بعد سلسلة من الانتصارات السياسية والجيوسياسية الأثيوبية على مصر في ملف مياه النيل، وبعد أن أعلنت أثيوبيا خطوطها الحمراء النهائية في أبريل الماضي بأنه لا حديث مجددا عن سد النهضة، الذي اكتمل بشكل نهائي، وفق التصريحات الأثيوبية، جاءت مرحلة جديدة من التهديدات الأثيوبية للقاهرة وبصورة فجة، في ظل صمت مصري مُخزٍ.
وقد أشعلت تصريحات صادمة موجهة إلى مصر والسودان، أطلقها مستشار وزير المياه والطاقة الإثيوبي محمد العروسي، الأجواء مجددا بين المصريين والإثيوبيين، وسط صمت رسمي بالقاهرة في الملف الوجودي الخطير الذي يمس الأمن المائي والغذائي لأكبر بلد عربي سكانا، ويؤثر في مستقبل ثاني أكبر اقتصاد أفريقي خلال 2024.
المسؤول الإثيوبي، بدا مستفزا عبر حديث له بفضائية “فانا عربي” الموجهة باللغة العربية، حيث أعلن أن التحدي الإثيوبي كبير ومتواصل مع دولتي مصب نهر النيل مصر والسودان، مؤكدا أن بلاده ستقوم ببناء سدود جديدة على جميع روافد نهر النيل في إثيوبيا.
العروسي، نشر مقطعا من اللقاء عبر موقع “إكس”، قال فيه متحديا المصريين بشكل خاص: “بناء السدود دليل الصمود”، مضيفا: “سنبني سدا تلو السد على النهر تلو النهر”، ومؤكدا أنه “لن توقفنا أي قوة على وجه المعمورة”، ما عدّه البعض رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى القاهرة الصامتة تماما.
http://pic.twitter.com/JSfdPiagI7
— محمد العروسي Mohammed Al-Arusi (@alarusi1) May 30, 2024
وتشير التقارير الواردة من أديس أبابا، أن أثيوبيا تنوي إنشاء 3 سدود جديدة تحت أسماء “كاردوبي” و”مندايا”، و”بيكوابو” وأن ملء تلك السدود يحتاج إلى 80 مليار متر مكعب، وهي النسبة التي تفوق تخزين سد النهضة.
مأزق مصري
وتأتي تصريحات الوزير الإثيوبي، على خلفية إعلان أثيوبيا اكتمال بناء سد النهضة، على حوض النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا فوق الهضبة الحبشية، ويمد نهر النيل بما بين 80 إلى 85 % من المياه المغذية لنهر النيل، ما يهدد حصتي دولتي المصب مصر والسودان التاريخية من مياه النيل، البالغة (55.5 و 18.5 مليار متر مكعب مياه سنويا)، للأولى والثانية، وهما الحصتان المقدرتان بنحو 5% فقط من مياه نهر النيل مجتمعة.
كما تترافق التصريحات الاستفزازية، مع إقدام إثيوبيا على حجز فيضان الصيف المقبل، والشروع في تنفيذ عملية الملء الخامس لسد النهضة الإثيوبي، دون توافق مع دولتي المصب، فيما سبقتها في أبريل الماضي، احتفالات إثيوبيا باستكمال بناء 95 % من سد النهضة بعد 13 عاما من الشروع ببنائه في 2 أبريل 2011.
كما لم تنجح المفاوضات التي جرت برعاية دولية من الأمم المتحدة وأمريكا والاتحاد الأفريقي وبعض الأطراف العربية في حل الخلاف القائم بين أديس أبابا من جانب والقاهرة والخرطوم من جانب آخر، وسط تعنت إثيوبي ورفض لعقد اتفاق ملزم حول قضايا ملء خزان السد وتشغيله وحصص دولتي المصب وغيرها من القضايا.
وذلك على وق تووقيع السيسي اتفاقية المبادئ، التي منحت أثيوبيا حق التصرف في مياه النيل والتحكم في حصص دولتي المصب، لأول مرة في التاريخ.
ويتحمل نظام السيسي المسؤولية عن تأزم هذا الملف الاستراتيجي، وإهماله، وعدم منحه الأولوية الكافية على خطورته وتعلقه بالأمن القومي المصري وبحياة أكثر من 150 مليون مصري وسوداني، بل يذهب البعض للقول إنه من منح إثيوبيا الشرعية لبناء السد والتمويل الدولي -نحو 4 مليارات دولار- بعد عقد اتفاقية مبادئ دول حوض النيل التي وقعها في السودان في مارس 2015.
وتعتمد مصر على مورد مائي واحد هو نهر النيل بنسبة 98 % من مواردها المائية، فيما يذهب أكثر من 75 % منها لتوفير الأمن الغذائي عبر الزراعة، التي تشكل مصدر الرزق لأكثر من 50 % من المصريين، وفق أرقام رسمية.
وإزاء التعنت الإثيوبي والعجز المصري عن حل الأزمة ونكوص كثير من الدول العربية والدولية عن وعودها بدفع هذا الملف، بينها الإمارات والسعودية وحتى أمريكا، أصبحت أقدم بلدان العالم في مجال الزراعة والتي تقع في أشد مناطق العالم ندرة في الأمطار مهددة بخسارة ملايين الأفدنة المنزرعة، وبوار أراضيها، بوصول البلاد لمرحلة الفقر المائي الشديد أو الشح المائي المطلق.
وفي 3 فبراير الماضي، اعترف وزير الري المصري هاني سويلم، باقتراب مصر من خط الشح المائي، في ظل عدم الوصول لاتفاق مع إثيوبيا بشأن عمليتي الملء والتشغيل.
وفي 20 فبراير الماضي، أشار إلى أن مصر تتصدر قائمة الدول الأكثر جفافا بأقل معدل لهطول الأمطار في العالم، كما تعاني عجزا مائيا يبلغ 55 % من احتياجاتها.
ويعني الشح المائي وصول نصيب المواطن من المياه لأقل من 1000 متر مكعب من المياه سنويا، لكن الأمر وفق خبراء بمجال المياه أخطر بكثير في مصر ويصل حد النقص المائي المزمن مع وصول نصيب المصري إلى 530 متر مكعب في العام الماضي، ووصوله 500 فقط نهاية العام الجاري، وفق تأكيد الخبير المصري عباس شراقي.
وفي المقابل، فإن خزينة الدولة المصرية التي تعاني شحا في العملات الصعبة وتآكلا في مدخراتها عليها أن تعوض النقص الحاد في المياه وما يتبعه من نقص المحاصيل الزراعية عبر الاستيراد من الخارج لتلك المحاصيل، ما يزيد من أزمات البلاد المالية والاقتصادية ويؤثر على إنتاج البلاد الصناعي.
وإزاء العجز المصري عن فك لوغاريتمات الموقف الإثيوبي، فإن الحكومة المصرية تتجه لتعويض نقص المياه عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، والتوجه نحو تحلية مياه البحر على ما به من تكلفة عالية وإرهاق للموازنة العامة للدولة المصرية.
وفي 13 مايو الماضي أكد السيسي أنه مصر تواجه تحديا كبيرا في توفير المياه، موضحا أن إنشاء محطات لرفع المياه لاستصلاح الأراضي للاستفادة من 7.5 مليون متر مياه وري الأراضي المستصلحة في الصحراء بلغت حوالي 300 مليار جنيه.
وخلال ذات الحديث، قال وزير الري هاني سويلم: إن “حجم احتياجات مصر المائية يقدر بـ114 مليار متر مكعب سنويا، وأن مصر تستورد محاصيل غذائية من قمح وذرة وسكر، لأنها ستحتاج في حالة زراعتها إلى 33.5 مليار متر مكعب من المياه، ما يقلل حجم الاحتياجات المائية إلى 88.5 مليار متر مكعب بين زراعة ومياه شرب وصناعة”.
وأوضح أن إجمالي الموارد المائية بمصر من حصة مياه النيل وتحلية المياه ومياه الأمطار والمياه الجوفية العميقة غير المتجددة يصل إلى 60 مليار متر مكعب، ما يشير لوجود عجز بأكثر من 20 مليار متر مكعب من المياه.
ويرى خبراء أن الطموحات الإثيوبية في بناء مشاريع مائية جديدة ليست جديدة، ولا حتى مفاجئة، إذ إنها جرت على ألسنة عدد من المسؤولين، فضلا عن النخب المختلفة، وهم يعتقدون أن الاستغلال الأمثل للموارد المائية سوف يعزز من قدرة البلاد على النهوض والتقدم ويصنع لها مكانة إقليمية.
ولعل ما يفاقم المخاطر حول مصر، هو الفشل في تحدي إثيوبيا على مدى العقود الماضية من مفاوضات سد النهضة، وهو عامل آخر يشجع إثيوبيا لتقديم تجربتها في هذا الخصوص للدول الأفريقية الأخرى، بل بالتهديد والذهاب بعيدا في بناء سدود جديدة على منابع النيل، طالما بقي نظام السيسي خائرا عدم التأثير وضعيف النفوذ.
ولعل ذلك، ما يؤكد في جانب آخر منه، أن هدف تلك التصريحات استفزاز القاهرة والضغط عليها والحصول على تنازلات بملف سد النهضة خاصة مع الانشغال بأزمة الحرب في غزة، وأيضا استغلال الوضع السوداني المتأزم بالحرب الأهلية لأكثر من عام منذ أبريل 2023.