قال مراقبون: إن "خطاب السيسي الأخير في أكاديمية الشرطة ليس مجرد تصريحات عابرة، بل جزء من استراتيجية ممنهجة لإعادة إنتاج السيطرة عبر التناقضات المتكررة، وإعادة صياغة التاريخ بما يخدم السلطة، وإبقاء المجتمع في حالة خوف وانقسام".
وأكد المراقبون أن الأزمة لا تكمن في الأقوال نفسها، بل في أثرها البنيوي على المجال السياسي والاجتماعي، حيث تُستبدل الشرعية السياسية بشرعية أمنية، وتُفكك الذاكرة الثورية وتُحوّل إلى خطر أو مؤامرة.
واعتمد عبد الفتاح السيسي على صناعة خطاب متضاد يربك الناس ويشغلهم بخلافات داخلية، وفي الوقت نفسه استخدمت القوة والعنف كوسيلة لتثبيت قبضتها، وأعاد تعريف الشرعية السياسية لتقوم على الأمن والاستقرار المفروض بالقوة، لا على المشاركة أو الانتخابات، بينما جرى تفكيك الذاكرة الثورية وتحويلها إلى خطر أو مؤامرة.
وأن هذه المنهجية جعلت من مجرد استدعاء يناير مخاطرة أمنية.
التضارب تكتيك قصير المدى
الكاتب والمحلل السياسي تامر النحاس في زوايته #بالعامية تناول التصريحات الأخيرة للسلطة بخصوص ما قبل 30 يونيو، وقال: إن "المشكلة مش في التصريحات نفسها ولا في تناقضها، لكن في تأثيرها"، مبينا أن السلطة اعتادت إطلاق تصريحات متضادة: "مرة تمجيد يناير والشهداء، ومرة وصفها بهدم الدولة، ومرة الحديث عن الجماعة الإرهابية، ومرة عن الرئيس مرسي لو كان وافق على انتخابات. هذا التناقض مش ضعف، بل تكتيك قصير المدى يخلي الناس تنشغل وتتخانق فيما بينها على احتمالات غير موجودة أصلاً".
وأضاف أن النتيجة، أطياف المعارضين والحالمين يدخلوا في صدامات عصبية، بينما المؤيدين للسلطة يزداد خوفهم ويتمسكون أكثر بالرواية الرسمية حتى لو كانت مليئة بالكذب، كأن الكذب نفسه محتاج دفاع أكبر، السلطة في النهاية بتضحك: تصريح عابر يفتح باب جدل، يربك الجميع، ويعيد تثبيت قبضتها.
ويرى "النحاس" أن استمرار الفشل في الحكم مش بس بسبب السلطة، لكن كمان بسبب غياب طبقة سياسية محترمة وظروف دولية بتخدم الوضع، ومع ذلك، الباب الوحيد للتغيير الحقيقي هو الضغط الاقتصادي اللي السلطة نفسها بتفتحه على المصريين.
وخلاصة رأيه أن القضية مش إن السلطة قالت وتراجعت، لكن إن الناس تصدق إن في باب للمراجعة أو للتخلي، فيتخانقوا على "ورث" مش موجود. الرسالة: نفكر بعقلانية، نتعامل مع التصريحات كتدريب أو اختبار استراتيجي، مش كفرصة للشتيمة والخناق اللي بيخدم استمرار نفس الفشل "بينما السلطة بتستفيد من حالة الانشغال والانقسام".
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10170071125411337&set=a.10150740352626337
وفي مقال الكاتب والمحلل الصحفي وائل قنديل، رد على تصريحات السيسي الأخيرة، بفكرة أساسية أن السيسي حاول تبرير ما جرى في 2013 بالقول إن لو "الإخوان" سكتوا كان ممكن تتم انتخابات مبكرة ويترشح فيها الرئيس مرسي، لكن هذا الكلام ينسف الرواية الرسمية التي رُوّجت لأكثر من 12 عاماً عن التجسس والخيانة، ويكشف أن قرار العزل كان متخذاً مسبقاً.
وقارن "قنديل" بين ما حدث في فرنسا عام 2017 حين استقال رئيس الأركان بعد خلاف مع الرئيس ماكرون، وبين ما فعله السيسي مع الرئيس المنتخب محمد مرسي، في فرنسا، بقي الرئيس ورحل العسكري، بينما في مصر استُخدم الجيش لإسقاط الرئيس المدني، مع تبريرات لاحقة عن "حماية الأمن القومي". لكن أرشيف الصحافة يكشف أن الجيش كان مستعداً لمرحلة ما بعد مرسي قبل الانقلاب بأيام، كما ظهر في مانشيت "الشروق" يوم 25 يونيو 2013.
وأشار إلى أن الأمر لم يكن انتظار موافقة على انتخابات مبكرة، بل خطة جاهزة للانقلاب، مدعومة إقليمياً كما ظهر في صحيفة "عكاظ" السعودية التي بشّرت بالانقلاب قبل وقوعه، وبعد التنفيذ، لم يكن هناك أي حرص على حقن الدماء، وهو ما أكدته استقالة محمد البرادعي احتجاجاً على مجزرة فض الاعتصام، حيث أوضح أن حلولاً سياسية كانت ممكنة لكن تم تجاهلها لصالح العنف.
وأكد أن السيسي حين يسأل "مين اللي ضرب النار ومين اللي ولّع؟" فإن الإجابة، بحسب قنديل، أنه هو نفسه الذي أطلق الرصاص في ماسبيرو، محمد محمود، ورابعة، الهدف كان إنهاء عصر الجماهير إلى الأبد، وأن المدهش أنه يستدعي هذه الذكريات الدموية في مناسبة ذكرى ثورة يناير، وكأنها محاولة لإعادة صياغة التاريخ، بينما الوقائع والأرشيف يفضحان التناقض.
وطرح الكاتب والمحلل السياسي أحمد هلال في كتابه "المسارات.. من الاحتواء إلى الإغلاق" قراءة معمقة للحظة يوليو 2013 باعتبارها حدثًا بنيويًا أعاد هندسة المجال العام في مصر، لا مجرد انقلاب أنهى تجربة ديمقراطية وليدة، يرى أن ما جرى لم يكن خروجًا عن المسار الذي بدأ مع خطاب تنحي مبارك في فبراير 2011، بل كان تتويجًا لمسار احتواء طويل استُنفدت فيه أدوات الإدارة غير المباشرة، وحين فشلت السياسة المدنية في إنتاج استقرار مستدام، أصبح التدخل المباشر للدولة ممكناً ومطلوباً.
وأضاف أن أحد أبرز سمات تلك اللحظة كان استدعاء الشارع ضد الشارع، حيث جرى توظيف الاحتجاج ذاته، الذي كان أداة الثورة، ليصبح أداة لإنهائها، خرجت جماهير واسعة تطالب بتدخل المؤسسة العسكرية، لا بدافع الولاء لها، بل نتيجة الإحباط من انسداد السياسة والخوف من الانهيار، هذا التحول كشف مأزق التجربة المصرية: حين تعجز القوى المدنية عن إدارة الخلاف داخل الإطار السياسي، يتحول الشارع من قوة تغيير إلى أداة تفويض للقوة الصلبة.
وبعد 2013، أعيد تعريف الشرعية السياسية لتستمد من القدرة على فرض النظام وضمان الاستقرار، لا من الانتخابات أو المشاركة، الثورة نفسها أُعيد تأطيرها كفوضى أو مؤامرة خارجية، بهدف منع تكرارها، في هذا السياق، لم يعتمد النظام على القمع المباشر فقط، بل على إعادة هندسة المجال العام عبر تفكيك التنظيمات المستقلة، السيطرة على الإعلام، وتوسيع الإطار القانوني للتجريم، بحيث أصبح الخوف حالة بنيوية دائمة.
ورأى أن جزء أساسي من هذا الإغلاق كان تفكيك الذاكرة الثورية، لم يعد الحديث عن يناير مجرد موقف سياسي، بل مخاطرة اجتماعية وأمنية، جرى تجفيف الرموز وتشويه السرديات وتحويل الشهداء إلى أرقام أو موضع شك، وهو ما مثّل شرطًا ضروريًا لإغلاق المجال العام. النتيجة الأعمق كانت التحول من قابلية الثورة إلى قابلية الانفجار، حيث غابت التنظيمات والمشروعات السياسية، وبقي الغضب الاجتماعي في صورة انفجارات يائسة غير منظمة، محدودة الأثر السياسي لكنها شديدة الكلفة الاجتماعية.
وأوضح أن الدولة بعد الإغلاق أعيد بناؤها قوية أمنيًا لكنها فقيرة سياسيًا، المجال العام أُفرغ من السياسة بوصفها تفاوضًا وصراع مصالح مشروع، وحلّ محلها خطاب واحد وشرعية واحدة، هذا النمط من الاستقرار يبدو صلبًا لكنه هش على المدى البعيد، لأنه لا يعالج الجذور الاجتماعية والاقتصادية التي فجّرت يناير، الإغلاق إذن كان نهاية مرحلة، لا نهاية التاريخ، فالأسباب البنيوية التي أدت إلى الثورة لم تُحل بل أُعيد كبحها بالقوة.
ويخلص هلال إلى أن فهم يناير لا يكتمل من داخل الإطار الوطني وحده، لأن التغيير في الدول التابعة مشروط ببنية النظام الدولي والإقليمي، لكن هذا القيد الخارجي لا يلغي المسؤولية الداخلية، فالدول التي تمتلك مشروعًا وطنيًا جامعًا ونخبًا قادرة على التفاوض الذكي تكون أقدر على توسيع هامش المناورة، الدرس الأعمق ليناير أن التغيير يحتاج إلى ثلاثة عناصر متكاملة: غضب اجتماعي، سياسة رشيدة، ووعي بالسياق الدولي، غياب أي منها يجعل التحول ناقصًا وقابلًا للاحتواء أو الإغلاق. غاية الكتاب ليست الرثاء بل الفهم، لأن الفهم هو الشرط الأول لأي محاولة قادمة لتجاوز المأزق نفسه.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=871479849192143&set=a.104190835921052
خطاب السيسي الأخير يعكس استراتيجية ممنهجة؛ فالتناقضات ليست صدفة، بل وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة، وتثبيت رواية رسمية رغم تناقضها مع الوقائع والأرشيف، وإبقاء المجتمع في حالة خوف وانقسام، هذه الأصوات الثلاثة تلتقي عند نقطة أساسية: أن مواجهة هذا النمط من الخطاب لا تكون بالانجرار وراء تفاصيله، بل بقراءته كأداة سلطة، وفهم أثره على المجال العام، بما يفتح الباب أمام نقد عقلاني يفضح بنيته بدل الاكتفاء بالرد على سطحه.