فات الميعاد… وبعد خراب مالطا، بدأ نظام السيسي العسكري يُعيد حساباته مع دول أفريقيا وخاصة دول حوض النيل، بعد سنوات من الجفاء والابتعاد عنهم وتركهم لإثيوبيا ولعديد من الأطراف الإقليمية التي ضخت استثمارات مليارية في دول حوض النيل، سواء السعودية أو الإمارات، مما أثر على علاقة دول حوض النيل مع مصر، واقترابهم أكثر نحو إثيوبيا، وهو ما عُبر عنه مؤخرًا بالموافقة على اتفاقية عنتيبي، التي تحرم مصر نهائيًا من حقها التاريخي في مياه النيل، وتمنح الحرية الكاملة لدول المصب في التصرف بمياه النيل رغم عدم حاجتها لتلك المياه، التي تهطل عليها بغزارة طوال العام.
أمس الأربعاء، اعتمد مجلس وزراء السيسي مقترحًا بتأسيس آلية لتمويل دراسة وتنفيذ المشاريع التنموية والبنية الأساسية في دول حوض النيل، تنفيذًا لتوجيهات السيسي، وذلك لما توليه مصر من اهتمام خاص بتعزيز علاقاتها بدول القارة الأفريقية، خصوصًا دول حوض النيل التي تمثل عمقًا استراتيجيًا لها.
ووفقًا لتصريحات مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، فإن المقترح يهدف إلى تحقيق التنمية على أساس المشاركة والتعاون بين مصر وأشقائها في دول حوض النيل، عبر تعزيز الاستثمار في المشاريع التنموية ومشاريع البنية الأساسية في هذه الدول، وفقًا للمعايير الاقتصادية السليمة التي تعزز فرص نجاح المشاريع وتجذب التمويل الأجنبي.
وتعتمد الآلية في تمويلها على ثلاثة مصادر، هي: ميزانية الدولة المصرية، والشراكة مع القطاع الخاص المصري، والشراكة مع الأشقاء في دول حوض النيل، وكذلك شركاء القارة الأفريقية من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية.
وتأتي تصريحات مدبولي في توقيت متأخر تمامًا، بعدما حسمت تلك الدول موقفها بانضمامها إلى اتفاقية عنتيبي، بإيعاز من إثيوبيا، التي باتت تتسيد القارة الأفريقية.
ولعل ما يكشف هزلية التصريحات المصرية وإعلان مدبولي عن استعداد مصر لتمويل المشاريع في القارة الأفريقية، أن مصر تعاني من عجز مائي كبير، إذ كشف صندوق النقد الدولي عن وجود عجز تمويلي يقدر بنحو 4 مليارات دولار، فيما تصل الديون إلى أكثر من 165 مليار دولار، وتقوم ببيع أصولها الاقتصادية من أجل سداد الديون وفوائدها.
فيما يصل العجز المائي في مصر إلى نحو 35 مليار متر مكعب سنويًا، وهو ما تحاول تعويضه بتقليص مساحات الأراضي الزراعية والتوسع في استيراد الأغذية من الخارج، ولا سيما بعد فشل مفاوضات سد النهضة، وإرسال القاهرة خطابًا إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يفيد بانتهاء مسارات المفاوضات بشأن السد الإثيوبي، بعد 13 عامًا من التفاوض مع إثيوبيا.
دخلت الاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض النيل، المعروفة بـ”اتفاقية عنتيبي”، حيّز التنفيذ يوم الأحد الماضي، رغم اعتراض دولتي المصب (مصر والسودان) عليها.
وهي تقضي بإلغاء اتفاقية مياه النيل لعام 1929، التي تمنح مصر حصة مرضية، واستفادة بلدان المنابع بما تراه دون الرجوع إلى بلدان الممر والمصب.
ويرجع اعتراض مصر على اتفاقية عنتيبي إلى ثلاثة بنود خلافية، هي:
بند الأمن المائي وعدم الاعتراف بالحصة التاريخية لها في مياه النيل المقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب وفق اتفاقية 1959، وبند الإخطار المسبق بتنفيذ أي مشاريع تنموية على النيل، وبند التصويت على القرارات بالإجماع بدلاً من الغالبية.
وتستند الرؤية المصرية في موقفها الرافض إلى حكم صادر عن محكمة العدل الدولية عام 1989، ومفاده أن اتفاقيات المياه تتمتع بالحصانة القانونية نفسها التي تتمتع بها اتفاقيات الحدود، وهذا يعني أنه لا يجوز تعديلها.
ولعل ما يكشف عشوائية السيسي ونظامه العسكري هو تأخر المبادرات المصرية للتعاون مع الدول الأفريقية لما بعد توقيع اتفاقية عنتيبي، وضياع فرص إقناع الدول الأفريقية بدعم الحقوق المصرية، وهو ما يهدد بضياع نحو 15% من مساحات الأراضي المزروعة في مصر وتهجير أكثر من مليون مزارع مصري، بعد اكتمال سد النهضة الإثيوبي.