كشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن وفاة السجين محمد جابر سعد بعد عقدين من الحرمان من الرعاية الطبية وقبل أسابيع من عفو متوقع مما يُجسّد نمطًا متكررًا من الإهمال الطبي في أماكن الاحتجاز. وبات ضمن أول الحالات الموثقة خلال 2026 التي تُظهر أن المشكلة منهجية وليست فردية، وأن الإصلاح يتطلب شفافية التحقيقات، ومحاسبة واضحة، وتمكين منظومة صحية مستقلة داخل السجون، وفقًا للمعايير الدولية.
وفي 2 يناير 2026، توفي السجين محمد جابر سعد مسعود علي (46 عامًا) داخل محبسه بسجن برج العرب الغربي، بعد نحو 21 عامًا من قضاء حكم بالسجن 25 عامًا، وقبل أسابيع من موعد متوقع لإدراجه ضمن قرارات العفو.
وأفادت أسرته بأنه كان بصحة جيدة قبل احتجازه، وأن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت انتهاكات وسوء معاملة، بينما يشير التقرير الرسمي لإدارة السجن—بحسب الأسرة—إلى أنه لم يُعرض على جهة طبية ولم يتلقَّ علاجًا طوال فترة حبسه، ما يثير شبهة إهمال طبي جسيم وانتهاك مباشر للحق في الصحة والحياة.
وأتم محمد جابر حفظ القرآن وتولى مهام سجلات إدارية داخل محبسه منذ أربع سنوات، ورفض—وفق رواية أقاربه—التعاون مع توجهات غير رسمية داخل السجن، ما عرّضه لمضايقات.
وقال مركز الشهاب لحقوق الإنسان إن جثمانه لا يزال بالمشرحة، وسط غياب معلومات واضحة عن نتائج تحقيقات النيابة العامة، وحالة من الصمت الرسمي.
وضمن مطالب حقوقية عاجلة دعا (الشهاب لحقوق الإنسان) إلى تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات الوفاة ومساءلة المسئولين عن أي إهمال طبي أو انتهاكات وإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام ولأسرة المتوفى وتمكين السجناء من الرعاية الطبية الدورية والفورية والالتزام بالمعايير الدستورية والدولية لحقوق السجناء، وعلى رأسها الحق في الحياة والصحة.
ورسميا أعلنت النيابة العامة في 29 ديسمبر 2025 أن أوضاع سجن (برج العرب-الاسكندرية) "جيدة وصحية وإنسانية" إلا أن الشهادات الميدانية من معتقلين سياسيين أكدوا أن ما جرى بعد التفتيش كان نقيضًا لذلك، حيث شُنت حملة انتقامية بقيادة ضباط الأمن الوطني، شملت اقتحامات وضرب ومصادرة للمستلزمات.
ووثق حقوقيون؛ ضرب وتنكيل جماعي ومصادرة المتعلقات واقتحامات متكررة ليلية وسط برد قارس، وتقديم غذاء فاسد (خبز متعفن، خضروات ودجاج غير صالح)، ما يهدد الصحة والحياة، وحرمان من العلاج والأدوية، وفرض نظام قهري عبر سجناء جنائيين يجبرون المعتقلين على دفع مبالغ مالية، علاوة على انتهاكات بحق الأهالي أثناء الزيارات، تشمل تفتيشًا مهينًا يصل إلى حد التحرش الجنسي، إضافة لتكدس شديد داخل الزنازين وانتشار الأمراض والحشرات.
وطالب الحقوقيون بفتح تحقيق مستقل، لوقف الاقتحامات والعقاب الجماعي، وتحسين ظروف الاحتجاز، وتوفير تغذية ورعاية صحية ملائمة، معاملة إنسانية للأهالي، والسماح بزيارات مفاجئة من جهات رقابية مستقلة.
وفيات الإهمال الطبي والتعذيب أبرز الحالات الموثقة محليًا
والأرقام التالية تقديرية مستندة إلى رصد منظمات محلية وتقارير إعلامية خلال 2025، وقد تختلف باختلاف منهجيات التوثيق. الهدف هو إبراز النمط العام وتكرار الوقائع.
31 ديسمبر 2025—هشام مكي (وادي النطرون): توفي بعد تدهور صحي ونُقل إلى مستشفى شبين الكوم قبل وفاته. طالبت جهات حقوقية بفتح تحقيق ومحاسبة المسئولين، مع الإشارة لتكرار وفيات الإهمال في سجون وادي النطرون وبدر والوادي الجديد.
8 نوفمبر 2025—أحمد محمود (سجن الجيزة العمومي): مصاب بسرطان الغدة، رُفض نقله للعلاج الكيماوي في مركز متخصص، أُعيد إلى محبسه رغم تدهور حالته وتوفي داخل الزنزانة.
28 أغسطس 2025—السيد عبد الله عطوة (سجن العاشر): مهندس ورجل أعمال، معتقل منذ 2013، توفي بمستشفى الأحرار بالزقازيق بعد تدهور صحي؛ وُجهت اتهامات بالإهمال الطبي المتعمد.
27 فبراير 2025—نبيل فرفور (البحيرة/دمنهور): مهندس زراعي (65 عامًا)، أصيب بجلطة بعد اعتقاله بشهرين، نُقل لمعهد الأورام وتوفي أثناء محاكمات غيابية وحكم بالسجن 7 سنوات.
4 يونيو 2025—عبدالعزيز عبدالغني (مركز أولاد صقر/سجن جمصة): بالمعاش من القوات المسلحة (62 عامًا)، مصاب بانسداد معوي حاد لأكثر من 25 يومًا، تأخر التدخل الجراحي وتوفي داخل مركز الشرطة.
الصورة الأوسع في 2025
ورصدت منظمات محلية خلال 2025 ما لا يقل عن عشرات الحالات لوفيات يمكن تفاديها داخل السجون وأماكن الاحتجاز، وتتراوح تقديرات بعض التقارير إلى 30 أو 34 حالة مرتبطة مباشرة بالإهمال الطبي وسوء أوضاع الاحتجاز، إضافة إلى حالات يُشتبه بارتباطها بسوء المعاملة أو التعذيب.
وتكررت شكاوى الحرمان من العلاج، وتأخر الإحالة للمستشفيات، والاكتفاء بإجراءات شكلية، وإعادة مرضى إلى محابسهم رغم خطورة حالاتهم.
وتكرار الذِكر لسجون وادي النطرون، وبدر، والوادي الجديد، والعاشر من رمضان، والجيزة العمومي، وأقسام شرطة في محافظات مختلفة.
وغالبًا ما تُعلن السلطات عن فتح تحقيقات، لكن نادرًا ما تُنشر نتائج تفصيلية أو تُذكر إجراءات محاسبة واضحة.
وفي ضوء المعايير الدولية أكدت مواثيق الأمم المتحدة (قواعد نيلسون مانديلا) أن الدولة مسئولة عن صحة المحتجزين، وأن الحرمان من الرعاية الطبية الملائمة قد يرقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية.
وعادةً ما تدعو إلى تحقيقات مستقلة، وتمكين آليات رقابية، وتحسين الرعاية الصحية داخل السجون، وضمان الوصول إلى الأدوية والعلاج المتخصص، ووقف الاحتجاز المطوّل دون مراجعة قضائية فعّالة.
وقال حقوقيون إن الحق في الحياة والصحة غير قابل للتقييد بسبب الاحتجاز؛ أي وفاة يمكن تفاديها داخل السجن تُعد إخفاقًا مؤسسيًا يستوجب المساءلة والإصلاح.