في بلاد العجائب ، التي يحكمها العسكر، تبدو الحقيقة هدفا تصوّب عليه الأسلحة لقتلها، وتغييبها، من أجل إيهام الداخل والخارج أن الأمور على ما يرام، فحينما كشف المسح الإحصائي عن حالات الفقر في مصر ونسبته الحقيقية بدت كبيرة، تكاد تزيد على ثلثي عدد المصريين، تم وقف الإعلان عن ذلك المسح، منذ أكثر من 7 سنوات.
ومع ارتفاعات الأسعار الجنونية، التي غطت على البيوت في مصر، أغنيائها وفقرائها، لدرجة تطيح بعقول الشعب، وتعجزه عن توفير لقمة العيش، بارتفاعات كبيرة تشمل كل شيء، من طعام وشراب وملابس وأدوات الكهرباء والسباكة ومستلزمات الصحة والعلاج وغيرها، ورغم ذلك تعلن الحكومة أن التضخم ينخفض ويتراجع.
وفيما تظهر البيانات الحكومية تراجع أسعار المستهلكين (معدل التضخم)، بينما الواقع يعكس صورة مغايرة في ظل قوائم الأسعار الحقيقية على مختلف السلع والخدمات التي تشهد ارتفاعا مستمرا بوتيرة أسبوعية، ما أرهق معظم الأسر التي باتت تجهر بالضيق من غلاء السلع الغذائية والكهرباء والوقود والأدوية والملابس ورسوم ومستلزمات المدارس.
مستوى التضخم عند 40%
وتدفع مستويات الأسعار التضخم إلى العودة لمستوياته القياسية، التي بلغها نهاية عام 2023، عند معدلات فاقت 40%، في اتجاه معاكس لتوجهات البنك المركزي، التي يحاول خفضها عند 20% حدا أقصى بنهاية العام الجاري، وكشف جهاز الإحصاء الحكومي عن تراجع معدل التضخم على أساس سنوي في يوليو الماضي إلى نحو 25.2%، مقابل 27.1% على أساس سنوي في يونيو.
دهشة المواطنين
وسوقت الحكومة البيان الإحصائي، وسط دهشة المستهلكين الذين يشعرون بضيق شديد جراء ارتفاع الأسعار في الأسواق، على مدى السنوات الماضية، زادت حدتها خلال العامين الماضي والحالي، مع انهيار حاد في قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار الواردات وتكاليف التشغيل، وتراجع قيمة الدخل.
ويبدي المصريون دهشتهم من البيانات الحكومية حول انخفاض التضخم، ولطالما يعبرون عن واقعهم بأمثال شعبية متوارثة لعل أبرزها “أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أستعجب” في تعبير صارخ عن التناقض بين ما تعلنه الحكومة والواقع المعيشي للناس.
واقع مرير
وتجاوزت أسعار الدواجن الحية 95 جنيها للكيلو جرام لتصل إلى 125 جنيها للبلدي، بينما ارتفعت أسعار اللحوم البلدية من 430 جنيها إلى 490 جنيها ، متأثرة بارتفاع أسعار الأعلاف، وعدم توافر البدائل المحلية، استدعت الحكومة إلى طلب استيراد كميات عاجلة كبيرة من اللحوم والدواجن المجمدة من البرازيل، لتهدئة الغلاء الصاعد للحوم، مقابل تصدير الأسمدة والبطاطس، للأسواق البرازيلية، ضمن صفقات استيراد تجارية في حدود 2.8 مليار دولار بين البلدين.
وسجلت أسعار بيض المائدة ارتفاعا كبيرا أيضا بلغت نسبته 30% دفعة واحدة خلال الأسبوع الجاري، حيث زاد سعر طبق البيض من 150 جنيها إلى 185 جنيها في المتوسط، يرتفع في بعض المحلات إلى 205 جنيهات، في موسم شديد الحرارة، يشهد عادة انخفاضا في الطلب، ويرجع موزعون الزيادة إلى انخفاض المعروض من البيض، وتأثره بتراجع الإنتاج في المزارع التي تشهد اضطرابا في الإنتاج، لعدم قدرتها على شراء مستلزمات الإنتاج من الخارج بالدولار، وارتفاع تكاليف التشغيل، جراء زيادة سعر النقل والغاز والكهرباء والمنتجات البترولية وتأجير عنابر التفريخ والإنتاج.
وتشهد أسواق الخبز الحر حالة ارتباك أيضا، ارتبطت بعدم قدرة الحكومة على التعاقد لشراء نحو 3.8 ملايين طن من القمح المستورد، بداية الشهر الجاري، عقب رفض الجهات الموردة الارتباط بتوريد القمح بعقود دفع آجلة مدتها ستة أشهر، وتفضيل الدخول في مناقصات التوريد بنظام الدفع الفوري، بما يضمن سداد الحكومة التزاماتها بالدولار، وتحسبا لارتفاع أسعار التوريد لأكبر مستورد للقمح في العالم، خلال الأشهر المقبلة، متأثرا بحالة التوتر الجيوسياسية التي تسود المنطقة.
تصدرت الطماطم والبطاطس الارتفاعات في سوق أسعار الخضر، حيث تجاوز سعر الكيلو 25 جنيها في الأسواق الشعبية، يصل إلى 30 جنيها في المراكز التجارية، في ظاهرة يؤكد مزارعون تأثرهما بقلة الإنتاج في موسم بين العروات الزراعية وتكلفة النقل والعمالة والأسمدة والمبيدات الزراعية، بينما استقرت أسعار الفاكهة عند معدلاتها المرتفعة، بمتوسط 50 جنيها لكيلو العنب و60 جنيها للتفاح المصري و120 جنيها للمستورد و40 جنيها للمانجو السكري و60 جنيها للعويس و120 جنيها للفص، و25 جنيها لليمون و17 جنيها للشمام و35 جنيها للمشروم.
وامتدت زيادة الأسعار للمصروفات المدرسية، التي فرضت على أولياء الأمور، خلال شهري يوليو الماضي، ويجري سدادها في أغسطس الجاري وبحد أقصى في سبتمبر، تبدأ نسبة الزيادة بنحو 15%، بالمدارس التجريبية الرسمية والخاصة واللغات والتابعة للجمعيات الأهلية، وتصل إلى 40% في المدارس الدولية متأثرة بزيادة تكاليف التشغيل وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، بنحو 60% خلال الفترة من يوليو 2023 إلى أغسطس 2024.
ومع زيادات أسعار الخضروات والفواكه واللحوم والأجبان وغيرها، تتصاعد معاناة المواطنين، في ظل تراجع دور الدولة في ضبط الأسواق أو حتى تقديم دعم للسلع الأساسية، في ظل الانصياع الكامل لإملاءات صندوق النقد الدولي.