قراءة تحليلية لتقرير “الشفافية “: الفساد يلتهم فرص الإصلاح وأثر مدمر على الاقتصاد بعشرية السيسى السوداء.؟!

- ‎فيتقارير

يكشف تقرير مدركات الفساد لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية من مقرها في برلين في 10 فبراير 2026، عن صورة قاتمة لأداء مصر في ملف النزاهة والشفافية، بعدما استقرت عند 30 نقطة من أصل 100، محتلة المرتبة 130 من بين 182 دولة، دون أي تحسن يُذكر مقارنة بالعام السابق.

 

لا تبدو الأرقام مجرد ترتيب إحصائي، بل تعكس مساراً ممتداً من الجمود على مدار عقد كامل. فمنذ عام 2015 وحتى 2025، تراوحت درجات مصر بين 30 و35 نقطة، دون تسجيل أي قفزة نوعية. وبينما بلغ المتوسط العالمي نحو 43 نقطة، بقيت مصر في الثلث الأخير عالمياً، ما يشير إلى فجوة مستمرة في معايير الشفافية والمساءلة.

 

هذا الثبات عند مستوى متدنٍ، وفق قراءة تحليلية للتقرير، يعني أن خطط "الإصلاح الإداري" والتحول الرقمي التي أُعلن عنها خلال السنوات الماضية لم تنعكس على تقييمات الخبراء ورجال الأعمال والمؤسسات البحثية الدولية، التي يعتمد عليها المؤشر، ومنها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي.

 

أثر مباشر على الاقتصاد والاستثمار

 

يحمل استمرار مصر عند 30 نقطة رسالة سياسية واقتصادية ثقيلة. فمؤشر مدركات الفساد يُعد مرجعاً أساسياً للمستثمرين الدوليين في تقييم مخاطر بيئة الأعمال. وعندما تبقى دولة ما في مرتبة متأخرة لسنوات طويلة، فإن ذلك يضعف قدرتها على جذب الاستثمارات النوعية، ويرفع كلفة التمويل، ويزيد من تصورات المخاطر المرتبطة بالتعاقدات والإنفاق العام.

 

في المقابل، سجلت دول في المنطقة تحسناً تدريجياً خلال الفترة ذاتها، ما منحها ميزة تنافسية إضافية في استقطاب رؤوس الأموال وتعزيز الثقة في مؤسساتها.

 

ستة أسباب للركود

 

يرصد التقرير مجموعة من العوامل التي تفسر غياب التحسن، أبرزها:

 

غياب الشفافية الكاملة في الإنفاق العام، خصوصاً في ما يتعلق بالعقود والمشتريات والمشروعات الكبرى.

 

ضعف حماية المبلغين عن الفساد، في ظل غياب إطار قانوني فعّال يضمن سلامتهم.

 

تراجع دور الإعلام الرقابي، بما يحد من المساءلة المجتمعية.

 

تعقيدات بيروقراطية واتساع سلطات تنفيذية في قطاعات حيوية مثل الأراضي والتراخيص.

 

فجوة في إتاحة البيانات العامة، وغياب قواعد بيانات مفتوحة تمكّن الباحثين والجمهور من تتبع الإنفاق.

 

محدودية استقلال الأجهزة الرقابية مالياً وسياسياً.

 

هذه العوامل، وفق التحليل، لا تؤثر فقط على صورة الدولة خارجياً، بل تنعكس داخلياً على توزيع الموارد وكفاءة الإنفاق العام، ما يرفع تكلفة الخدمات، ويعمّق فجوات العدالة الاجتماعية.

 

تهديد للاستقرار الاجتماعي

 

يحذر خبراء من أن استمرار هذا المستوى من الفساد قد يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إذ يؤدي إلى سوء تخصيص الموارد، ويقوّض الثقة بين المواطن والدولة، ويعزز الشعور بعدم تكافؤ الفرص. ومع هشاشة الأوضاع الاقتصادية، يصبح أي نزيف إضافي في المال العام عبئاً مباشراً على مستويات المعيشة.

 

في المحصلة، لا يقدم تقرير 2025 رقماً جديداً بقدر ما يكرس واقعاً ثابتاً: عشر سنوات من الدوران في دائرة مغلقة، دون انتقال حقيقي نحو بيئة أكثر شفافية ومساءلة. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت السنوات المقبلة ستشهد تحولاً فعلياً في بنية الحوكمة، أم استمراراً في المسار ذاته الذي جعل رقم 30 نقطة عنواناً دائماً لعقد كامل.