يخاطب جيلًا لم يصنع يناير ..قراءة في خوف السيسى من شباب جيل Z ..عدوه الجديد ؟

- ‎فيتقارير

في سابقة لافتة، اختارالمنقلب  عبدالفتاح السيسي أن يوجّه خطابه في ذكرى ثورة 25 يناير إلى شباب لم يعايشوا الثورة، ولم يشاركوا في حراكها، ولم يُهزموا سياسيًا كما هُزم جيلها الأول. لم يخاطب السيسي هذه المرة «الإخوان» ولا القوى السياسية الإسلامية التي طالما قدّمها بوصفها الخصم التقليدي، بل توجّه مباشرة إلى شباب جيل Z، الذين لم تتجاوز أعمار كثير منهم العشرين عامًا.

 

هذا التحول في بوصلة الخطاب ليس بريئًا، ولا يمكن فصله عن سياق داخلي مشحون بدعوات احتجاج، وحراك إلكتروني شبابي متصاعد، يعيد طرح سؤال الشرعية، ويكسر احتكار السلطة للرواية.

 

جيل بلا خوف… وبلا رواية رسمية

 

في كلمته خلال احتفال عيد الشرطة الـ74، بدا السيسي وكأنه يحاول استدعاء فزاعة «عدم الاستقرار» في مواجهة جيل لا يحمل ذاكرة 2011، ولا يرى في يناير «فوضى»، بل يرى في واقعه الاقتصادي والسياسي فشلًا ممتدًا. اعترافه بأن هذا الجيل كان «في عامه الأول أو الثاني» وقت الثورة، لم يكن توصيفًا زمنيًا بقدر ما كان إقرارًا ضمنيًا بأن الرواية الرسمية لم تعد مُقنعة لمن لم يُرَبَّ عليها.

 

حديثه المتكرر عن «الثمن الباهظ لأي اضطراب» بدا أقرب إلى تحذير مرتبك، موجه لشباب لا تؤثر فيهم سرديات الدم والخوف، لأنهم ببساطة لم يعيشوا لحظة الانكسار الأولى.

 

تبرئة الشرطة… وتبييض السجل

 

وفي محاولة مكشوفة لغسل يد أجهزة الأمن من سجلها الدموي، قدّم السيسي الشرطة بوصفها «تمثل كل بيت مصري»، متجاهلًا أن هذه المؤسسة نفسها ارتبط اسمها – بمشاركة وحدات من الجيش – بمجازر واعتقالات وتصفيات منذ يناير 2011، مرورًا بانقلاب 3 يوليو 2013، وصولًا إلى رابعة وما تلاها.

 

هذا الخطاب لا يستهدف إقناع من عايشوا تلك الوقائع، بل إعادة تشكيل وعي جيل لم يشهدها، وتقديم نسخة منقحة من التاريخ، تُحمِّل الضحية مسؤولية ما جرى.

 

إنكار الانقلاب… بلغة عاطفية

 

الرسالة الثالثة للسيسي إلى جيل Z تمثلت في إعادة نفي توصيف ما جرى في 3 يوليو بوصفه انقلابًا عسكريًا، مستخدمًا لغة عاطفية عن «إرادة شعبية» و«إنقاذ الدولة»، بل وذهب إلى حد القول إن محمد مرسي كان يمكن أن يترشح مجددًا لو «سكت الإخوان».

 

تصريح قوبل بسخرية واستنكار واسع، لا سيما في ظل وقائع موثقة عن اعتقال الرئيس المنتخب واحتجازه حتى وفاته، ومنع وسجن كل من حاول منافسة السيسي انتخابيًا لاحقًا، ما يفضح التناقض الصارخ بين الخطاب والواقع.

 

التكنولوجيا… العدو الجديد

 

الأكثر دلالة كان تركيز السيسي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتحذيره من «تصوير مواقف غير موجودة» و«صناعة سياقات تؤدي للاضطراب». هذا الهجوم لا يعكس قلقًا أخلاقيًا بقدر ما يكشف فزعًا سياسيًا من أدوات لا تسيطر عليها الدولة.

 

الإشارة إلى تجارب أستراليا وبريطانيا بدت تمهيدًا لشرعنة تقييد استخدام الهواتف والإنترنت، وهو ما تُرجم سريعًا بإعلان البرلمان إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام الأطفال للتطبيقات ومواقع التواصل، وسط مخاوف حقوقية من توسيع دائرة الحظر لتشمل الشباب عمومًا.

 

لماذا الآن؟

 

الإجابة تكمن في أن جيل Z لا يحمل إرث الهزيمة، ولم يدخل في مساومات السياسة التقليدية، ولا يثق في الإعلام الرسمي. جيل يتواصل خارج منصات الدولة، ويستخدم تطبيقات يصعب اختراقها، وينظم استفتاءات إلكترونية على رحيل رأس السلطة، تجاوزت حاجز المليون مشارك في أيام.

 

هذا الجيل لا يقارن بين «أسوأ وأسوأ»، بل يقارن بين ما يراه في العالم، وما يعيشه في بلده.

 

تكتيك مخابراتي لا أكثر

 

محللون يرون أن خطاب السيسي يعكس أسلوبًا مخابراتيًا قديمًا: تفكيك السردية الأصلية، وإعادة تركيبها لجمهور أقل معرفة بالتفاصيل. فتح ملفات مرسي، والانتخابات، والدماء، في ليلة ذكرى يناير، ليس مصادفة، بل محاولة لإرباك الوعي، وبث الشك، واختراق الحالة الشعورية لدى الشباب.

 

لكن المفارقة أن هذا التكتيك، الذي نجح سابقًا مع أجيال منهكة، قد لا يعمل مع جيل وُلد في عصر المعلومات المفتوحة، ولا ينتظر إذنًا ليعرف.

السيسي لا يخاطب جيل Z لأنه حريص عليه، بل لأنه يخاف منه. يخاف من جيل لا يرى فيه «منقذ الدولة»، بل حاكمًا عجوزًا أكبر من أجدادهم، يحاول أن يفرض مستقبلًا لم يعد يملكه وحده.