بقلم محمد حمدي
في وقتٍ يتسارع فيه تمدد الاحتلال الإسرائيلي خارج حدوده الجغرافية، ساعيا إلى تثبيت أقدامه في أخطر الممرات الملاحية في العالم، يبرز الحديث عن اعتراف أو شراكة إسرائيلية مع ما يُعرف بـ"أرض الصومال" كجزء من مشروع إقليمي أكبر يستهدف تطويق البحر الأحمر، والتحكم في بوابة باب المندب، وإعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي.
هذا التحرك، إن اكتمل أو أُعلن رسميا، لا يمكن قراءته كخطوة دبلوماسية عادية، بل كتحرك استخباراتي-عسكري بامتياز، يحمل في طياته تهديدا مباشرا للأمن القومي العربي، وعلى رأسه أمن السعودية ومصر.
القرن الأفريقي.. الهدف الصامت
تتمتع "أرض الصومال" بموقع استراتيجي بالغ الحساسية، إذ تطل مباشرة على خليج عدن وباب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وممرا لا غنى عنه لحركة النفط والسلع من آسيا إلى أوروبا. أي وجود للاحتلال الإسرائيلي في هذه المنطقة يمنحه قدرة استخباراتية على مراقبة الملاحة الدولية، وموطئ قدم عسكري قريب من اليمن والبحر الأحمر، وأداة ضغط جيوسياسي في لحظات التوتر الإقليمي.
لا يمكن قراءته كخطوة دبلوماسية عادية، بل كتحرك استخباراتي-عسكري بامتياز، يحمل في طياته تهديدا مباشرا للأمن القومي العربي، وعلى رأسه أمن السعودية ومصر
الاحتلال، الذي وسّع بالفعل نفوذه في شرق المتوسط، يسعى اليوم إلى استكمال طوقه الجنوبي، في إطار استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى السيطرة غير المباشرة على طرق التجارة والطاقة.
السعودية في مرمى التهديد
يمثل باب المندب عمقا استراتيجيا للأمن القومي السعودي، وأي اختراق إسرائيلي هناك يعني تهديدا مباشرا لأمن الملاحة السعودية، وإمكانية تعطيل صادرات النفط وقت الأزمات، وتقويض مشاريع استراتيجية كبرى مرتبطة بالبحر الأحمر، كما أن دخول الاحتلال على خط القرن الأفريقي يربك التوازنات الإقليمية، ويقلص من هامش الحركة السعودية في منطقة باتت ساحة صراع نفوذ مفتوح.
مصر.. الخطر الأقرب
بالنسبة لمصر، فإن المسألة أكثر خطورة، فباب المندب وقناة السويس يشكلان شريانين حيويين للاقتصاد والأمن القومي، وجود إسرائيلي بالقرب من هذه النقطة الحساسة يعني قدرة غير مباشرة على الضغط على قناة السويس، وتهديدا استراتيجيا لحركة التجارة المصرية، وتطويقا جيوسياسيا من الجنوب، يتكامل مع النفوذ الإسرائيلي شرق المتوسط والتنسيق مع إثيوبيا، إنه مشهد "كماشة استراتيجية" تقترب من عنق الدولة المصرية.
المفارقة الصادمة: السيسي في الاتجاه المعاكس
ما يجري ليس حدثا عابرا، بل إعادة تشكيل جذرية لموازين القوة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، تمدد الاحتلال الإسرائيلي جنوبا يقابله صمت عربي، وتواطؤ سياسي، وتوسّع مصري رسمي في العلاقات مع الاحتلال
ورغم هذا التمدد الخطير للاحتلال الإسرائيلي، ورغم محاولاته السيطرة على أكبر دول الإقليم وممراته الحيوية، نجد النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي يسير في الاتجاه المعاكس تماما، فبدلا من بناء موقف إقليمي صلب في مواجهة هذا التغلغل، يواصل السيسي توسيع نطاق الاتفاقيات مع الاحتلال، وتعميق التفاهمات الأمنية والعسكرية، وتحويل العلاقة من تنسيق مفروض إلى شراكة متنامية.
وفي وقتٍ تتحرك فيه إسرائيل لتطويق مصر استراتيجيا، يقدّم النظام المصري أوراقه واحدة تلو الأخرى، تحت لافتة "السلام" و"الاستقرار"، بينما تتآكل ثوابت الأمن القومي.
شرعنة التفتيت.. الخطر الأكبر
الاعتراف بأرض الصومال لا يهدد الصومال وحده، بل يضرب مبدأ وحدة الدول الأفريقية من جذوره، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من التفكيك والانفصال. وهو نهج يتسق تماما مع تاريخ الاحتلال الإسرائيلي في دعم تقسيم الدول وإضعاف الكيانات المركزية.
ما يجري ليس حدثا عابرا، بل إعادة تشكيل جذرية لموازين القوة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. تمدد الاحتلال الإسرائيلي جنوبا يقابله صمت عربي، وتواطؤ سياسي، وتوسّع مصري رسمي في العلاقات مع الاحتلال، في لحظة كان يُفترض أن تكون لحظة اصطفاف دفاعي لا انكشاف استراتيجي.
إن أخطر ما في المشهد ليس ما يفعله الاحتلال، بل ما لا تفعله الأنظمة العربية، والهرولة والتسارع نحو التحالف مع ذلك الكيان، وكأن تلك الدول تحفر قبرها بيدها ظنا منها أنها ستنجو من الموت.