ضمن السياسات الوولائية لصندوق النقد الدولي، الذي تعد مصر ثاني أكثر الدول استدانة منه، بنحو 21 مليار دولار، قدمت الحكومة المصرية تعهداتها إلى صندوق النقد الدولي بالتوقف عن الاقتراض مباشرة من البنك المركزي، بحسب ما نشرته وكالة «رويترز» نقلا عن تقرير لخبراء «النقد الدولي» ناقشه مجلس إدارة الصندوق الشهر الماضي.
ويأتي الطلب من الصندوق، كجزء من الاشتراطات والإملاءات والتحكمات التي يتدخل بها الصندوق كمؤسسة منحة في رسم السياسات المالية والاقتصادية للدول، وهو ما يعيد فكرة الانتداب الأجنبي على مصر قبل الاحتلال البريطاني، عندما عينت كلا من بريطانيا وفرنسا ممثلا للدائنين لكل دولة في مصر، يكون مشرفا على الإيرادات والمصروفات للحكومة المصرية، وهو ما كان مقدمة لقدوم الجيش الإنجليزي ليحتل مصر في القرن التاسع عشر.
ويطالب «صندوق النقد» بإيقاف اقتراض جهات تابعة للحكومة من «المركزي» مباشرة في حين أن إيرادات تلك الجهات خارج الموازنة العامة للدولة، ضاربا مثل بشركة العاصمة الإدارية الجديدة، حيث إن هيكل ملكية الشركة يشمل جهات تابعة للقوات المسلحة مثل جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بجانب هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التابعة لوزارة الإسكان، ما يُخضع كامل موازنة الشركة لقواعد موازنة القوات المسلحة التي لا يتم نشرها أو ضمها للموازنة العامة.
وينطبق كذلك على الهيئات الاقتصادية غير المنضمة إلى الموازنة العامة، فضلا عن أن هذه القروض تكون بفوائد قليلة مقارنة بسعر الفائدة المُعمول به في السوق.
والقرار لا يمنع اقتراض هذه الجهات، وإنما يسمح فقط بالاقتراض عبر وزارة المالية، ما يسمح بظهور بيانات الجهات المُقترضة وبياناتها المالية.
وكان وزير المالية، محمد معيط، أعلن منذ شهرين عن خطة لضم الهيئات الاقتصادية المستقلة والبالغ عددها 59 هيئة إلى الموازنة بشكل تدريجي عبر فترة تصل إلى خمس سنوات.
ووصل اقتراض الجهات الحكومية من البنك المركزي، بنهاية مارس الماضي، إلى تريليون و697 مليار جنيه، ما يساوي أكثر من 40 مليار دولار، بحسب «المعيار الخاص لنشر البيانات الخاصة بصندوق النقد الدولي»، الصادر عن «المركزي»، فيما لا يُظهر المعيار بيانات تفصيلية عن الجهات المَدينة.
واعتمد «صندوق النقد»، الشهر الماضي، المراجعتين الأولى والثانية في إطار تسهيل الصندوق الممدد لمصر، ليوافق على زيادة قيمة القرض بنحو خمسة مليارات دولار، ليُصبح ثمانية مليارات دولار، وتسلمت الحكومة، الأسبوع الجاري، شريحة بقيمة 820 مليون دولار، فيما يُرتقب صرف شريحة أخرى بحلول يونيو المقبل بـ820 مليون دولار أخرى، يتبعها شرائح متساوية قيمة كل منها 1.3 مليار دولار، تأتي بعد مراجعات نصف سنوية، بدءا من المراجعة الرابعة خريف العام المقبل، وانتهاء بمراجعة في خريف 2026.
ووفق تقديرات اقتصادية، فإن الطلب الذي قدمه صندوق النقد لمصر، على الرغم من أنه تدخل سافر في شئون مصر، إلا أنه يهدف للحفاظ على قدر من الشفافية في المعاملات المالية، وضبط الاقتصاد، الذي يعاني من عشوائية مفرطة، إذ إن السيسي ونظامه يعتمد الفهلوة والفساد في إدارة أموال مصر، ففي الوقت الذي يعفى فيه الجيش بشركاته وأصوله ومشاريعه من أية التزامات مالية للدولة من ضرائب ورسوم أو مصروفات، يبتلع أموال البنك المركزي بلا رقيب ولا حسيب في وقت تتفاقم فيه أزمات العجز المالي للموازنة العامة للدولة، وهو ما يستوجب الحجر على السيسي وقيادات نظامه، قبل أن يفرض على مصر الوصاية أو الانتداب الأجنبي للحفاظ على أموال المقرضين لمصر.