بعد عشرية سوداء ، و11 سنة عجاف، من نكبة 30 يونيو الأسود، وانقلاب 3 يوليو 2013 يجد المصريون أنفسهم في مواجهة الأمراض القاتلة بلا أدوية أو علاج، علاوة على شح في الأغذية وضيق ذات اليد ، حيث باتت أغلب الأدوية الأساسية في حياة المصريين نادرة الوجود.
بل قفزت أسعار الأدوية المحلية والمستوردة في مصر بنسب تتراوح ما بين 80% و150%، مع قصرها على المنتجات الحديثة من المصانع ومخازن المستوردين، وإلزام المنتجين بكتابة سعر الدواء على المنتج قبل خروجه إلى الموزعين والصيدليات، لتشكل القفزة الجديدة صدمة عنيفة لملايين المرضى خاصة من ذوي الأمراض المزمنة في ظل ضعف القدرة الشرائية على مجاراة غلاء أسعار كل السلع والخدمات.
ووسط عجز حكومي فاضح وغياب قدرات الدولة الإنتاجية أو قدرتها على موازنة الأسواق، بتوفير إنتاجها أو دعم وجودها بشكل من الأشكال، رضخت حكومة العسكر لشروط شركات الأدوية، حيث جاءت القفزة الجديدة في سعر الأدوية بعد مفاوضات طويلة بين شركات إنتاج الأدوية والحكومة استغرقت نحو 47 شهرا، وانتهت بفرض مستثمري الصناعات الدوائية إرادتهم عليها، والفوز بموافقة هيئة الدواء الحكومية على زيادة أسعار الدواء المحلي والمستورد، مقابل توفيره للأسواق، وفق الزيادة المعلنة رسميا بقيمة الدولار، وارتفاع تكاليف الإنتاج والجمارك، مع وضع هامش ربح يحمي استثماراتهم من أخطار التراجع المستمر بقيمة الجنيه، وارتفاع معدلات التضخم، ولا عزاء للمرضى أو الغلابة أو محدودي الدخل.
وتشمل الزيادة نحو 1000 صنف دوائي، من بين ثلاثة آلاف صنف تقدمت بها شركات الإنتاج وتوزيع الأدوية المحلية والمستوردة.
وقد جاءت الزيادة الهائلة في أسعار الأدوية مدفوعة بارتفاع تكلفة الإنتاج والتشغيل وتراجع الجنيه أمام الدولار، وفقا لمصادر في غرفة الصناعات الدوائية في اتحاد الصناعات، تحدثت لوسائل إعلام عربية، فإن الزيادات الجديدة، صدمت أعضاء في نقابة الصيادلة، إذ بلغت الزيادة في أسعار المضادات الحيوية بلغت نحو 100% للمنتج المحلي و150% للمستورد، بالتوازي مع زيادة أسعار نحو 1000 صنف دوائي آخر، مشيرين إلى زيادة سعر علبة المضاد الحيوي من معدل 86 جنيها للعلبة إلى 186 جنيها، ودواء كونكور للقلب من 40 إلى 60 جنيها.
شملت الزيادة علب لبن الأطفال التي ارتفعت من 80 إلى 220 جنيها دفعة واحدة، وتضاعفت أسعار كافة أدوية السكر والضغط وقطرات العين والأنف والجرب زهيدة الثمن، وفقا لقوائم البيع المعروضة من كل شركة، أكدت مصادر في نقابة الصيادلة أن الارتفاع المفاجئ في سعر الأدوية يعرض الصيادلة لمشاكل كبيرة مع الجمهور، الذي أصبح غير قادر على دفع تكلفة العلاج، ويبحث عن بدائل رخيصة، باستخدام الأعشاب والأدوية الشعبية والمنتشرة في الأسواق بعيدا عن الرقابة الصحية والرسمية.
ولفتت إلى أن حرص المنتجين على التحكم بكميات الأدوية في الأسواق وتحجيمها في الصيدليات، يسبب خسائر فادحة للصيادلة، الذين يعانون من صعوبة الحصول على الدواء، وبالتالي، يحاول الصيادلة إقناع المستهلكين بأن الأسعار الجديدة مفروضة عليهم من جانب الشركات وبموافقة الجهات الرسمية في الدولة وليست منهم.
وللأسف، وبدون ضجيج إعلامي أو اشارة من إعلام البغال، فقد بدأ تطبيق الزيادة الجديدة على المنتجات الحديثة المسلّمة منذ يومين بالصيدليات، على أن يظل المنتج الموجود بالأسواق عند مستوياته القديمة، لحين نفاد الكميات الموجودة على رفوف البيع.
و طلبت هيئة الدواء من كل شركة كتابة السعر الجديد للدواء على كل علبة منتجة اعتبارا من أول يوليو الجاري، في محاولة للسيطرة على المضاربة في سعر الأدوية.
استبقت بعض الصيدليات قرار رفع الأسعار من قبل الشركات وعدلت تسعير بعض المنتجات المطلوبة بالسوق، وفقا للسعر الجديد لكل دواء، ما دفع هيئة الدواء إلى إصدار تحذير بإغلاق أي صيدلية مخالفة لتسعير الأدوية وفقا للقوائم المعتمدة بشركات الإنتاج، مع تحويل المدير المسؤول للنيابة العامة.
كارثة أخرى
ومع فشل حكومة السيسي في تحقيق مصلحة الشعب وحماية دوائه من الاستغلال، ومع رفض زيادة أسعار بعض الأدوية الحساسة، لجأت شركات الأدوية لخفض الإنتاج للأدوية الأكثر طلبا، المتعلقة بمرضى القلب والسكر والضغط، والفشل الكلوي والأعصاب، وهو ما يفاقم أزمات المرضى ويهدد حياتهم، دون أن توفر لهم الحكومة البديل، سواء بالتصنيع أو الاستيراد أو توسيع مظلة التأمين الصحي وتوفير الأدوية به.
إذ تختفي الأدوية من المستشفيات العامة والتأمين الصحي بالتدريج، ما دفع المرضى للبحث عن الدواء عبر الصيدليات وشركات التسويق الخاصة التي تروج منتجات مرتفعة السعر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أدت الظاهرة إلى فوضى في سوق الدواء، بينما تزداد معاناة المواطنين في طوابير الحصول على العلاج من المستشفيات العامة والتابعة للتأمين الصحي والصيدليات الحكومية المحدودة.
ويقف ملايين المرضى من المصريين أمام معادلة محسوبة المآل بالقتل البطيء بغياب الأدوية أو تواجدها بأسعار فوق طاقتهم، وسط عجز من نظام السيسي الذي لا يرحم.
وعلى مدار الشهرين الماضيين، عقد ممثلو الحكومة وغرفة صناعة الأدوية وممثلو شركات إنتاج واستيراد الأدوية والمستلزمات الطبية عدة اجتماعات مطولة على مدار الشهرين الماضيين، للتوصل إلى حلول تستهدف زيادة أسعار الأدوية وفقا لمعدلات التضخم في تكلفة شراء المواد الخام من الخارج التي تمثل 90% من مدخلات الصناعات الدوائية، وزيادة الأجور والتشغيل والرسوم والجمارك والضرائب الحكومية.
وشكلت وزارة الصحة لجنة لمراجعة أسعار الدواء كل ستة أشهر، بناء على طلب شعبة صناعة الدواء باتحاد الصناعات، تتولى تحديد التسعير التلقائي للأدوية وفقا لتغير سعر الدولار والتكلفة.
ورغم ذلك، جاءت النتيجة صفرا كبيرا لحكومة السيسي، يدفع ثمنه المصريون والمرضى.