تواجه تعديلات قانون العمل التي أعدتها حكومة الانقلاب انتقادات واسعة، إذ إنها لا تحمي حقوق العمال بل تقنن السخرة والعمل الجبري وتخدم مصالح رجال الأعمال وأصحاب العمل.
ويرى خبراء ونقابيون أن مشروع القانون الجديد لا يقدم تغييرات جوهرية على قانون العمل الحالي، بل يكتفي بإعادة تبويبه وإضافة قسم يتعلق بالمحاكم العمالية المتخصصة.
وأشاروا إلى أن بعض المواد الجديدة تزيد من صعوبة العمل النقابي وتضر بحقوق العمال، مثل مادة تُقنن عقود المقاولات المؤقتة، التي تؤدي إلى انعدام الاستقرار الوظيفي وتفتقر إلى الحماية المالية والاجتماعية للعمال.
وطالب الخبراء بعقد جلسات حوار مجتمعي لمناقشة مشروع قانون العمل الجديد، مع إشراك جميع الأطراف المعنية، خصوصًا العمال والمنظمات النقابية المستقلة، لضمان تحقيق توازن بين مصالح العمال وأرباب العمل. وأكدوا أن القانون بصيغته الحالية يغلّب مصلحة أرباب العمل على حساب العمال، ويتجاهل التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها علاقات العمل منذ إقرار قانون 2003.
كما أكدوا أن لجنة القوى العاملة بمجلس نواب السيسي ناقشت مشروع القانون دون عقد جلسات استماع للأطراف العمالية، موضحين أن القانون ما زال يحتفظ ببنود تقيّد حق الإضراب عن العمل، مما يقوّض قدرة العمال على الاحتجاج المشروع ضد شروط العمل المجحفة.
وشدد الخبراء على ضرورة مراجعة بنود القانون لتعزيز السلم الاجتماعي وتحقيق الأمن المجتمعي، داعين إلى تعديل القانون لحماية حقوق العمال وتحسين ظروف عملهم بما يضمن لهم العيش بكرامة.
العمل الجبري
انتقد المحامي العمالي هيثم محمدين مشروع قانون العمل الجديد، مؤكدًا أن بعض التفاصيل الصغيرة في بنوده تشكل تهديدًا خطيرًا على حقوق العمال.
وقال محمدين في تصريحات صحفية: من أبرز هذه التفاصيل “المادة الرابعة”، التي تنص على أن كل الغرامات المحكوم بها على أصحاب الأعمال تؤول إلى الخزانة العامة، مشيرًا إلى أنه كان يجب أن تذهب هذه الغرامات لصالح “صندوق دعم العمالة غير المنتظمة” أو “صندوق طوارئ العمال”، أو حتى لصالح اللجان النقابية المعنية.
وحول أزمة الأمان الوظيفي، كشف محمدين عن وجود تناقضات تشريعية يعاني منها قانون العمل الحالي؛ ففي حين تمنع إحدى المواد فصل العامل إلا في حالة الخطأ الجسيم، تنص أخرى على السماح بفصل العامل حال وجود ما يسمى “مبرر مشروع”، وهو تناقض يستغله أصحاب الأعمال في المحاكم.
وأضاف أن القانون حدد تعويضًا ضئيلًا للعامل في حال فصله، وهو شهران عن كل سنة عمل، وهو تعويض غير عادل، خاصة في ظل تغيرات الأسعار وفرق العملة. وأوضح أنه إذا امتنعت جهة العمل عن تنفيذ حكم إعادة العامل إلى عمله، فإن الغرامة القصوى عليها تعادل 20 ألف جنيه فقط، وهو مبلغ زهيد جدًا، ويجب أن تكون العقوبة أكثر قسوة.
وأعرب عن أسفه لعدم وجود عقوبات على أصحاب العمل في حال عدم تنفيذ الأحكام القضائية، قائلًا: “من المفترض أن تكون الأحكام القضائية واجبة النفاذ، ويجب معاقبة صاحب العمل حال عدم تنفيذ حكم المحكمة، بينما يعاقب الموظف العام في حال عدم تنفيذ الأحكام، في حين لا توجد عقوبة على صاحب العمل”.
وفيما يتعلق بعقود العمل محددة المدة، اعتبر محمدين أن بند “إعادة نفقات التدريب” في حال لم يكمل العامل مدة عقده يُعد تقنينًا للعمل الجبري، مما يمنع العامل من الاستقالة خوفًا من المقاضاة.
وأشار إلى أن القانون الحالي يسمح بتحويل عقد العمل إلى عقد لصالح صاحب العمل بشكل غير عادل إذا وافق العامل على تغيير ظروف عمله، مثل الانتقال بين الأقسام أو العمل بنظام اليومية أو الإنتاج.
وكشف محمدين أن التعامل مع قضية التشغيل بالسخرة في القانون الجديد غير كافٍ، حيث اعتبرها مجرد “مخالفة” تُعاقب بغرامة مالية قدرها 20 ألف جنيه فقط. وطالب بمحاكمة المتورطين في هذه الممارسات بموجب المادة 176 من قانون العقوبات، التي تشدد العقوبات على هذا النوع من الاستغلال.
شرعنة الاتجار بالبشر
طالب المحامي مالك عدلي، المدير التنفيذي للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بمراجعة عاجلة لمشروع قانون العمل الجديد، محذرًا من أنه يشرعن الاتجار بالبشر ويستغل العمال بشكلٍ ممنهج.
وقال عدلي في تصريحات صحفية إن نصوص القانون “لا تتضمن حقوق العمال الأساسية”، مشيرًا إلى أن الحد الأدنى للأجور الذي يقره القانون لا يتم تطبيقه بشكل فعلي، مما يجعل العمال عرضة للاستغلال من قبل أصحاب الأعمال.
وانتقد العقوبات المنصوص عليها في القانون، قائلًا: “العقوبات ضعيفة وهزيلة ولا تتناسب مع حجم الضرر الواقع على العامل”.
وأشار إلى أن العقود السنوية التي يعتمدها العديد من أصحاب الأعمال تعتبر “صيغة مشرعة لتهديد العمال”، منتقدًا غياب الإجراءات المتعلقة بالسلامة النفسية والصحة العقلية للعمال في القانون الجديد.
وأكد أن القانون الحالي يمنع العمال من ممارسة حقهم في الإضراب من خلال فرض عراقيل كبيرة على تنظيمه والحصول على الموافقات اللازمة.
وأوضح عدلي أن شركات تقدمت بطلبات استثناء من تطبيق الحد الأدنى للأجور على موظفيها، وأن الجهات الحكومية لم تقدم إحصاءات واضحة حول هذه الشركات أو سقفًا زمنيًا لحصر الطلبات والبت فيها.
مشروع بديل
انتقد القيادي النقابي جمال عثمان مشروع قانون العمل الجديد، مؤكدًا أنه لا يلبي احتياجات العمال ولا يعالج مشاكل قانون العمل لعام 2003.
وكشف عثمان أن تحالف أمانات عمال الأحزاب والنقابات صاغ مشروع قانون بديل يركز على معالجة الثغرات والمشاكل التي يُعاني منها قانون العمل الحالي، وتضمن المشروع البديل حلولًا لإشكاليات عدة تتعلق بحقوق العمال، مثل العلاوات، الحق في الإضراب، وعقود العمل، بالإضافة إلى العمالة غير المنتظمة.
وأوضح أن المشروع نص على ضرورة تطبيق علاوة قدرها 10% على الأجر الشامل وليس الأجر التأميني، وهي خطوة مهمة لتحسين الوضع المالي للعمال، لكنه أشار إلى أن الحد الأدنى للأجور في المشروع ما زال منقوصًا، حيث لا توجد ضوابط واضحة لضمان تطبيقه بشكلٍ عادل.
وشدد عثمان على أهمية الحق في الإضراب كحق ثابت وقانوني، معتبرًا أن أي تقييد لهذا الحق يعني إخراجه من مضمونه، وأشار إلى ثغرات في عقود العمل بالمشروع الحالي، مؤكدًا أن المشروع البديل قدم حلولًا لمعالجتها، بما في ذلك توسيع تشكيل المجلس الأعلى للعمل ليشمل 100 شخصية من ممثلي العمال وأصحاب العمل والحكومة.
وختم بأن النقابات العمالية طالبت منذ عام 2017 بمراجعة قانون العمل لتعزيز حقوق العمال، إلا أن النسخة الحالية من المشروع لا تلبي هذه المطالب.