربية، وفي لقاء صحفي مؤخرا أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن عزم بلاده إيجاد كيان مغاربي مشترك، وكان تبون قد عقد اجتماعا على هامش قمة الغاز في مطلع الشهر المنصرم ضم الرئيس التونسي قيس سعيد ورئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، تناول هذا الموضوع، غير أن ردود الفعل من الأطراف المعنية لم تظهر على السطح، باستثناء الموقف الموريتاني.

 

دعوة تبون يلفها غموض، ذلك أن قمة مغاربية من المفترض أن تعقد في تونس الشهر الجاري، فلماذا كيان مغاربي جديد، والكيان التقليدي ما يزال قائما؟، وكيف يمكن تمرير هذا الكيان الجديد دون إصدار شهادة وفاة المنظمة القائمة وهي الاتحاد المغاربي؟.

 

غير أن عوامل نجاح تأسيس كيان مغاربي جديد قد لا تكون متوفرة، وأمام الجزائر عقبات كؤود لتمرير خطتها، أهمها قبول الأطراف المغاربية مجتمعة بالفكرة، وهذا ما لا يمكن التسليم به، والبداية كانت من نواكشوط التي تحفظت على الخطة الجزائرية.

 

الوهن والهزال الذي يصيب الاتحاد المغاربي، يدفع للتفكير في البحث في أسباب ضعفه وإخفاقه بل حتى تجاوزه والتفكير في تبني مقاربة مؤسساتية تحقق الأهداف التي تسعى دول المغرب العربي لتحقيقها على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، غير أن خطة الجزائر لا تأتي في هذا السياق.

 

ليس من المتوقع أن تشرك الجزائر الرباط في مشاورات أولية لتشكيل كيان مغاربي مشترك كما أطلق عليه تبون، والأسباب معلومة للجميع، بالمقابل، كيف يمكن أن تمرر الجزائر مشروعا مغاربيا مشتركا المغرب ليست طرفا فيه، بل من المتوقع أن تعارضه.

 

 

تلك التحركات غير الودية تجر منطقة المغرب العربي لانقسامات واحتراب ومزيد من الأزمات والتفكك، يزيد من معاناة العرب جميعا، الذين يواجهون الضعف والوهن والتدهور  ومخططات استئصال فلسطين من المنطقة على يد الصهاينة، وهو ما يصب جميعا في صالح الاستعمار القديم والجديد.