تصاعدت أزمة عجز المعلمين في المدارس المصرية بمختلف مراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية، ما يهدد بانهيار المنظومة التعليمية، حيث تتصاعد الشكاوى من جميع الأطراف العملية التعليمية، فمن ناحية يعاني كثير من الطلاب عدم وجود معلم يشرح لهم الدرس، وسط مطالبة من أولياء الأمور بحل أزمة العجز الكبير في أعداد المدرسين، الذي يواصل التفاقم منذ سنوات، ومن ناحية آخرى يشكو مديرو المدارس من عدم استطاعتهم سد ذلك العجز.
يشار إلى أن الأزمة ترجع إلى قرار رئيس الحكومة الأسبق كمال الجنزوري عام 1998، حين أوقف تعيين خريجي كليات التربية في المدارس بدعوى أن موازنة الدولة لا تتحمل، وخرجت أصوات بعد ثورة يناير 2011 تنادي بعودة “التكليف” لخريجي كليات التربية، وصرح وزير التعليم حينها جمال العربي أن الأمر قيد الدراسة، لكن في عام 2014 حسم وزير التعليم الانقلابي الأسبق محمود أبو النصر الأمر بإعلان أنه لا عودة لنظام التكليف، وانتهجت حكومات الانقلاب المتعاقبة نفس السياسة، بسبب عدم وجود موازنات كافية لتعيين معلمين، وذلك خضوعا من نظام عبدالفتاح السيسي لإملاءات صندوق النقد الدولي.
ومع تفاقم العجز الذي وصل إلى أكثر من نصف مليون معلم ، زعمت حكومة الانقلاب أنها ستعمل على معالجة نقص المعلمين، من خلال إطلاق مسابقة لاختيار 30 ألف معلم لتعيينهم كدفعة أولى من 150 ألفا يتم تعيينهم على مدار 5 سنوات، وبدأت الدفعة الأولى بأكثر من 15 ألف معلم في مرحلة رياض الأطفال ولا تزال الإجراءات جارية ولم يتم تعيين هؤلاء المتقدمين .
تعليم الانقلاب
ومع تفاقم أزمة عجز المعلمين اضطر محمد عبد اللطيف وزير تعليم الانقلاب إلى الإعلان عن خطة لمواجهة الأزمة.
وقال عبداللطيف في تصريحات صحفية: إن “الخطة تتضمن: استكمال مبادرة تعيين 30 ألف معلم سنويا
تفعيل قانون مد الخدمة رقم 15 لسنة 2024
التعاقد مع 50 ألف معلم بالحصة للعمل طبقا لاحتياج كل إدارة تعليمية
الاستعانة بالخريجين لأداء الخدمة العامة بالتعاون مع وزارتي التعليم العالي والتضامن الاجتماعي بحكومة الانقلاب”.
رواتب متدنية
من جانبه أكد الخبير التربوي علاء الجندي، أن نقص الأعداد يجبر المعلمين على العمل لساعات إضافية في مدارس أخرى وفق توزيعهم من جانب الإدارات التعليمية، وهذا يفرغ المدارس من طاقمها الذي لا تقتصر أدواره على الشرح للتلاميذ وإنما له دور في الإشراف والتخطيط، فيما لا يملك المعلم حق الاعتراض أو عدم الامتثال لقرار أداء حصص إضافية بمدارس أخرى.
وقال الجندي في تصريحات صحفية: إنه “من الممكن حل مسألة نقص المعلمين جزئيا من خلال أداء خريجي كليات التربية فترة الخدمة العسكرية في العمل بالمدارس وفق تخصصهم، مشيرا إلى أن نظام التطوع الذي دعت له وزارة تعليم الانقلاب لن يكون فعالا لغياب آلية الرقابة على المتطوعين”.
وكشف أن نقص الأعداد ليس الأزمة الوحيدة التي تواجه المعلمين مؤكدا أن هناك حالة من غياب الرضا الوظيفي سواء ماديا أو أدبيا، فعلى الصعيد المادي توقفت رواتب المعلمين عند قيمة الراتب الأساس لموازنة عام 2014 من دون زيادة، ما يعني أن “كبير المعلمين” وهي أعلى درجة وظيفية قد يصل لها أي معلم؛ راتبه لا يتخطى 4 آلاف جنيه ويضطره ذلك إما للعمل في وظيفة أخرى أو اللجوء للدروس الخصوصية التي يلوم البعض المعلمين على الانخراط بها، وكذلك قد يستغني بعض المعلمين عن العمل في المدرسة بالدروس الخصوصية.
وأشار الجندي إلى أن قيمة المكافآت تخضع لقوانين تعود للسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، متسائلا عن مدى منطقية تحديد مكافأة تصحيح الورقة الامتحانية في الشهادة الإعدادية بـ10 قروش ، بينما قد يكون مطلوبا من المعلم تصحيح نحو 15 ألف ورقة امتحانية خلال بضعة أيام، وفي المقابل يكون أي جزاء أو خصم كبير ودون تهاون، بالإضافة إلى تأخر ترقيات المعلمين بسبب البيروقراطية.
توقف التكليف
وأكد الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس والتقويم التربوي بكلية التربية- جامعة عين شمس، أن مشكلة العجز في عدد المعلمين في مدارس الحكومة من المشكلات المهمة، موضحا أن هذه المشكلة تفاقمت نتيجة لبعض العوامل مثل التوقف عن تكليف خريجي كليات التربية منذ عام 1999م، وتعيين أعداد قليلة من أوائل الخريجين في السنوات التالية لهذا العام، وخروج أعداد كبيرة من المعلمين سنويًا إلى المعاش بدون تعيين معلمين جدد .
وقال شوقى في تصريحات صحفية: “توقف التعيينات أدت إلى رفع متوسط أعمار المعلمين، الأمر الذي يتطلب بعض الحلول غير التقليدية لحل تلك المشكلة ومنها:
إعطاء الأولوية لتعيين معلمين خريجي تخصصات تمكنهم من تدريس أكثر من مادة متشابهة ( مثلا خريجي أقسام الفلسفة يمكنهم تدريس أربع مواد هي الفلسفة والمنطق، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وكذلك الحال بالنسبة لخريجي قسم علم النفس)، وخريجي أقسام العلوم يمكنهم تدريس مواد العلوم المختلفة مثل الفيزياء، والكيمياء والأحياء.
تقليل الإعارات الخارجية، خاصة في التخصصات التي تُعاني من ندرة في عدد المعلمين.
عودة المعلمين المنتدبين إلي الإدارات والمديريات في حالة عدم الاحتياج اليهم، إلي العمل في المدارس لسد العجز.
إضافة سنة كاملة لكليات التربية تكون للتدريب العملي للطلاب في المدارس
التوسع في أن تكون الخدمة المدنية لخريجي الجامعات والكليات خاصة كليات التربية في المدارس.
التوسع في فتح باب التطوع للتدريس في المدارس لخريجي كليات التربية غير المعينين مقابل أجور رمزية.
فتح باب التبرع لرجال الأعمال لبناء مدارس بكافة مشتملاتها (أجهزة وأدوات وملاعب وتكاليف تعيين المعلمين الجدد) وإطلاق أسمائهم على تلك المدارس.
مراجعة مواقف المعلمين (أصحاب الإجازات بدون مرتب)، وإلزام من ليس لديه ظروف فعلية منهم للعودة مرة أخرى للعمل بالمدارس خاصة معلمي الدروس الخصوصية المشهورين أصحاب تلك الإجازات.
إلزام الموجهين للمواد المختلفة بالتدريس علي الأقل يوما في الإسبوع، لحين تعيين معلمين جدد.
وأوضح أنه في حالة العجز الشديد في بعض التخصصات يمكن فتح التعيين بعقود مؤقتة، مع كتابة المتعاقدين إقرارات بعدم المطالبة بعدم التعيين الدائم إلا اذا تم فتح باب التعيين الدائم، وتكون الأولوية في التعيين لمن يثبت جدارته منهم.
وأشار شوقي إلى اأه يمكن عمل محاضرات مجمعة للطلاب سواء في المداس (التي تسمح سعتها بذلك، أو عبر المنصات التعليمية) خاصة لطلاب المرحلة الثانوية، ويفيد في ذلك اتباع نظام التعلم الهجين، حيث تنقسم أيام الدراسة بين الحضور للمدرسة وحضور المنصات التعليمية .
وطالب برفع سن المعاش للمعلمين الراغبين في ذلك، والتي تسمح ظروفهم الصحية والذهنية بالاستمرار.