شهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري قفزة جديدة خلال ثمانية أيام فقط، إذ ارتفع من 46.8 جنيه في 15 فبراير 2026 إلى 47.8 جنيه في 23 فبراير. هذا التراجع السريع أعاد الجنيه إلى دائرة الضغوط بعد فترة قصيرة من الاستقرار النسبي، وأثار تساؤلات حول الأسباب المباشرة التي دفعت العملة المحلية إلى هذا الانخفاض المفاجئ.
وما حدث خلال أيام قليلة يكشف أن الاعتماد على الأموال الساخنة يجعل الاقتصاد المصري عرضة لتقلبات حادة، وأن أي توتر إقليمي أو تحرك مفاجئ في الأسواق العالمية قادر على دفع الجنيه إلى موجة تراجع جديدة. ورغم الاعتراف الرسمي السابق بخطورة هذا النهج، فإن السياسات المالية ما زالت تعيد إنتاج الأخطاء نفسها، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية وتقترب المنطقة من احتمالات صراع واسع.
وخلال الأسبوع الماضي، نشرت عدة منصات اقتصادية مصرية تقارير تحذّر من أن موجة خروج الأموال الساخنة أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في تراجع الجنيه. أبرز هذه التحذيرات جاء من منصة "صحيح مصر" التي خصصت تقريرًا كاملًا لرصد حركة تخارج المستثمرين العرب والأجانب من أذون وسندات الخزانة، مؤكدة أن هذا التخارج هو السبب المباشر لفقدان الجنيه نحو 69 قرشًا خلال أيام قليلة.
وأوضح التقرير أن السوق المصري أصبح شديد الحساسية لأي حركة بيع مفاجئة، وأن الاعتماد على الأموال الساخنة يعيد إنتاج الأزمة نفسها التي حدثت في 2022.
تخارج الساخنة وسعر الصرف
ورجح المحللون هذا التراجع إلى موجة خروج واسعة للأموال الساخنة، وهي استثمارات الأجانب في أدوات الدين قصيرة الأجل. وقد تزامن هذا التخارج مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، ما دفع المستثمرين إلى الهروب نحو ملاذات أكثر أمانًا. ورغم أن حساسية هذه الأموال للاضطرابات السياسية أمر معروف، فإن خطورتها تكمن في أن الحكومة المصرية سبق أن اعترفت بأنها أخطأت في الاعتماد عليها، لكنها ما زالت تكرر النهج نفسه.
وفي السياق نفسه، نشرت البورصة المصرية تقارير أسبوعية أظهرت بوضوح حجم التخارج العربي من أدوات الدين، الذي تجاوز 14 مليار جنيه خلال أسبوع واحد. هذه البيانات أثارت موجة من التحليلات لدى خبراء الاقتصاد الذين أكدوا أن هذا النوع من التدفقات قصيرة الأجل لا يمكن الاعتماد عليه، لأنه يخرج فورًا عند أي توتر سياسي أو عسكري، وهو ما حدث بالفعل مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية.
مبيعات ضخمة في أسبوع
وخلال الفترة من 15 إلى 19 فبراير، وهي الأيام التي شهدت بداية تراجع الجنيه، باع المستثمرون العرب والأجانب سندات وأذون خزانة بقيمة 12.1 مليار جنيه، أي ما يعادل نحو 257 مليون دولار. ويُعد هذا الرقم ضخمًا مقارنة بفترات سابقة؛ إذ يزيد بنحو 34 ضعفًا عن أقرب فترة مماثلة في يناير الماضي، حين لم تتجاوز عمليات التخارج 360 مليون جنيه فقط. هذا الفارق الكبير يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها سوق الدين المحلي خلال أيام قليلة.
وإلى جانب ذلك، حذّر محللون ماليون مصريون خلال الأسبوع الماضي — عبر تصريحات في برامج اقتصادية محلية — من أن الحكومة تعيد الخطأ نفسه الذي اعترفت به سابقًا، وهو الاعتماد على تدفقات قصيرة الأجل بدل الاستثمار الإنتاجي. وأشاروا إلى أن رفع أسعار الفائدة لجذب هذه الأموال يجعل تكلفة الاقتراض المحلي ترتفع بشكل كبير، وهو ما ظهر في القفزة غير المسبوقة في إصدارات أذون الخزانة خلال فبراير.
وتناول هاني جنينة، الخبير الاقتصادي والمحاضر بالجامعة الأمريكية، في مداخلات إعلامية أن السوق المصري أصبح هشًا للغاية أمام أي حركة مفاجئة لرءوس الأموال قصيرة الأجل، وأن موجة البيع الأخيرة من المستثمرين العرب كانت كافية لإحداث ضغط كبير على الجنيه خلال أيام قليلة. جنينة شدد على أن الاعتماد على الأموال الساخنة يعيد مصر إلى الحلقة نفسها التي واجهتها في 2018 و2020 و2022، وأن أي توتر إقليمي — مثل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران — ينعكس فورًا على سعر الصرف.
وفي الاتجاه نفسه، حذّر مصطفى عبد السلام، الكاتب الاقتصادي في جريدة العربي الجديد، خلال مقالاته الأسبوع الماضي من أن الأموال الساخنة ليست استثمارًا حقيقيًا، بل “قنبلة موقوتة” تهدد الاستقرار النقدي. وأشار إلى أن خروج ما يقارب 14 مليار جنيه من أدوات الدين خلال أسبوع واحد يوضح مدى خطورة الاعتماد على هذه التدفقات، خاصة في ظل ارتفاع مستويات الاقتراض الحكومي عبر أذون الخزانة.
أما الخبير المصرفي محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة أحد البنوك المصرية، فتناول الأزمة في تصريحات إعلامية حديثة، مؤكدًا أن الأموال الساخنة تتحرك بسرعة تفوق قدرة البنك المركزي على امتصاص الصدمات. وأوضح أن ارتفاع الفائدة لجذب هذه الأموال يضع عبئًا إضافيًا على الموازنة العامة، بينما خروجها المفاجئ يرفع الطلب على الدولار ويضغط على الاحتياطي النقدي، وهو ما ظهر بوضوح في تراجع الجنيه خلال الأسبوع الماضي.
وانضم إلى هذه التحذيرات رامي أبو النجا، نائب محافظ البنك المركزي سابقًا، الذي تحدث في لقاءات اقتصادية خلال الأيام الأخيرة عن أن السوق المصري لا يمكنه الاستمرار في الاعتماد على تدفقات قصيرة الأجل، لأن أي اضطراب خارجي — سواء جيوسياسي أو مالي — يؤدي إلى موجة خروج مفاجئة ترفع سعر الدولار وتزيد من تقلبات السوق. وأكد أن الحل يكمن في جذب استثمارات إنتاجية طويلة الأجل بدل الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل.
وتعكس هذه الأصوات مجتمعة إجماعًا بين المحللين خلال الأسبوعين الأخيرين على أن خروج الأموال الساخنة كان العامل الأكثر تأثيرًا في تراجع الجنيه، وأن استمرار الاعتماد عليها سيجعل السوق عرضة لمزيد من التقلبات مع كل أزمة إقليمية أو عالمية جديدة.
وتتفق التحذيرات على أن الأموال الساخنة ليست حلًا، بل مصدر لعدم الاستقرار، وخروجها المفاجئ خلال الأسبوع الماضي كان كافيًا لإعادة الجنيه إلى دائرة التراجع رغم كل الإجراءات النقدية التي اتخذتها الدولة خلال العامين الماضيين.
تدفقات سريعة… ومخاطر أسرع
وتعد الأموال الساخنة؛ رءوس أموال أجنبية تدخل الأسواق للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة أو انخفاض قيمة العملة، لكنها تغادر فور ظهور أي اضطراب سياسي أو اقتصادي. ورغم أنها تمنح الاقتصاد تدفقات مالية سريعة، فإنها تخلق حالة من عدم الاستقرار، لأن خروجها المفاجئ يرفع الطلب على الدولار ويضغط على سعر الصرف. وقد بدأت مصر الاعتماد عليها بكثافة منذ تعويم الجنيه في 2016، عبر إصدار أدوات دين قصيرة وطويلة الأجل بفوائد مرتفعة.
وتسبّب الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022 بخروج 25 مليار دولار من الأموال الساخنة من مصر دفعة واحدة، وهو ما اعترفت الحكومة بأنه كان خطأ استراتيجيًا. وزير المالية الأسبق محمد معيط قال بوضوح في يوليو 2022 إن الدولة "تعلمت الدرس" ولن تعتمد على هذه الأموال مرة أخرى. لكن بعد التعويم الأخير في مارس 2024 ورفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية، عادت الأموال الساخنة مجددًا، مدفوعة بتوصيات مؤسسات مالية عالمية، لتعيد معها المخاطر نفسها.
ورغم أن بعض المستثمرين الأجانب عادوا للشراء في فبراير، فإن ذلك لم يكن كافيًا لتعويض موجة البيع العربية. فقد خسر الجنيه نحو 69 قرشًا خلال أيام، متراجعًا من 46.84 إلى 47.53 جنيه، ليفقد كل المكاسب التي حققها منذ بداية العام. هذا التراجع السريع يعكس هشاشة سوق الصرف أمام تحركات رئوس الأموال قصيرة الأجل، ويؤكد أن أي اضطراب خارجي قادر على إحداث صدمة داخلية فورية.
في الوقت نفسه، ارتفع اعتماد الحكومة على الاقتراض قصير الأجل بشكل غير مسبوق. فقد اقترضت وزارة المالية نحو 656.6 مليار جنيه خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من فبراير فقط، وهو رقم يعادل خمسة أضعاف ما تم اقتراضه في الفترة نفسها من العام الماضي. وتستحق هذه الديون خلال أقل من عام، ما يعني التزامات مالية ضخمة وفوائد مرتفعة تزيد الضغط على الخزانة العامة.
وتناولت منصات اقتصادية مثل Enterprise وBusiness Insider Arabia وZawya في تغطياتها الأخيرة أثر التوترات الإقليمية على الأسواق الناشئة، مشيرة إلى أن مصر كانت الأكثر تأثرًا بسبب اعتمادها الكبير على الأموال الساخنة. هذه التحليلات أكدت أن خروج هذه الأموال يضغط مباشرة على الاحتياطي النقدي وعلى قدرة البنوك على توفير الدولار، ما يؤدي إلى تراجع سريع في قيمة الجنيه.