يقدّم إعلاميو السلطة، ومنهم محمد الباز، قراءة تبريرية للوضع السياسي والحقوقي، حيث يدعوّن أن مصر تحتاج إلى “انضباط” أكثر من حاجتها إلى “حرية مطلقة”، وأن الأولوية هي للاستقرار وليس للمطالب الحقوقية التي قد تُفهم – من وجهة نظرهم – كتهديد للنظام العام.
ورصدت منصات استقصائية منها منصة (متصدقش) عبر @matsda2sh على إكس، تصريحا لمحمد الباز رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة الدستور – قناة "المحور"، قال: إن "المعارضة المصرية أفقدت نفسها أي رصيد لدى مؤسسات الدولة، لأنه هو مش شايف إنك بتتحدث على الاقل بموضوعية"!
وهو خطاب مبني على أن الأوضاع في مصر "مستقرة" وبلد الأمن والآمان، التي يتجنب فيه رئيس الانقلاب صلاة الجمعة مع الجماهير ويفضل افتتاحاته في ساعات الليل الأخيرة، ويروج لهذا الخطاب ونتائجه شخصيات (مساندة بأحجام الأتباع) رصد لها متابعون أيضا تركيزا على هذا المحتوى فقبل أيام نشرت منصة "صحيح مصر" تصريحا لـ"تواضروس الثاني"، بابا الإسكندرية، خلال حوار له مع جريدة "الوطن"، التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المملوكة للدولة، إن "حقوق الإنسان بقى ليها مجلس في مصر بيقوده ناس محترمة، كمان مصر مشاركة في مجلس حقوق الإنسان الدولي، عضو فيه، مشاركة بفعالية، وأعتقد في مصر هنا تبان استجابات لحقوق الإنسان من وقت للتاني (..) المرات اللي السيد (…) السيسي بيعفو فيها على بعض المسجونين، يعني في حركة، وفي عمل (..) وفي تقدم في حقوق الإنسان كتير (..) مصر دولة إنسانية تحترم الإنسان".
لا حرية للعمل السياسي
وعلى سبيل التذكير لهؤلاء الإعلاميين صححت منصة "متصدقش" الوضع القائم في مصر في ضوء التقارير (من بين مئات التقارير عن حالة حقوق الإنسان في مصر والحريات السياسية والحريات العامة منذ يوليو 2013) أن "الباز" وتواضروس يتجاهلان الوضع السياسي في مصر إلى تضييق واضح على حرية العمل السياسي للمعارضة، وغياب بيئة تسمح بتداول الآراء المخالفة للسلطة. وتؤكد المؤشرات الدولية أن المناخ العام لا يتيح تعددية سياسية حقيقية، وأن النظام يصنَّف ضمن الأنظمة السلطوية.
وأشارت إلى أن مصر تحتل المرتبة 128 من بين 167 دولة في مؤشر الديمقراطية لعام 2024 الصادر عن مجلة الإيكونوميست، وجاء تصنيفها ضمن الأنظمة السلطوية. ويعود هذا الترتيب المتأخر بشكل أساسي إلى ضعف “العملية الانتخابية والتعددية”، إذ حصلت مصر على 0.42 من 10 نقاط في هذا المؤشر، الذي يقيس التنافس الحزبي، وحرية تشكيل الأحزاب، وقدرتها على تنظيم حملات انتخابية مفتوحة.
ولفتت إلى أن هذا كشفه تعامل النظام مع حزب تيار الأمل (تحت التأسيس) بقيادة أحمد الطنطاوي، الذي واجه صعوبات في تحرير توكيلات التأسيس بعد امتناع مكاتب الشهر العقاري عن تنفيذ الإجراءات، وفق تقارير حقوقية وإعلامية.
وأضافت أن الطنطاوي قضى عاما في الحبس في قضية “التوكيلات الشعبية”، وهي محاكمة وصفتها منظمات حقوقية بأنها غير عادلة، بينما عبّرت الأمم المتحدة عن “قلق بالغ” من الحكم، معتبرة أنه جزء من حملة قمع مستمرة ضد المعارضين.
وعن المقابل، أوضحت أن ما يسمى "حزب الجبهة الوطنية"، ويضم مسئولين ووزراء سابقين وحاليين، ويموله رجال أعمال مقربون من الدولة، بدعم حكومي واسع. فُتحت له مكاتب الشهر العقاري، واستُضيف قادته في وسائل الإعلام الرسمية، وحضر مسئولون حكوميون مؤتمراته، في مشهد يعكس التمييز بين الأحزاب الموالية والمعارضة.
على مستوى التمثيل السياسي، جاءت مصر في المرتبة 127 من أصل 151 دولة في مؤشر التمثيل الصادر عن المعهد الدولي للديمقراطية لعام 2025، الذي يقيس نزاهة الانتخابات وفعالية البرلمان والأحزاب السياسية. كما احتلت المرتبة 122 من بين 173 دولة في مؤشر الحقوق الذي يقيس حرية الصحافة والتعبير والتجمع، وحماية الأفراد من الاعتقال التعسفي.
أما في مؤشر المشاركة، الذي يقيس حرية عمل المجتمع المدني ومدى انخراط المواطنين في الحياة السياسية، فقد جاءت مصر في المرتبة 144 من أصل 173 دولة، ما يعكس تراجعًا كبيرًا في قدرة المجتمع المدني على العمل بحرية.
وتؤكد تقارير دولية أخرى هذا الاتجاه، إذ صنّف معهد فريزر الكندي بالتعاون مع معهد كاتو الأمريكي مصر في المرتبة 160 من أصل 165 دولة في مؤشر الحرية الإنسانية لعام 2024، الذي يشمل حرية التجمع والتعبير، وذلك استنادًا إلى بيانات حتى عام 2022.
وفي فبراير 2025، حذّر خبراء بالأمم المتحدة من أن “التعبير عن آراء أو نشر تعليقات انتقادية للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر” قد يعرّض أصحابها لـ الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري، وهو تقييم يعكس خطورة الوضع الحقوقي.
كما أصدرت 10 منظمات حقوقية مصرية بيانًا في نوفمبر 2025 بشأن الانتخابات البرلمانية الأخيرة، واعتبرتها “غير معبّرة عن تمثيل ديمقراطي حقيقي”، مرجعة ذلك إلى إغلاق المجال العام، وقمع الآراء المستقلة، واستهداف المعارضة السلمية، وهو ما يمنع – بحسب البيان – تشكيل حركات سياسية قادرة على تمثيل المصريين والدفاع عن مصالحهم.
https://x.com/matsda2sh/status/2012900374349246464
حالة حقوق الإنسان
منصة (صحيح مصر @SaheehMasr) قالت إن تصريح البابا تواضروس (الفائت) غير دقيق، إذ تُظهر مراجعات المجلس القومي لحقوق الإنسان الحكومي والأمم المتحدة وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية والمصرية أن مصر لا تلتزم فعليًا بالمعايير الأساسية لحقوق الإنسان، بل تُسجل نمطًا متواصلًا من الانتهاكات الممنهجة، يتعارض مع التزاماتها.
واشارت إلى التقرير السنوي الثامن عشر للمجلس القومي لحقوق الإنسان الذي أكد استمرار مشكلات جوهرية في أوضاع حقوق الإنسان، أبرزها وقوع وفيات داخل أماكن الاحتجاز، ولا يزال الحبس الاحتياطي المطوّل يمثل أزمة هيكلية، لما يسببه من آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية، داعيًا إلى مراجعة ممارسات التحقيق وتوسيع استخدام البدائل القانونية.
وعن قرارت العفو، لفتت المنصة إلى تقرير "المجلس القومي لحقوق الإنسان" الذي اعتبر أن ذلك لا يعالج المشكلة الأساسية المتعلقة باستخدام الحبس الاحتياطي كأداة ممتدة في بعض القضايا.
وفي ملف حرية التعبير، أقر التقرير بوجود صحفيين رهن الحبس أو التحقيق بسبب محتوى مهني أو آراء منشورة، معتبرًا أن هذا الوضع يتطلب مراجعة تشريعية وتطبيقية جادة. وخلص المجلس إلى أن المشهد الحقوقي يحتاج إلى “معالجات جوهرية” تتجاوز الإجراءات الجزئية.
أمام لجان الأمم المتحدة
وأشارت المنصة إلى أنه في الاستعراض الدوري الشامل لعام 2025، وجّهت 137 دولة ملاحظات واسعة حول انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، شملت التعذيب، والإخفاء القسري، و“تدوير” المحتجزين لإبقائهم في السجن دون محاكمة عادلة. كما أعربت وفود عديدة عن قلقها من التشريعات المقيدة للحريات، خاصة قوانين مكافحة الإرهاب والإجراءات الجنائية وقانون الجمعيات، مشيرة إلى استخدامها لتجريم النشاط الحقوقي والسياسي السلمي.
وتطرقت التوصيات إلى ملاحقات تطال الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين، وإلى تدهور أوضاع النساء واستمرار العنف والتمييز، إضافة إلى تراجع الإنفاق على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ما زاد هشاشة الفئات المتضررة من الأزمة الاقتصادية.
ونقلت عن (المبادرة المصرية للحقوق الشخصية) أن الحكومة رسمت “واقعًا موازيًا” عبر الادعاء بتحقيق إنجازات غير ملموسة، وقبلت توصيات عامة وغير قابلة للقياس، بينما رفضت التوصيات التي تتطلب إجراءات محددة مثل تعديل التشريعات أو التصديق على اتفاقيات دولية أو إطلاق سراح معتقلين.
وأكدت "المبادرة" أن الحكومة كتبت عبارة “منفذ بالفعل” لوصف توصيات تتطلب تغييرات قانونية لم تُنفذ، مثل قانون مناهضة العنف ضد النساء أو ضمان استقلال المجلس القومي لحقوق الإنسان. ورفضت الحكومة توصيات تتعلق بحرية الصحافة والتجمع السلمي، مبررة ذلك بأنها “تتعارض مع القيم الوطنية”.
وفي تقارير أخرى مقدمة للأمم المتحدة، أكدت لجنة العدالة ومنظمة روبرت كينيدي استمرار الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري واستخدام قوانين الإرهاب ضد الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. كما وثّقت 12 منظمة حقوقية مصرية تصاعد الانتهاكات خلال السنوات الخمس الماضية، بما في ذلك التعذيب، وتقييد الحق في التجمع، وتهميش حقوق اللاجئين.
ودعا مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى وقف ممارسة “التدوير”، معتبرًا أنها تُستخدم لإبقاء منتقدي الحكومة قيد الاحتجاز لفترات طويلة عبر توجيه اتهامات جديدة عند انتهاء مدد الحبس. وأكد المفوض السامي فولكر تورك أن هذه الممارسة تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين والصحفيين والمتظاهرين السلميين.
كما أعربت المقررة الخاصة ماري لولور عن قلقها من استمرار إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لإعادة توجيه اتهامات متكررة للمدافعين عن حقوق الإنسان، بما يؤدي إلى استمرار احتجازهم رغم انتهاء مدد أحكامهم أو قرارات الإفراج عنهم.