إقرار مشروع قانون “المجلس الوطني للتعليم والابتكار” عسكرة وتحكم سياسي بالبحث العلمي والتعليم

- ‎فيتقارير
GIZA, EGYPT - OCTOBER 30: Egyptian students are seen during a lesson at the class of a primary school, where nearly 2 thousand students get education, in Baragil neighborhood of Giza, Egypt on October 30, 2014. Head master of the school complains about the crowded classroom sizes, reaching up to 70, lack of the desks and other impossibilities. Formal education, at every level, is provided freely at state schools in Egypt. Downswing due to the ongoing 4-year unrest, Egypt tries to overcome many difficulties and uncertainties. (Photo by Mohamed Hossam/Anadolu Agency/Getty Images)

 

على الرغم من اعتراضات المتخصصين والخبراء، وسابقا رفض مجلس النواب للقانون، وافق مجلس النواب المُهنّدَس من قبل مخابرات السيسي،  نهائيا على مشروع قانون إنشاء المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار، دون حتى التقيد بمقترحات الحوار الوطني ، التي أرسلت رأيها وملاحظاتها حول مشروع القانون.

 

ووفق الرواية الحكومية، وإعلام البغال، يهدف مشروع القانون إلى تحقيق التكامل الفني والمؤسسي بين المجالس والهيئات القائمة على إدارة مرفق التعليم والبحث والابتكار من خلال وضع السياسات العليا للتعليم بكل أنواعه، وجميع مراحله، وتحقيق التكامل بينها، والإشراف على تنفيذها على نحو يحقق النهوض بالتعليم وتطوير مخرجاته بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل المحلي والدولي، كما يتولى وضع السياسة العليا للدولة في مجال البحث والابتكار.

 

كيان عسكري مواز

ويضم المجلس في عضويته وزراء التعليم والبحث العلمي ومختصين، ووزراء الداخلية والدفاع وأجهزة أمنية ومخابرات، ما يشكل مجلسا موازيا فوق الوزارة المدنية المختصة بالتعليم والبحث العلمي.

ويختص المجلس بوضع الاستراتيجية الوطنية والخطط والبرامج لتطوير التعليم والبحث والابتكار وآليات متابعة تنفيذها بالتنسيق مع الوزارات والجهات والأجهزة المعنية، ومراجعة وتحديث الأولويات الوطنية في مجال التعليم والبحث والابتكار في القطاعات المختلفة، وإعداد التوصيات المتعلقة بالأطر الفنية والإدارية والقانونية اللازمة لتطوير العملية التعليمية، واقتراح سبل تطويرها والارتقاء بها مع مراعاة تكامل مخرجاتها مع متطلبات سوق العمل المحلي والدولي، ووضع مخطط قومي لتطوير البنية التحتية للمدارس والمعاهد الأزهرية والجامعات والمعاهد بكافة أنواعها ومراحلها، بما يتوافق مع توزيع الجامعات والمعاهد والمناطق الصناعية والمشاريع القومية، ومتابعة تنفيذ هذا المخطط مع الوزارات والجهات المعنية.

وهو ما يثير الجدل حول دور الوزارات المعنية، بعد ذلك، في ظل أدوار تنفيذية وصناعة الاستراتيجيات ومتابعة المسار التعليمي.

 

ووفق  محمود فوزي، وزير شئون المجالس النيابية والقانونية والتواصل السياسي، فإن فلسفة إنشاء المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار، تقوم على الربط بين سوق العمل والحكومة والتعليم.

جاء ذلك في تعقيبه على استفسار حنفي جبالي، رئيس مجلس النواب الانقلابي، حول ما يثار بأن قانون إنشاء المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار، لم يكن من توصيات الحوار الوطني.

 

وذكر أن الحكومة لا ترغب في إدراج تعديلات أخرى لمشروع القانون وعلى الأخص المادتين٢ و ٤ منه، وأضاف أن الحكومة تدارست توصيات الحوار الوطني، ورأت الأخذ ببعض من توصيات الحوار الوطني في مشروع القانون وعدم الأخذ بالبعض الأخر لمخالفتها لفلسفة مشروع القانون القائمة على ربط سوق العمل والحكومة والتعليم.

 

وأشار إلى أن هذا أمرا طبيعيا، من ذلك مثلاً توصية الحوار الوطني بزيادة عدد المتخصصين عن الحكوميين بالمجلس الوطني، وبدراسة ذلك الأمر داخل الحكومة لم يتم الموافقة على ذلك، مؤكدا تمسك الحكومة بمواد مشروع القانون بالصيغة التي أقرها مجلس النواب لتحقيق الهدف المنشود من إنشاء المجلس الوطني.

 

مخاوف

 

غير أن الحقيقة تبدو بعيدة كل البعد عن هذه المزاعم، فالكثير من الخبراء يرون أن القانون هو مجرد فنكوش، أي كيان وهمي لا يخدم الأهداف المعلنة، بل يعمق أزمة التعليم المتفاقمة في مصر، ومن خلال منح المجلس سلطات مركزية شاملة، يمكن أن يؤدي إلى تعطيل ديناميكية النظام التعليمي بدلًا من إصلاحه.

ومما يعمق المخاوف، أن مجلس النواب كان  قد رفض مشروع القانون في جلسات سابقة، حيث أثار اعتراضات من العديد من النواب والخبراء الذين أكدوا أن هذا المجلس سيشكل عبئًا إضافيًا على النظام التعليمي، فقد حذر المعارضون من أن المركزية المفرطة للمجلس الجديد ستسلب الجامعات والمدارس القدرة على اتخاذ قرارات خاصة بإدارتها، وتجعلها رهينة لسياسات وأجندات سياسية، بدلاً من التركيز على تطوير البحث والتعليم.

لكن ما يثير الاستغراب هو التراجع المفاجئ من جانب البرلمان، الذي وافق على القانون بعد أن كان قد رفضه سابقًا.

 

ومنذ الإعلان عن مشروع القانون، تزايدت الانتقادات من قبل المتخصصين في التعليم والبحث العلمي، فبدلاً من تحسين نظام التعليم المترهل في مصر، يرى البعض أن المجلس الجديد سيصبح مجرد أداة للتحكم في المؤسسات التعليمية والبحثية، وبالتالي ستخضع هذه المؤسسات لإملاءات السلطة، بعيدًا عن مصالح الطلاب والأساتذة.

 

الموافقة المفاجئة من البرلمان على مشروع القانون تثير العديد من الشكوك حول دور أجهزة سيادية في إقرار هذا النوع من القوانين، ويبدو أن النظام يسعى لتعزيز سيطرته على مختلف جوانب الحياة في البلاد، بما في ذلك التعليم، وقد يكون المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار، في حقيقته، محاولة من السيسي ودوائره المقربة، للسيطرة على الجامعات والبحث العلمي وتوجيههما لخدمة الأهداف السياسية للنظام.

المخاوف تتزايد من أن هذا المجلس سيصبح أداة لفرض مزيد من التبعية على القطاع الأكاديمي والبحثي، ويمنع أي محاولات جادة لإصلاح التعليم بعيدًا عن تأثيرات السلطة، هذا، في وقت تشتد فيه حاجة مصر إلى نظام تعليمي حر وفعال يتيح المجال للإبداع والابتكار الحقيقيين.

كما أن أحد أخطر جوانب هذا القانون هو تأثيره المحتمل على البحث العلمي، بدلاً من دعم الابتكار وتوفير بيئة محفزة للباحثين، يُخشى أن يتحول المجلس إلى جهة رقابية تفرض قيودًا على نوعية الأبحاث التي يتم إجراؤها، وفي ظل هذه الأجواء، قد يجد الباحثون أنفسهم محاصرين بأجندات سياسية، ما يحد من قدرتهم على التفكير الإبداعي والعمل على مشروعات جديدة تهدف إلى تطوير البلاد.

 

 

ويعد التعليم أحد الركائز الأساسية لبناء أي مجتمع متقدم، ولكن في مصر، تعاني المنظومة التعليمية من تدهور شديد، خاصة في المراحل الإعدادية والثانوية، فقد أصبحت المدارس، بدلاً من أن تكون بيئة آمنة للتعلم وتطوير المهارات، رمزًا لفشل إداري وإهمال متواصل من قبل الحكومة المصرية، ورغم تصريحات وزير التعليم المتكررة حول التحسينات المزعومة، يبقى الواقع مريرًا، ويعكس حقيقة معاناة الطلاب والمعلمين في بيئة تعليمية غير مناسبة.

 

وفي ظل الانقلاب العسكري، شهدت مصر تدهورًا كبيرًا في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعليم، بينما تحاول الحكومة تقديم صورة وردية عن الإصلاحات في هذا القطاع، تكشف الحقائق على الأرض عن انهيار واضح في نظام التعليم، خاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، يعاني الطلاب في هذه المراحل من مشكلات متعددة، أبرزها عدم توافر بيئة تعليمية ملائمة وعدم كفاية عدد المدارس والمعلمين، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على مستوى التحصيل العلمي وجودة التعليم.

 

وعلى الرغم من أن أعداد الطلاب داخل الفصول في المدارس الحكومية تتجاوز في العديد من الحالات الـ 60 و70 طالبًا، ينفي وزير التعليم وجود أي أزمة بهذا الشأن.

 

هذا التجاهل الصارخ للحقيقة يمثل استهانة بمعاناة ملايين الطلاب، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتعلم في ظروف غير إنسانية، فالكثافة العالية في الفصول تؤثر بشكل مباشر على جودة التعليم، حيث يصبح من المستحيل على المعلم متابعة كل طالب على حدة، ناهيك عن تقديم دروس تفاعلية أو تمارين تطبيقية.

 

الطلاب أنفسهم أصبحوا ضحايا هذا النظام المتهالك، حيث يضطرون للجلوس في فصول ضيقة ومكتظة، غير قادرين على التركيز أو الاستفادة من الدروس.

ولا يقتصر الفشل على الطلاب فحسب، بل يمتد ليشمل المعلمين الذين يعانون من ضغوط هائلة نتيجة تكدس الفصول، فالمعلم المصري يجد نفسه مسؤولًا عن مئات الطلاب دون وجود الأدوات أو الإمكانيات الكافية لتقديم دروس فعالة، يضطر المعلمون للتعامل مع عدد كبير من الطلاب، ما يجعل من المستحيل توفير الاهتمام الكافي لكل طالب على حدة، وهذا بدوره يؤثر على التحصيل الأكاديمي للطلاب.

 

 

البنية التحتية المتدهورة

إلى جانب النقص في الكوادر التعليمية، تعاني المدارس من تدهور حاد في البنية التحتية، العديد من المدارس في المناطق الفقيرة أو الريفية تفتقر إلى الأساسيات اللازمة لتوفير تعليم ملائم، بعض الفصول تفتقر إلى التهوية الجيدة أو حتى إلى أماكن جلوس كافية للطلاب، وفي بعض الحالات، يضطر الطلاب إلى الجلوس على الأرض نتيجة عدم توافر مقاعد.

ورغم الواقع المرير، يصر وزير التعليم  على نفي وجود أي مشكلات في الفصول أو نقص في المعلمين، مدعيًا أن النظام التعليمي المصري يسير على خطى الإصلاح، لكن هذه التصريحات لا تعكس سوى انفصال الحكومة التام عن معاناة الطلاب والمعلمين اليومية.

 

كما أن الحكومة تتعامل مع منتقدي النظام التعليمي بالقمع بدلًا من الإصلاح، بالإضافة إلى ذلك، تفتقر معظم المدارس إلى التكنولوجيا الحديثة أو الأدوات التعليمية التي يمكن أن تساعد في تحسين جودة التعليم، العديد من المدارس لا تزال تعتمد على وسائل تدريس تقليدية، لا تتناسب مع متطلبات العصر الرقمي.

وهو ما يجعل الإصلاح صعبا، علاوة على مخطط العسكرة، الذي يدفع نحوه السيسي.