مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتراجع مستوى المعيشة والارتفاع الجنوني في الأسعار وتزايد معدلات التضخم والعجز الكبير في الموازنة العامة، بدأت حكومة الانقلاب تمهد للكارثة القادمة عبر الإعلان عن أن التوترات التي تشهدها المنطقة، بسبب العدوان الصهيوني على غزة ولبنان واحتمالات نشوب حرب إقليمية مع إيران قد تدفع إلى دخول البلاد فيما يسمى بـ”اقتصاد الحرب”، وذلك على ضوء التأثيرات التي تهدد البلاد، بفعل التوترات والصراعات المشتعلة في المنطقة.
هذه المزاعم الانقلابية تأتي بالتزامن مع تراجع أداء الأعمال بشركات القطاع الخاص بمقدار 5 نقاط، في الربع الثاني من العام الجاري، متأثرًا بارتفاع أسعار الطاقة ومعدلات التضخم، بالإضافة إلى استمرار ارتفاع مدخلات الإنتاج، بسبب مشكلات التصدير وتأثر حركة الملاحة العالمية بالتوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المنتجات النهائية.
وأكد خبراء الاقتصاد، أن تداعيات الحرب الصهيونية التي بدأت في قطاع غزة ثم لبنان وقد تمتد إلى إيران ظهرت بالفعل في مصر، خلال الأيام القليلة الماضية، وتصل ذروتها نهاية العام الجاري وبداية 2025 .
وقال الخبراء: إن “هناك 5 تداعيات لهذه الحرب على الاقتصاد المصري، تتمثل في: «انخفاض مصادر مصر الدولارية – خروج بعض الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة – ارتفاع الدولار أمام الجنيه – ارتفاع أسعار السلع والخدمات – نقص السلع”.
يشار إلى أن اقتصاد الحرب هو حالة تتخذ فيها الدول إجراءات ومعايير اقتصادية ومعيشية تتناسب مع حالة الطوارئ التي تعيشها، بسبب تعرضها لحروب أو تأثرها بها، وغالبا ما تتضمن خطوات تقشف مشددة لضبط الإنفاق.
اقتصاد حرب
كان مصطفى مدبولي رئيس وزراء الانقلاب قد قال: إنه “لو حدثت تطورات حرب إقليمية، سندخل فيما يسمى باقتصاد الحرب”.
وأضاف مدبولي خلال مؤتمر صحفي: بسبب التطورات الإقليمية الأخيرة، زاد سعر برميل النفط بمقدار 10 دولارات، زاعما أن هذه الزيادة تشكل عبئا كبيرا على الميزانية العامة لدولة العسكر.
وأشار إلى أنه أصدر تعليماته لوزراء المالية والكهرباء والبترول بحكومة الانقلاب، لضمان توفر الخدمات والسلع في ظل الظروف الحالية وفق تعبيره .
كما أعلن البنك المركزي المصري عن تراجع إيرادات قناة السويس بنسبة 25 بالمئة خلال العام المالي الماضي، بسبب توترات الشرق الأوسط.
فيما زعم عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب الدموي أن دولة العسكر فقدت نحو 6 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس في أول 8 شهور من العام الجاري، ما يعنى أكثر من 50 إلى 60% من إيراداتها القناة بسبب التوترات في المنطقة.
عواقب وخيمة
حول هذه الأزمة قال صندوق النقد الدولي: إن “حرب الإبادة الصهيونية في غزة سيكون لها عواقب وخيمة على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على نطاق أوسع، مع تأثيرات على كل من الناس والاقتصادات”.
وأكد الصندوق، أن الدول المجاورة مثل مصر والأردن تعاني بالفعل من تداعيات اقتصادية؛ نتيجة التصعيد الإسرائيلي مع غزة ولبنان، مشيرا إلى أن هذه التداعيات انعكست على أسعار السلع الأولية التي وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ العام الماضي .
وأشار إلى أن احتمال تصعيد الصراع يزيد من المخاطر وحالة عدم اليقين، وقد تكون له تداعيات اقتصادية كبيرة على المنطقة وخارجها.
وكشف صندوق النقد أنه في حال تصاعد الصراع أو توسعت الحرب في المنطقة، قد تصل الخسائر المحتملة إلى 13.7 مليار دولار، مما يعكس التأثير الكبير الذي قد يتعرض له الاقتصاد المصري.
حافة الهاوية
في هذا السياق، قال الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر: إن “الاقتصاد المصري على حافة الهاوية، بسبب الصراعات الحالية في المنطقة، وهو ما أثر على إيرادات قناة السويس بنسبة 50%، مؤكدا أنه لا يستبعد وصول تراجع الإيرادات إلى 100% الفترة المقبلة مع توقعات الدخول في حرب إقليمية”.
وأضاف «فهمي» في تصريحات صحفية أن الاقتصاد المصري قبل الحرب الإسرئيلية على غزة وبعدها على لبنان كان في طريقة إلى التعافي، ولكن بعد اشتعال الصراع وصل إلى وضع سيء.
وأشار إلى أن الفترة المقبلة ستشهد ارتفاعات جديدة في الأسعار والخدمات، وانخفاض في موارد مصر الدولارية، حيث الصراعات وعدم الأمان يؤدي إلى هروب الاستثمار، وانخفاض تحويلات المصريين في الخارج بجانب تأثر السياحة سلبًا.
وأوضح «فهمي» أن الصادرات المصرية -أيضًا- سنتخفض مع مشكلات التجارة العالمية، بعد منع الحوثيين مرور السفن في البحر الأحمر، وهو ما يرفع تكلفة النقل بين الدول، لافتا إلى أن ذلك يؤثر على الاستيراد، حيث سيؤدي إلى نقص في بعض السلع الغذائية، والتي منها السكر والزيت والدقيق والأعلاف ومن ثم ترتفع أسعار الدواجن والبيض واللحوم الفترة المقبلة”.
وتوقع حدوث ارتفاع جديد في سعر الدولار أمام الجنيه، خاصة في ظل أن المعروض من العملة منخفض ولا يقارن بالطلب والذي ارتفع بشكل كبير مع زيادة عدد المصريين إلى 111 مليون نسمة بجانب 9 ملايين لاجئ، وهذا في الوقت نفسه الذي تعتمد فيه دولة العسكر على الاستيراد.
ثمن الحروب
وقال الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد بأكاديمية النقل البحري: إن “التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة تدل على أن القادم شبه سواد”.
وأضاف، «الإدريسي»، في تصريحات صحفية أن ارتفاع حدة التوترات تعني تحرك الذهب والبترول والسلع الغذائية الأساسية، وهبوط حاد في البورصات العالمية والمحلية بجانب تأثر الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير مباشرة بالسلب، وتوقف لحركات السياحة والطيران في أكثر من المنطقة.
وأوضح أن مصر تدفع ثمن هذه الحروب بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ومن ثم سيؤثر ذلك على المواطن مؤكدا أنه بالفعل حدثت بعض الزيادات في الأسواق، حيث ارتفاع أسعار البن والزيت، والسيارات والعقارات وجميعها بسبب الحرب مع غزة ولبنان وإيران.
وأعرب «الإدريسي» عن أسفه لأن المشهد المسيطر على الاقتصاد خلال الفترة الحالية هو الضبابية، وعدم اليقين، حول موعد انتهاء هذه الأزمات، خاصة مع ارتفاع وتيرة التصعيد ودخول أطراف أخرى في الصراع مما يزيد من مدة الحرب، وهو وضع غير صحي للاقتصاد العالمي والاقتصاد المصري .
وتوقع حدوث انخفاض جديد في سعر الجنيه أمام الدولار في البنوك، لأن في النهاية مصادر مصر الدولارية بدأت تتأثر بالسلب، من انخفاض في إيرادات قناة السويس، واستثمارات أجنبية مباشرة وتحويلات المصريين في الخارج والصادرات.
وأكد «الإدريسي»، أن الشارع المصري بدأ الإحساس حاليًا بتداعيات حرب الإبادة الصهيونية ، حيث ارتفعت أسعار العديد من السلع التى تهم شريحة كبيرة من المواطنين وأبزرها البيض والخضروات والفاكهة، وهو ما يوصل في النهاية إلى حدوث الركود التضخمي، موضحا أن هناك ارتفاعات كبيرة في الأسعار وحركة البيع والشراء تتأثر بالسلب وهذا ليس أمر جيد لأي اقتصاد .