كشف تحليل رصدي متتابع لمنصة صحيح مصر عن نفوذ العسكر في الحكم المحلي منذ 2011 وحتى 2025 الجاري، وعبر @SaheehMasr قالت المنصة: إن "توسعًا ملحوظًا في نفوذ المؤسسة العسكرية داخل مختلف قطاعات الحياة العامة، من السياسة والاقتصاد إلى إدارة مؤسسات الدولة".
وأشارت إلى أنه لم يكن الحكم المحلي بعيدًا عن هذا التوسع، حيث برز الحضور العسكري بشكل لافت في المناصب التنفيذية العليا بالمحافظات، وهي المناصب المسؤولة مباشرة عن إدارة شؤون المواطنين اليومية، تحقيق منصة صحيح مصر المدعوم بالبيانات يقدم صورة دقيقة عن حجم هذا النفوذ، من خلال قاعدة بيانات تغطي تعيينات المحافظين ونواب المحافظين والسكرتير العام للمحافظات بين عامي 2011 و2025.
والتحليل الرصدي للعسكرة في القطاع المحلي ليس مجرد تمرين إحصائي، بل هو محاولة لفهم كيف تُدار الدولة المصرية من القاعدة إلى القمة، وكيف أصبحت المؤسسة العسكرية جزءًا لا يتجزأ من الإدارة اليومية للمحافظات. الهدف هو كشف السياسات الممنهجة التي تفضل العسكريين، وتوضيح أثر ذلك على فرص المدنيين، وعلى طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة.
60% من المناصب
وكشفت بيانات "صحيح مصر" أن هذه المناصب الثلاثة تشكل حجر الأساس في منظومة الحكم المحلي. فالمحافظ يقود السياسة التنفيذية ويمثل السلطة المركزية، بينما يتولى نائب المحافظ الإشراف على القطاعات الخدمية والتنموية، ويضطلع السكرتير العام بإدارة الجهاز الإداري اليومي وضمان تنفيذ القرارات. وخلال الفترة محل الدراسة، شهدت هذه المناصب 465 حركة تعيين وتنقل، ما يعكس حالة مستمرة من إعادة تشكيل القيادات المحلية. الأرقام تظهر أن العسكريين استحوذوا على نحو 60% من إجمالي التعيينات، مقابل 37% للمدنيين، فيما لم تتجاوز نسبة القضاة 3% قبل أن يختفي وجودهم تمامًا في السنوات الأخيرة. وبالأرقام الدقيقة، تولى 278 عسكريًا هذه المناصب مقابل 173 مدنيًا و14 قاضيًا فقط، ما يعكس تفضيلًا واضحًا للخلفية العسكرية في إدارة الحكم المحلي.
الرئيس مرسي استثناء
وعن التأصيل التاريخي، أشارت إلى أن التوسع في الاعتماد على العسكريين في الوظائف المدنية بدأ خلال فترة حكم حسني مبارك، واستمر النهج بعد الإطاحة به عام 2011 في فترة المجلس العسكري، ثم في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور، وصولًا إلى عبد الفتاح السيسي.
وأوضح التحليل أنه في فترة حكم الرئيس محمد مرسي كانت استثناءً نسبيًا، حيث ارتفعت نسبة المدنيين في هذه المناصب إلى 55% مقابل 33% للعسكريين، لكن هذا التوجه لم يستمر طويلًا، إذ عادت النسبة لترتفع إلى 57% في عهد السيسي، بعد أن بلغت 65% في فترة المجلس العسكري و61% في عهد منصور.
وكشف التحليل أن هناك ثماني محافظات من أصل سبع وعشرين لم يتول منصب المحافظ فيها أي مدني خلال الفترة المدروسة، وهي أسوان والبحر الأحمر والسويس والوادي الجديد وبورسعيد وجنوب سيناء وشمال سيناء ومرسى مطروح، في المقابل، كانت بني سويف المحافظة الوحيدة التي لم يتول منصب المحافظ فيها أي عسكري، واقتصر الأمر على المدنيين والقضاة.
وأشار إلى أن المحافظات التي شهدت تمثيلًا أكبر للمدنيين، فجاءت القليوبية في الصدارة بنسبة 71.4%، تلتها القاهرة بنسبة 66.7%، ثم الفيوم بنسبة 62.5%، والدقهلية والشرقية بنسبة 55.6% لكل منهما. أما الإسكندرية فبلغت نسبة المدنيين فيها 38.5% فقط مقابل هيمنة العسكريين.
وبينما عكس نهج مرسي الرغبة في زيادة الاعتماد علي المدنيين إلا أنه حافظ علي تفوق طفيف للعسكريين في منصب السكرتير العام بنسبة 55% ، فإن نهج السيسي يشير إلى محاولة الموازنة بين زيادة اعتماده على العسكريين في منصبي المحافظ والسكرتير العام، مقابل المدنيين كنواب للمحافظين.
نائب المحافظ
على صعيد منصب نائب المحافظ، الذي استُحدث بشكل موسع منذ عام 2018، فإن المدنيين استحوذوا على نحو 90% من التعيينات، بعدما كان العسكريون يسيطرون على 75% من هذه المناصب في فترتي المجلس العسكري ومنصور، بينما غابوا تمامًا في فترة مرسي.
وهذا يعكس محاولة لاحقة لإحداث توازن بين العسكريين والمدنيين، حيث اعتمد السيسي على المدنيين بشكل أكبر في منصب نائب المحافظ، مقابل استمرار الاعتماد على العسكريين في منصبي المحافظ والسكرتير العام.
واعتبرت أن السيسي تحديدًا شهد سيطرة واسعة للعسكريين بنسبة تجاوزت 72% في عهد السيسي و65.9% في فترة المجلس العسكري، بينما بلغت النسبة 55% في عهد مرسي.
وأوضح التحليل أن المناصب الثلاثة تعاني من معدلات تغيير مرتفعة، خاصة في أول سنتين من التعيين، حيث لا يبقى غالبية الأفراد في مواقعهم أكثر من هذه المدة، سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، هذا يعكس طبيعة الإدارة المحلية في مصر التي تتسم بالانتقالات السريعة وعدم الاستقرار في القيادات، كما يُظهر التحقيق أن العسكريين يتمتعون بفرص أكبر في الترقي الوظيفي مقارنة بالمدنيين، فعلى سبيل المثال، لم يترق سوى 3% من المدنيين الذين شغلوا منصب سكرتير عام إلى منصب محافظ، معتبرة أنه رقم منخفض مقارنة بالعسكريين الذين حظوا بفرص أكبر للانتقال إلى المناصب العليا.
وخلص التحليل المنشور على مرتين عل منصة الموقع الاستقصائي إلى أنه رغم محاولات لإحداث توازن عبر الاعتماد على المدنيين في منصب نائب المحافظ، فإن المناصب الأكثر تأثيرًا، أي المحافظ والسكرتير العام، بقيت تحت سيطرة العسكريين بشكل واضح، هذا التوجه يعكس رؤية الدولة لأهمية الخلفية العسكرية في إدارة الملفات التنفيذية والأمنية، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول مستقبل الإدارة المدنية في الحكم المحلي وقدرتها على المنافسة في ظل هيمنة المؤسسة العسكرية.
دوافع التحليل
ويبدو أن للتحليل عدة دوافع تجعل مثل هذا التحقيق ضروريًا ومهمًا ومنه، تتبع التحولات السياسية بعد 2011، ويتعلق ذلك بتوثيق التحولات بالأرقام، بدلًا من الاكتفاء بالانطباعات العامة.
ومعني بالدوافع أيضا، قياس حجم النفوذ العسكري في الحياة اليومية فالمناصب في المحافظات ليست إدارية مجردة، بل هم المسؤولون عن الخدمات اليومية للمواطنين: الصحة، والتعليم، والبنية التحتية، والأمن المحلي.
ووجود العسكريين في هذه المناصب يعكس أن المؤسسة العسكرية لا تكتفي بالسيطرة على السياسة العليا، بل تدير تفاصيل الحياة اليومية أيضًا، وكيف أصبح المواطن يتعامل مع سلطة عسكرية حتى في أبسط شؤون حياته.
ومن ثالث الدوافع؛ كشف أنماط التفضيل في التعيينات، وأن الخلفية العسكرية في المناصب التنفيذية، يشاع أنها أكثر قدرة على الضبط والسيطرة وسرعة التنفيذ، وكيف أن الاختيار ليس مجرد صدفة، بل سياسة ممنهجة.
ويظهر أيضا من جانب البيانات "أثر العسكرة على فرص المدنيين" وذلك في الترقي إلى منصب المحافظ ضعيفة جدًا مقارنة بالعسكريين، حيث ينحاز المسار الوظيفي للدولة العسكرية في الإدارة المحلية بشكل هيكلي لصالح العسكريين، وتُغلق أمام المدنيين أبواب التقدم داخل الجهاز الإداري.
وقالت تقارير: إن "الدافع الخامس متعلق ب"فهم العلاقة بين المركز والمحافظات"، وأن المركز (السيسي وحكومته المركزية) يضمن ولاءً مباشرًا من خلال شبكة عسكرية ممتدة ما يعني أن العسكرة ليست فقط خيارًا إداريًا، بل أداة سياسية لضبط المحافظات وربطها بالسلطة المركزية".